نكبة دمشق في مدامع الشعراء

نكبة دمشق في مدامع الشعراء

التصنيف: ركن الشباب
الاثنين، ١٧ رجب ١٤٣٤ هـ - ٢٧ أيار ٢٠١٣
2281

 
 
 
بقلم : يحيى حاج يحيى
 
 
يُرجع بعض النقاد شهرة قصيدة أحمد شوقي [ نكبة دمشق ] التي مطلعها
سلامٌ من صَبا بردى أرَقُّ = و دمعٌ لا يُكفكَفُ يا دمشقُ
إلى أنها غُنيت و لُحنت ، و الغناء يجعل للشعر من الشهرة نصيباً و أي نصيب !
كما أن شوقي هو مَنْ هو في الشعر الحديث متانة و أسلوبا و صدق عاطفة !
و كذلك ، فالقصيدة قيلت فيما أصاب دمشق على يد المستعمرين فتداعى العرب يومذاك إلى إغاثة منكوبي سورية [ 1926 ]
و هالهم عظم الجريمة و ضخامة العدوان وقد حملت الأخبار وحشية ما فعل المستعمرون
سلامٌ من صَبا بَرَدى أَرقُّ =ودمعٌ لا يُكَفْكَفُ يا دِمَشْقُ
ومعذِرة اليَرَاعةِ والقوافي =جلالُ الرُّزْءِ عن وصْفٍ يَدِقُّ
لحاها اللهُ أَنباءً توالتْ    = على سَمْعِ الوليِّ بما يَشُقّ  
يُفصّلها إلى الدنيا بَرِيدٌ=ويُجْمِلُها إلى الآفاق بَرْق
تكادُ لروعةِ الأَحداثِ فيها=تُخالُ من الخُرافةِ وَهْي صِدْق
وقيل: معالمُ التاريخ دُكَّت=وقيل: أَصابها تلفٌ وحَرق
رباعُ الخلدِ ـ وَيْحَكِ ـ ما دَهاها؟=أَحقٌّ أَنها دَرَستْ؟ أَحَقُّ؟
فكيف بشوقي لو رأى ما حل بدمشق اليوم على يد مَنْ يدّعون أنهم حكامها ؟! و قد أباحوها لكل آثم ، و فتحوا أبوابها لكل غشوم ؟!
 
إذا عصف الحديدُ احمرّ أفقٌ   = على جنباته واسودّ أُفقُ
 
و لئن كان المستعمر الدخيل قد فعل ذلك لأن قلبه قد قُدّ من صخر ، فماذا فعل من يمثل الاحتلال الداخلي و قد شهد كل من كان له قلب ، و عينان تبصران على همجية و تخلف هذا المستبد ، و عصاباته المارقة
لقد طالب الأجداد بالتحرر ، و طالب الأحفاد بالحرية و شعارهم [ الموت و لا المذلة ] فماذا كان رد الاستعمار الدخيل و الاحتلال الداخلي العميل ؟!
منطق واحد تشابه إلى حد التطابق بينهما ، فكلاهما لا يَمُتُّ إلى هذا الوطن بصلة و لا تجمعه بأبنائه عاطفة قرابة ، بل و لا بسبب إلى الإنسانية :
إذا ما جاءه طلابُ حق = يقول : عصابةٌ خرجوا و شَقّوا
و ذهب المستعمر و بقيت الشام ، و سيمضي المستبد و تظل دمشق حرة أبية :
بلاد مات فِتيتُها لتحيا     =    و زالوا دون قومهِمُ ليبقوا
 
فهاهم بعد عقود من الإذلال و التخريب انتفضوا و كان لهم من سيرة أجدادهم و جِلادهم للمستعمر خير دليل و هاد في طريق الحرية و البذل و العطاء :
و قفتم بين موتٍ أو حياةٍ   = فإن رمتم نعيمَ الدهر فاشقوا
و للأوطان في دم كلّ حرٍ =     يدٌ سلفَتْ و دَينٌ مُستَحقُ
و للحرية الحمراءِ بابٌ   =         بكل يدٍ مُضرّجةٍ يُدَق
 
فلتقر عين شوقي و عين كل محب للشام فإن شباب دمشق يدقون الباب الذي أوصد بالقهر لسنوات
و ها هو ذا السور الذي اختبأ خلفه مجرمو العصر يكاد ينقض على رؤوسهم ، و عند ذاك تفتح أبواب الشام ليلج منها العرب و المسلمون إلى فلسطين :
 
