نهج الأحرار وراء النبي البطل

نهج الأحرار وراء النبي البطل

التصنيف: ركن الشباب
الأحد، ٨ شوال ١٤٣٥ هـ - ٣ آب ٢٠١٤
1239

 

في السهول المستوية ينداح السيل حتى يبلغ منتهاه، ما يعارضه شيء.

 

وفي حقول الأرز والقمح تهب الريح فتميل السيقان الغضة كلها ما ينتصب منها عود.

 

وبين جماهير الدهماء ينتشر التقليد  الخاطئ، أو العرف السيء فما يرده ذكاء.

 

أو تمتد رهبة السلطان وسطوة الملك الطائش فما يقمعها تمرد، ولكن هناك رجالاً من معادن فريدة تشذ عن هذا العموم المهين.

 

فهي الجبال التي تقف من السيل والأشجار التي لا تنثني مع هبوب العاصفة.

 

وهم الصاحون بين السكارى، فإذا شاع خطأ تعرضوا هم له بالنقد، وإذا ألف الناس مسلكاً لم ي عجبهم تصرفوا هم منفردين على طريقة المعري حين قال:

 

تثاءب عمرو إذ تثاءب خالد=بعدوى فما أعدتني الثؤباء

 

وإذا ركع الناس بين يدي ملك ظالم، أو استكانوا لأوضاع مزرية، لمحت في أبصارهم بريق الأنفة، وفي مسيرتهم شرف الحرية، فما يستريحون حتى تنجو البلاد والعباد من آثار الفساد وقيود العبودية.

 

أولئك هم الثوار الذين يعتز بهم الإيمان، وتستقيم بهم الحياة، وإذا كان الله جل شأنه قد صان العمران البشري بالجبال، وقال في كتابه: [وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ] {الأنبياء:31}. فقد اقتضت حكمته العليا سبحانه أن تصون المجتمع الإنساني بهذا النفر من حراس الحقائق الرفيعة وحماة العالم الفاضلة، فهم الدواء الخالد لكل ما يفشوا في الدنيا من علل وهم الأمل الباقي لبقاء الخير في الأرض وإن ترادفت النوب، واكفهرت الآفاق.

 

ربما كان عشق الحق خليقة فيهم فطرهم الله عليها كما قال في كتابه:[وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ] {الأعراف:181}.

 

ولعشق الحق أعباء مرهقة، أولها: الصبر على تثبيط الخاذلين وكيد المعوقين والمخالفين بيد أن طبيعة الثورة على الباطل لا تكترث لشيء من هذا، وفي الحديث الصحيح: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).

 

وأكثر الناس يعرف الحق معرفة حسنة، غير أنه لا يأسى لهزيمته، ولا يأسف لضياعه، أو لعل إحساساً من الضيق يخامره لخذلان الحق، إلا أن هذا الاحساس يصطدم بمصالح النفس وضرورات العيش، ومطالب الأولاد، فيتراجع المرء رويداً رويداً عن هذا الشعور النبيل، ويؤثر الاستسلام على المقاومة، والاستكانة للواقع عن تغييره وإنكاره، وهذا السلوك لا يتفق مع طبيعة الإيمان ويستحيل أن تتقبله نفس ثائرة لله مؤملة فيما يعنده، فالغاضب لله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم يذهل في مودة يقينه عما يحرص عليه الجبناء من حياة ومتاع، ولا يرى أمامه إلا نصرة الحق ورفع لوائه وليكن ما يكون.

 

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من و لده ووالده والناس أجمعين) على أن من العبث انتظار التفاني في الحق من عبيد أهوائهم وصرعى نزواتهم، إن الأمر يحتاج إلى تربية وتبصرة حتى يكون مذاق الإيمان أحلى في فم الإنسان من كل لذة عاجلة.

 

عندما يشعر امرؤ بالسعادة لأنه واسى محروماً، أو نصر ضعيفاً، أو آمن قلقاً، أو آوى هائماً، أو أحصن عرضاً، أو حقن دماً، فهو إنسان كبير،و مثله أهل لأن يفتدي عناصر الإيمان بالنفس والنفيس.

 

والثائرون ضد الظلم والناقمون من أعوانه رجاله من ذلك المعدن الصلب، واندفاعهم لتقليم الأظافر الشرسة ضرب من الاصلاح العام للحياة والإحياء [وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ] {البقرة:251}.

 

إن أولئك الرجال الكبار هم أصحاب اليد الطولى في صوغ التاريخ، وتوجيه أحداثه، والأفراد النابهون لا الجماهير الكفيفة هم صناع الحياة وقادة الفكر والخلق!

 

فكم من أمة ظلت تغط في سباتها دهراً حتى جاء من أيقظها فسارت، وكم من أمة شردت عن الصراط المستقيم حتى رزقت من هداها فرشدت...

 

على أن أولئك المنفردين العباقرة أنواع: فمنهم من رمق القافلة التائهة وأبى أن يندفع معها في وجهتها، واكتفى بأن ينفض يديه من أمرها، وألا يشاركها في مسيرها، وكان أبا العلاء المعري يصور نفسية هؤلاء عندما قال:

 

هذي رأيي وحسبك ذاك مني=على ما في من عوج وأمت

وماذا يبتغي الجلساء عندي؟=أرادوا منطقي وازدت صمتي

ويوجد بيننا أمد قصي=فآموا سمتهم وأممت سمتي

 

والواقع أن اعتزال المجتمع الماجن الفاجر جهد  غير قليل...

