مناقشة ابن القيم في تكفير تارك الصلاة (2)
ـ قال اابن القيم: الدليل السادس: قوله تعالى {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتـَوُا الزكاة فإخوانكم في الدين}.
قال الشيخ: علق أخوَّتهم للمؤمنين بفعل الصلاة، فإذا لم يفعلوا لم يكونوا إخوة للمؤمنين فلا يكونوا مؤمنين، لقوله تعالى {إنما المؤمنون إخوة}.
أقول: الأخوة للمؤمنين معلقة بفعل الصلاة عندما يكون الحديث عن الإيمان بالمعنى المطلق الذي يعني أدنى درجات الكمال على الأقل، لأن الإيمان فيه درجات عليا ودرجات دنيا، وإذا جاء لفظ الإيمان ولفظ المؤمنين بالإطلاق فالمراد الإيمان في الدرجات العليا، وقوله تعالى {إنما المؤمنون إخوة} بالإطلاق لا يدخل فيه الفسقة ومنهم تاركو الصلاة، ولكن لهم حظ من الأخوة بمقدار حظهم من الإيمان، لأن الإيمان درجات والأخوة درجات، ولكلٍّ درجاتٌ مما عملوا، والمقام هنا ليس مقام التفريق بين الكفر وأدنى درجات الإيمان.
والأخوة المنفية هنا هي الأخوة الإيمانية بالمعنى الإيماني المطلق، وهذا لا ينفي أن يكون للفسقة أخوة ما للمؤمنين، بمقدار ما عندهم من الإيمان الذي قد يكون وزنه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان. [].
[ولذا فإن سيدنا عليا رضي الله عنه قال في أهل الجمل "إخواننا بغوا علينا"، وقال في الخوارج "قوم بغوا علينا"، ولم يثبت لهم الأخوة بالمعنى المطلق على الرغم من أنه لم يكفرهم، والرواية عنه بأنه قال فيهم "إخواننا" لم تصحَّ إسنادا، لأن في سندها راويا متهما بالكذب].
ولو كان استدلال الشيخ بالآية على تكفير تارك الصلاة مطلقا استدلالا صحيحا فيلزم منه القول بتكفير من لم يؤت الزكاة كذلك، وهذا باطل، فالقول بتكفير تارك الصلاة مطلقا باطل كذلك.
ـ قال الشيخ: الدليل السابع: قوله تعالى {فلا صدَّق ولا صلى ولكن كذب وتولى}.
قال الشيخ: لما كان الإسلام تصديقَ الخبر والانقياد للأمر جعل سبحانه له ضدين عدمَ التصديق وعدمَ الصلاة، وقابل التصديق بالتكذيب والصلاة بالتولي فقال {ولكن كذب وتولى}، فكما أن المكذب كافر فالمتولي عن الصلاة كافر، فكما يزول الإسلام بالتكذيب يزول بالتولي عن الصلاة.
أقول: الإسلام الصحيح هو تصديق الخبر والانقياد للأمر، فإذا حصل الانقياد العملي للأمر مع إذعان العقل والقلب فهو التمام، وإذا حصل الانقياد للأمر بالعقل والقلب فقط فهو أدنى الدرجات، وهو الذي ينفع صاحبه في عدم التخليد في النار، ولا ينفعه في عدم دخول النار، كما ثبت بالأحاديث الصحيحة.
هذا وقد تضمنت الآيات الكريمات بسياقها أن التكذيب مع ترك الصلاة كفر، ولم تذكر حكم تارك الصلاة مع عدم التكذيب، والاستدلال بها على كفره هو بدلالة الاقتران، ودلالة الاقتران ليست بحجة.
ـ قال الشيخ: الدليل الثامن: قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون}.
نقل الشيخ عن ابن جريج أنه سمع عطاء بن أبي رباح يقول هي الصلاة المكتوبة، ثم قال الشيخ: وجه الاستدلال بالآية أن الله حكم بالخسران المطلق لمن ألهاه ماله وولده عن الصلاة، والخسران المطلق لا يحصل إلا للكفار، فإن المسلم ولو خسر بذنوبه ومعاصيه فآخر أمره إلى الربح، يوضحه أنه سبحانه وتعالى أكد خسران تارك الصلاة في هذه الآية بأنواع من التأكيد.
أقول: جاء قوله تعالى: {لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله} بإطلاق لفظ الذكْر، فتقييده بالصلاة المكتوبة ـ في قول عطاء رحمه الله ـ مخالف لظاهر القرآن، وقوله غير ملزم للأمة، والاحتجاج بغير الملزم ضعيف، وما بُني على الضعيف ضعيف.
