هجرة تتمّ بانتظام كل عام ، وبرغم أنها هجرة لنوع من الحيوانات إلا أنها تتلامس كثيرًا مع ما نشهده من آلام ومآسٍ يعانيها أبناء جنوب البحر المتوسط في هجرتهم نحو الشمال .
إنها هجرة أكثر من مليوني حيوان بري معظمهم من الجاموس الأفريقي من الحديقة الوطنية "سيرنغيتي" في تنزانيا (الجنوب) وقت الجفاف ، إلى مراعٍ أكثر اخضرارا في محمية "ماساي مارا" الوطنية في كينيا (الشمال) خلال الفترة ما بين يوليو إلى أكتوبر من كل عام .
مشهد عجيب في حبِّ البقاء والبحث عن الرزق لا يعترف بالحدود الجغرافية بين الدول ، قطعان بأعداد ضخمة ، تستمر مسيرتها على اليابسة تحت أخطار الأسود والنمور والضباع التي تعترض طريقها وتتربَّص بها .
يظلُّ تدافع تلك الحشود برغم الأخطار حتى تصل إلى أقسى وأصعب مرحلة في رحلتها .
تلك المرحلة الحرجة هي عبور نهر "مارا" الذي يقطع طريقها على اليابسة ، في هذه النقطة الحرجة وفي الوقت الذي يهرب فيه الضعفاء بحثاً عن البقاء ، تتكاثر التماسيح التي تنتظر هذه الفرصة للفوز بصيد ثمين .
يقف القطيع على اليابسة على حافة النهر يتحسَّس أقصر نقطة للعبور ، يظل في ترقُّب وانتظار حتى يتجرأ أحد أفراد القطيع على العبور ، وبعدها يبدأ الاندفاع من أعلى نحو النهر في تدافع وتلاحم ومغامرة تقود بعضهم للغرق أو الجروح والكسور ، أو الوقوع بين فكي تمساح من التماسيح المتربصة .
اندفاعة عجيبة للقطيع خلف من بادر بالعبور ، بلا رَوِيَّة ولا أَنَاة ، لا يلتفت أحدهم وراءه ولا ينشغل بمن يسقط في الطريق .
ومهما كثر المتساقطون يستمر الناجون في طريقهم ، لا أحد ينتظر من أصابه الإعياء ، أو يسعف من وقع فريسة بين فكي تمساح ، فالكل منشغل بنفسه للعبور نحو استكمال الطريق .
تلك هي الرحلة من الجنوب إلى الشمال بحثا عن البقاء .
القصة لم تنته ، فأغرب وأعجب فصولها ؛ أن هذا القطيع بعد أن ينقشع الجدب في موطنه في الجنوب ، يغادر المرعى الخصيب في الشمال ، ويعيد نفس الهجرة بذات المسار وذات الأخطار للعودة إلى وطنه .!
( وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ? مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ? ثُمَّ إِلَى? رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ .)
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