 

ترى هل هذا هو التغيير بالقلب الذي عده الحديث الشريف أضعف الإيمان؟ ربما، ولكني ألحظ أن هذا الموقف قد يكلف صاحبه تضحيات فادحة فإن المغاضبين لله قد يطلبون الأعوان على سيرتهم بالرغبة أو الرهبة وربما قالوا: من ليس منا فهو علينا!!

 

وهنا تقع محن شداد، فإن الإمام الأعظم أبا حنيفة رضي الله عنه كان مزوراً عن حكام عصره، مكتفياً بتفقيه الجماهير في دين الله، ولكن هؤلاء رأوا ضمه إلى صفوفهم كرهاً بأن عينوه قاضياً للقضاة، ومات الإمام في السجن وهو يرفض المنصب المعروض!!

 

وهناك رجال من طراز آخر، لا يدعون المنكر يمر سالماً أبداً، ويأبون إلا كشف زيفه وهدم صنمه ومقاومة الجماهير العاكفة عليه... وإذا كنا في مجالس المناظرة أو عند تحبير المقالات، نظن اعتراض التقاليد المستقرة أمراً سهلاً فإن ذلك عند المعاناة العلمية أمر شديد الوعورة مقلق الأخطار... إن للوثنية عباداً يأكلون من يخدشها...

 

وانظر شدة غضب هؤلاء على من يعترض طريقهم في قوله تعالى:[وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ] {القلم:51}. وانظر شدة تمسكهم بباطلهم واصرارهم على ملازمته أبداً في قوله تعالى: [وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولًا إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آَلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا...] {الفرقان:42}.

 

في وجه هذا التعصب الهائل، وفي وجه القوى الخفية والجلبة التي تؤازره، يعمل المصلحون لتغيير أوضاع وتبديل أحوال، ويتعرضون لنكد الحياة وسوء المنظر في الأهل والمال.....

 

وعندي أن العبادة المنقطعة في الصوامع ضرب من البطالة، أو هي على إحسان الظن والتعبير ضرب من المتع المعنوية واللذات الروحية يوفر لأصحابه الجو النفسي السعيد وحسب...

 

لكن هل يتغير وجه الحياة الدميم بهذه العبادة الخالصة؟!

 

هل تنكمش سطوة الباطل بهذه الرهبانية المستوحشة من الخلق المنقبضة عن الدنيا ؟كلا!!

 

إن الصلاح تزكية النفس والإصلاح تزكية المجتمع، والمسلم الحقيقي هو الذي يتعهد نفسه بالتقوى ويقبل في الوقت نفسه على المجتمع ليؤازر الحق ويعوق الباطل، ويحب في الله ويبغض في الله، ويكثر سواد المؤمنين ويوهن كيد الكافرين.

 

إن الحياد في كل معركة بين الخسة والشرف ليس موقفاً مقبولاً، واصحاب هذا الموقف هم إلى الكفر أقرب منهم إلى الإيمان.

 

إن إبراهيم الخليل لما رفض الوثنية لم يسترح حتى هدم الأصنام، وكذلك فعل خاتم الأنبياء، وإن كان طريقه أطول وجهده أشق!!

 

ومن ثم كانت رسالات الله تغييراً حقيقياً للنفس والمجتمع، وثورة لا تبرد على العوج والفساد والظلم.

 

كانت محواً وإثباتاً، محواً لعرف سيء واثباتاً لعرف صالح، محواً لتشريع ضال، واثباتاً لتشريع حق.

 

إن كل هداية لا تتحول من صلاح نفسي إلى إصلاح اجتماعي فهي ـ في باب الخير ـ كالجنين الذي سقط قبل استكمال نموه، فما قدرت له حياة ممتدة، ولا عرف له تاريخ مشرف.

وبديهي أن ينهزم الخير السلبي أمام الشر الإيجابي...

 

ماذا فعل صالحونا ـ في قرون الضعف ـ لما آثروا العبادة في زواياهم وتركوا لغيرهم أن يكتشف استراليا والدنيا الجديدة وينقل إليها عقائده وتقاليده؟!

 

ما أفاد الدين من سيرتهم شيئاً طائلاً على حين ظفر بالحياة من ظفر!!!

 

وإني لأنظر إلى نعمة الإيمان التي تغمرنا فأجدها ثمرة قوم وثبوا بالإيمان من أرض إلى أرض، ووضعوا طابعهم بقوة على المجتمع فسرت صبغتهم من جيل إلى جيل.. على رجال الحق لا أن يثبتوا عليه فقط بل أن يصعدوه من أفق إلى أفق، وينقلوه من قلب إلى قلب فإن الباطل المتحرك على ظهر الأرض لن يقفه إلا إيمان متحرك ناشط مقدام.

 

في ذكرى الميلاد الشريف أرنوا إلى صاحب الرسالة العظمى، باعظام ودهشة، وأتساءل: كيف استطاع اليتيم الفرد إعداد القوة التي فتكت بالباطل المستكبر، واستخلصت من براثنه حقوقاً منهوبة، وشعوباً مستباحة كيف أعاد إلى الحق رونقه بعدما تكدر، وقيمته بعدما ابتذلت؟

 

إنها السيرة المعجبة المعجزة التي أقلقت المبطلين، وقذفت في نفوسهم الفزع حتى ليقول هذا الرسول البطل: نصرت بالرعب من مسيرة شهر!!...

 

أين من هذا الأوج أمتنا التي استنسر في أرضها البغاث، وبالت على آلهتها الثعالب؟؟

 

ما أبعد هذه الأمة عن محمد صلى الله عليه وسلم وأضلها عن طريقه؟؟

 

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

المصدر: مجلة لواء الإسلام العدد السابع، السنة 23، ربيع الأول 1389هـ، مايو1969.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...