وأما استنباط الشيخ من الآية تكفيرَ تارك الصلاة فهذا غريب، إذ لم أجد عن واحد من السلف أنه فسر الآية على معنى تكفير من تلهيهم أموالهم وأولادهم عن ذكر الله، بل ولا على معنى التكفير أصلا، وبنحو أقوالهم فسر ابن جرير الطبري الآية بقوله: ومن يلهه ماله وأولاده عن ذكر الله فأولئك هم المغبونون حظوظـَهم من كرامة الله ورحمته تبارك وتعالى. [].
[22/ 671].
وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، فقد روى الترمذي عنه أنه قال: من كان له مال يبلغه حج بيت ربه أو تجب عليه فيه الزكاة فلم يفعلْ يسألُ الرجعة عند الموت. فقال رجل: يا ابن عباس اتق الله، إنما يسأل الرجعة الكفارُ. فقال: سأتلو عليك بذلك قرآنا {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون، وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدَكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين، ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون}.
وروى الطبري عنه أنه قال: قوله تعالى {لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله} هو الرجل المؤمن إذا نزل به الموت وله مال لم يزكه ولم يحجَّ منه ولم يعط حق الله فيه، فيسأل الرجعة عند الموت ليتصدق من ماله ويزكي، قال الله تعالى {ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها}.
[رواه الترمذي 5/ 275 من طريق أبي جناب الكلبي يحيى بن أبي حية عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس. أبو جناب الكلبي يحيى بن أبي حية كوفي ضعيف مات سنة 147 أو بعدها. الضحاك بن مزاحم الخراساني ثقة فيه لين وكان يرسل ويدلس الإسناد، ولم ير ابنَ عباس، ومات سنة 105. ورواه الطبري 22/ 672 عن محمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي عن أبيه سعد بن محمد بن الحسن بن عطية عن عمه الحسين بن الحسن بن عطية عن أبيه الحسن بن عطية عن أبيه عطية بن سعد بن جنادة العوفي عن ابن عباس. وقد تقدمت دراسة هذا السند في حاشية سابقة مع بيان ضعفه، والإسنادان ضعيفان].
وهذان الطريقان المرويان عن ابن عباس يشيران إلى أن المذكور في الآية غير كافر، وإسناداهما ضعيفان، ولعل كل واحد منهما يتقوى بالآخر وبالآثار الأخرى المروية عن السلف.
ـ قال الشيخ: الدليل التاسع: قوله تعالى :{إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكِّروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون}.
قال الشيخ: وجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه نفى الإيمان عمن إذا ذكِّروا بآيات الله لم يخروا سجدا مسبحين بحمد ربهم، ومن أعظم التذكير بآيات الله التذكير بآيات الصلاة، فمن ذكِّر بها ولم يتذكر ولم يصل فلم يؤمن بها، لأنه سبحانه خص المؤمنين بها بأنهم أهل السجود، وهذا من أحسن الاستدلال وأقربه، فلم يؤمن بقوله تعالى {وأقيموا الصلاة} إلا من التزم إقامتها.
أقول:
إذا كان ربنا سبحانه وتعالى قد نفى الإيمان عمن إذا ذكِّروا بآيات الله لم يخروا سجدا مسبحين بحمد ربهم فالظاهر أن الإيمان المنفي هنا هو الإيمان المنجي من عذاب النار، وهذا هو المتبادر من السياق، ويجب التأكيد على أن الذي سمع قوله تعالى {وأقيموا الصلاة} ولم يلتزم إقامتها ليس مؤمنا بها الإيمانَ المنجيَ من عذاب النار، لكن ليس في الآية أدنى إشارة إلى أن من لم يلتزم إقامتها فليس مؤمنا بها بأدنى درجات الإيمان الذي ينجي صاحبه من الخلود في النار.
الإيمان في المراتب العالية هو الذي يثمر عملا صالحا، وهذا ما يقع الترغيب فيه والترهيب من الإخلال به، ما في ذلك شك، وهذه الآية الكريمة ليس فيها أية إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى نفى الإيمان ـ في أدنى درجاته ـ عمن إذا ذكروا بآيات الله لم يخروا سجدا مسبحين بحمد ربهم.
ـ قال الشيخ: "الدليل العاشر: قوله تعالى {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يومئذ للمكذبين}، ذكر هذا بعد قوله {كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون}، ثم توعدهم على ترك الركوع ـ وهو الصلاة ـ إذا دعُوا إليها، ولا يقال إنما توعدهم على التكذيب، فإنه سبحانه وتعالى إنما أخبر عن تركهم لها، وعليه وقع الوعيد".
أقول: قال الله تبارك وتعالى في هذه الآية القرآنية الكريمة {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون}، ولم يتوعدهم على ترك الركوع إذا دعُوا إليه فلم يركعوا، ثم قال تبارك وتعالى {ويل يومئذ للمكذبين}، حيث توعدهم فيها على التكذيب، وعليه وقع الوعيد، بخلاف ما قاله الشيخ، وهذا واضح بين.
الحلقة السابقة هـــنا
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


