مناقشة ابن القيم في تكفير تارك الصلاة (4)
استدلال ابن القيم بإجماع الصحابة على تكفير تارك الصلاة بإطلاق:
ذكر الشيخ أن عبد الله بن عباس جاء عمرَ بنَ الخطاب حين طـُعن في المسجد، وأنه غـُشي عليه من الموت، فلم يزل في غشيته حتى أسفر، ثم أفاق فقال: هل صلى الناس؟!. قال ابن عباس: فقلنا نعم. فقال: لا إسلام لمن ترك الصلاة. وفي سياق آخر: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة.
ثم قال الشيخ: قال عمر بن الخطاب هذا بمحضر من الصحابة ولم ينكروه عليه، وقد تقدم مثل ذلك عن معاذ بن جبل وعبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة، ولا يُعلم عن صحابي خلافهم.
أقول:
قول عمر رضي الله عنه رواه عنه عبد الرزاق في المصنف ومحمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة.
وروى ابن أبي شيبة ومحمد بن نصر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: من لم يصل فهو كافر. وروى محمد بن نصر عنه من طريق آخر أنه قال: من ترك صلاة واحدة متعمدا فقد برئ من الله وبرئ الله منه.
وروى محمد بن نصر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: من لم يصل فلا دين له. وروى عنه من طريق آخر أنه قيل له إن الله تعالى يكثر ذكر الصلاة في القرآن {الذين هم على صلاتهم دائمون} {يحافظون}؟! فقال: ذلك على مواقيتها. فقالوا: ما كنا نرى يا أبا عبد الرحمن إلا على تركها. فقال: تركها الكفر.
وروى محمد بن نصر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: من ترك الصلاة فقد كفر. وروى نحو ذلك عن حذيفة وأبي الدرداء وجابر بن عبد الله وسعد بن عمارة وسعيد بن جبير ومكحول وغيرهم. [].
مصنف عبد الرزاق 1/ 150. تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر: 2/ 889 ـ 948.
وهذا منْبئ عن شدة حرصهم وعِظَم عنايتهم بأمر الصلاة، والنفي الوارد في قول عمر رضي الله عنه هنا هو في سياق انتفاء الإسلام الذي يقي صاحبَه من النار، وهذا صحيح لا شك فيه، وهو لا يعني الحكم بالردة والكفرِ المخرج من الملة على تارك الصلاة مطلقا.
ويبدو أن جماعة من الصحابة والتابعين كانوا يطلقون لفظة الكفر على تارك الصلاة كما أطلقها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما أطلق النبي صلى الله عليه وسلم لفظة الكفر على من يرتكب عددا من الكبائر الأخرى من باب "كفر دون كفر".
وكل تلك الأقوال المروية عن السلف ليست صريحة في أنهم أرادوا الكفر الذي ينقل عن الملة، إذ لم نجد واحدا منهم صرح بأن تارك الصلاة كسلا كافرٌ الكفرَ الأكبر، أو الكفرَ الذي يخرجه من الملة، أو صرح ببعض لوازم الكفر الناقل عن الملة، كانفساخ عقد النكاح، أو نفيِ التوارث، أو نفيِ نسب الأولاد من أبيهم إذا وقع الحمل بهم بعد ترك الأب للصلاة، أو عدم جواز الصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين.
ـ أما قول ابن حزم في المحلى "جاء عن عمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أن من ترك صلاة فرض واحدةً متعمدا حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد" فهو بهذا الإطلاق من مجازفاته، ولا بد في نحو هذا من البيان، فإن كان ابن حزم يعني بقوله "متعمدا" الاستخفافَ بحق الله تعالى أو معاندة أمره أو استحلالَ الترك فهذا كافر لا شك فيه، ولكن هذه غير مسألة التارك كسلا، ولم أجد عن واحد من السلف أنه يصرح بردة تارك الصلاة كسلا ويقول إنه كافر مرتد أو خارج من الملة، فمن وجد نصا بذلك بسند صحيح فليظهره مشكورا مأجورا إن شاء الله!.
فلا يجوز الاعتماد على ما ينفرد ابن حزم بنقله من المجازفات.
