الحكم بغير ما أنزل الله (1)
* ـ قال بعض المشايخ:
"من تحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بعد التعريف فهو كافر، قال الله تعالى :{أفغير دين الله يبغون؟!}، وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمِروا أن يكفروا به؟!}، وقال تعالى :{ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}".
أقول:
الاستدلال هنا بقول الله تعالى: {أفغير دين الله يبغون؟!} هو في غير محله، لأن الآية الكريمة هي في الذين لا يؤمنون برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى :{وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين. فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون. أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يُرجعون؟!}.
والاستدلال هنا بقول الله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك؟!} هو في غير محله، لأن الآية الكريمة هي في المنافقين، قال الله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمِروا أن يكفروا به؟!، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا. وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا}.
والاستدلال هنا بقول الله تعالى :{ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} هو في غير محله، لأن الآية الكريمة هي في المشركين، قال الله تعالى {وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء، كذلك فعل الذين من قبلهم، فهل على الرسل إلا البلاغ المبين؟!. ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت، فمنهم من هدى اللهُ ومنهم من حقت عليه الضلالة، فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين}.
وفي هذا السياق يأتي قول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في الخوارج الحرورية الذين هم شرار الخلق: "إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين". [].
ذكره البخاري عنه في صحيحه معلقا بصيغة الجزم، ورواه الطبري في كتاب تهذيب الآثار وابن عبد البر في التمهيد بسند صحيح.
* ـ قال بعض المشايخ:
"الحكم بغير ما أنزل الله كفر يخرِج المرء من الملة، لقول الله تبارك وتعالى: {إنِ الحكم إلا لله}، ولقوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، والرضا به كذلك، ومنه الرضا بإجراء انتخابات نيابية تشريعية".
أقول:
الرضا بالحكم بغير ما أنزل الله رضا قبولٍ هو كفر مخرج من الملة، ما في ذلك شك. وأما الحكم به بدون أن يكون عن رضًا به ففيه كلام:
روى الشيخان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن". [].
[صحيح البخاري: 7/ 104. صحيح مسلم: 1/ 76].
وأجمع أهل السنة ـ في فهم هذا الحديث ـ على أن من فعل شيئا من ذلك معتقدا حله أو مستخفا ومستهزئا بتحريم الله له فهذا كافر لا شك فيه، وأن من فعلَ شيئا من ذلك معتقدا تحريمه وعِظـَم الإثم الذي فيه مرتكبا له من باب غلبة شهوة النفس وضعف الصبر عن المحارم فهو عاصٍ آثمٌ وليس بكافر، وأن انتهاك حرمة ذلك الفعل دليل على ضعف إيمانه، ولذا فقد جاء التعبير عنه بأنه لا يفعل ذلك وهو مؤمن، أي لا يفعل ذلك وهو مؤمنٌ الإيمانَ المنجيَ من عذاب الله.
وفي مسألة الحكم بغير ما أنزل الله لا بد كذلك من التفريق بين من يفعل ذلك معتقدا أن غير هدْي النبي صلى الله عليه وسلم أكملُ من هديه وأكثرُ تحقيقا لمصالح العباد أو وهو راضٍ به رضا قبولٍ وبين من يفعل ذلك ضعفا وعجزا وشهوة نفس، فأما الأول فهو كافر خارج من الملة، وأما الثاني فهو عاصٍ آثمٌ وليس بكافرٍ الكفرَ المخرج من الملة.
ـ قد يستدل بعض القائلين بتكفير كل من لم يحكم بما أنزل الله بما رواه مسدد وأبو يعلى وابن جرير والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في السنن من طرق عن مسروق بن الأجدع أن رجلا سأل ابن مسعود عن السحت فقال: الرُشا. قال: فالجَور في الحكم؟!. فقال: "ذاك الكفر". وهذا إسناد صحيح. وفي بعض الطرق: ثم تلا هذه الآية :{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}. ورواه الطبراني في معجمه الكبير من طريق آخر عن ابن مسعود أنه قال: "الرشوة في الحكم كفر، وهي بين الناس سحت". [].
هذا رواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق سعيد بن منصور عن حماد بن يحيى الأبح عن أبي إسحاق السَبيعي عن أبي الأحوص عوف بن مالك عن ابن مسعود. سعيد بن منصور خراساني مكي ثقة إمام مات سنة 227. حماد بن يحيى الأبح بصري صدوق ثقة فيه لين. أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السَبيعي كوفي ثقة معمر اختلط بآخره، ومات سنة 127. أبو الأحوص عوف بن مالك كوفي ثقة مات قرابة سنة 85. وهذا الطريق لا بأس به في المتابعات.
والجواب أنه يُقال هنا ما قيل في الأحاديث النبوية التي ورد فيها لفظ الكفر في عدد من المعاصي وكذا في أقوال الصحابة في كفر تارك الصلاة، وقد تقدم هذا في مبحث عدم تكفير تارك الصلاة كسلا، وأنها جاءت من باب قولهم "كفر دون كفر".
الحلقة السابقة هـــنا
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