ـ بقيت ههنا مسألة مهمة، هي أن بعض من جنحوا للتكفير يقولون: إذا كان قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" وأنه قال: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" أفليس الأولى ترك التأويل والعمل بظاهر النصوص؟!.
أقول:
الأَولى ترك التأويل فيما لم نجد قرينة صارفة تدل على تأويله، والأمر هنا هو بخلاف ذلك.
وهذا بعض ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم مما ظاهره التكفير الذي قد يُفسر بالتكفير المخرج من الملة: "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر". "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن: الذي لا يأمن جاره بوائقه". وهذا رواه البخاري. "لا إيمان لمن لا أمانة له". "الطِيَرة شرك". "الرُقى والتمائم والتِوَلة شرك". "من حلف بغير الله فقد أشرك". "ومن تولى غير مواليه فقد كفر بما أنزل الله على محمد". "لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فقد كفر". "من ادعى إلى غير أبيه أو ادعى إلى غير مواليه فقد كفر". "أيما عبد أبق عن مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم".
قال ابن دريد: التِوَلة مَعاذة أو رقية تُعلق على الإنسان. وقال الصاحب ابن عباد: شيء يشبه السحر يحبب المرأة إلى زوجها.
لا يمكن أن نكفر كل من اجتمع فيه الخيانة والكذب والغدر والفجور، وكذا كل من لا يأمن جاره بوائقه، أو من لا أمانة له، أو من يتطير، أو من يستعمل الرقى والتمائم والتِوَلة، أو من يحلف بغير الله، أو من يتولى غير مواليه، أو العبد الآبق.
كما لا يمكن أن نكفر من أتم الصلاة في السفر أربعا ولم يأخذ برخصة قصر الرباعية، وقد روى عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد والبزار وغيرهم من طرق عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه سئل عن الصلاة في السفر فقال: "ركعتين ركعتين، من خالف السنة كفر". وسنده صحيح. [].
مصنف عبد الرزاق: 2/ 519. مسند عبد بن حميد: 1/ 262. مسند البزار: 12/ 222. شرح معاني الآثارللطحاوي: 1/ 422. مسند السراج: 3/ 23. الحلية لأبي نعيم: 7/ 185 ـ 186. سنن البيهقي: 3/ 201. ذم الكلام وأهله لأبي إسماعيل الأنصاري: 3/ 41 ـ 44.
ـ وإذا كانت هذه النصوص التي تدل بظاهرها على تكفير من اتصف بما فيها قد وقع الإجماع على تأويلها وأنها من باب "كفر دون كفر" فهذا جواب من لا يكفرون تارك الصلاة كسلا ويؤولون النصوص التي تدل ظواهرها على تكفيره، والتأويل الممنوع هو التأويل بدون قرينة صارفة، وأما التأويل لوجود القرينة الصارفة فهذا مقبول، بل ولا يستقيم فهم كثير من النصوص إلا به.
ومن القائلين بتأويل مثل هذه النصوص الحافظ أبو بكر البزار أحمد بن عمرو بن عبد الخالق المتوفى سنة 292 صاحب المسند المشهور، فقد روى في مسنده عن عن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك". وعلق عليه فقال: [معنى "من صلى يرائي فقد أشرك ومن صام يرائي فقد أشرك": يقول: الصلاة لله، فإذا راءى بها غيرَه فقد أشرك في عمله الذي هو لله غيرَه، وهكذا الصوم إنما هو لله، فإذا راءى به إنسانا فكأنه جعل العمل لله وللإنسان، لا الشركُ بالله].
ـ ثم إن من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله جبريل عليه السلام عن الإيمان فقال "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه وتؤمن بالبعث الآخِر". وسأله عن الإسلام فقال "الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان". [].
[صحيح البخاري: 1/ 19. صحيح مسلم: 1/ 39 ـ 40].
ولو كان تارك الصلاة كسلا هو خارجَ دائرة الإيمان وحاله كحال من لم يؤمن بالملائكة أو الكتب لإلهية أو الرسل الكرام أو اليوم الآخر لجعلَ النبي صلى الله عليه وسلم إقامة الصلاة من الإيمان لا من الإسلام.
الحلقة السابقة هـــنا
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