جزاكم ذو الجلال بني دمشقٍ   =و عِزُ الشرق أوّلُه دمشق
 
و من وادي النيل أيضا من السودان ينطلق صوت الشاعر أحمد محمد صالح عام 1945 في قصيدة له بعنوان [ مهد الحرية ، مهر الحرية ] و قد سمع صوت أنين دمشق لا صوت استخزائها واستسلامهافشاركها أنينها،وأعلمَها أنها ليست وحيدة ؟ و لن تكون ، فجرحها جرح العروبة الذي روع أقطارها !
فيدعوها إلى الصبر على الرغم من الجراح النازفة ؟!
صبرا دمشقُ ! فكلُّ طرف باكي=لما استُبيح مع الظلام حماكِ
جرحُ العروبة فيكِ جرحٌ سائلٌ= بكتِ العروبةُ كلُها لبكاك
جَزِعَتْ عُمانُ ، و رُوّعَتْ بغدادُ =و اهتزت ربى صنعاءَ يوم أساكِ
و قرأتُ في الخرطوم آياتِ الأسى=و سمعتُ في بيروتَ أنّة َشاكِ
 
ويتساءل الشاعر بحرقة : لماذا تقصف دمشق و تدمر معالم حضارتها ؟ و أي ذنب اقترف أهلها ؟ إلا أنهم لا يحنون الجباه إلا لخالقها :
ضربوكِ لا مُتعففين سفاهةً=لم تأتِ إثما يا دمشقُ يداكِ
و رماك جبارٌ يَتيهُ بحَوْلِهِ=شَلّتْ يمينْ العلج حين رماكِ
 
و ماذا لو كان مكان كلمة [ جبار ] اسم بشار ؟! فالمعنى يستقيم و الوزن يستقيم ، و إذا لم يكن علجا فهو يفعل فعل العلوج من كفار العجم !
و يلتفت الشاعر إلى التاريخ : أين مروان ؟ أين ابن هند ! أين الكرامة الموفورة و الرايات مرفرفة ؟
و لكن متى استمر الليل بلا نهاية ؟ و متى كان الظالمون خالدين ؟
صبرا دمشقُ فكلُ همّ زائلٌ=وغدا يلوح مع النجوم سناك
 تتألقين كما عهدتْكِ دُرةً=في تاج أروعَ مِن أميةَ زاكي
 يا مَعقلَ الإسلام في عليائهِ=لا تذعَني للغاصب السفاك
 
وهي لم تذعن فيما مضى و لن تذعن اليوم و لا في ما يأتي من الأيام لا لمستعمر خارجي و لا لمحتل داخلي :
في الجاهلية كان عِزُّك باذخاً=و ازدان بالإسلام عِقدُ حُلاكِ
إن كنتِ تبغين الحياةَ عزيزةً=صوني حِماكِ و سدّدي مرماكِ
 
و من عراق العروبة و الإسلام ، من بلاد الرافدين ، من بغداد عاصمة الخلافة انطلق صوت محمد بهجت الأثري بقصيدة عنوانها [ دمشق ] نظمها سنة 1925 بعد العدوان الفرنسي الآثم عليها ، و للأثري قصائد مطولة وصفت باللؤلؤ المنضود جمعت في كتاب [دمشق في عيون محمد الأثري ] كما ذكر الأستاذ محمد علي شاهين في مجلة الغرباء الإلكترونية و في هذه القصيدة يلتفت الأثري مخاطبا دمشق و داعيا لها و مستفهما عما راعها ، فهي إن كان مسها الأذى فلقد رحلت عنه الهناءة و السرور ، بل و يدعو [ أميمة ] أن تبكي معه على ما حل بالمدينة الخالدة شأن الشعراء الواقفين على الأطلال يوزعون أحزانهم على من حولهم لعظم المصيبة و ضخامة الكرب :
دمشقُ ! حماكِ الله ُ، ما الحادثُ النُّكرُ=سلمتِ ، و فيم البَغيُ راعكِ و الغدرُ
لئِنْ نزلتْ فيكِ الخطوبُ دوامياً=لقد رحلتْ عني الهناءة ُو البِشرُ
دَعي عنكِ تطريبي - أميمةُ - جانباً=و بَكّي معي أهلا أصابهمُ الضُّرُّ
 
و هؤلاء الأهل أبوا ذل الحياة ، و آثروا الموت الكريم فهم ورثوا المجد كابرا عن كابر ..
 
و مَنْ كان قحطانٌ أباه ، فإنه=له الصدرُ دونَ العالمين أو القبرُ
 
فكيف يذلهم وغد ، و يسوسهم نذل ، و هو دونهم أصلا و محتدا ، و قد جرب قتالهم فعاد خائب الأمل ، منقطع الرجاء . فليس له شجاعة كشجاعتهم و لا إقدام يماثلهم!فهذا الوغد وأنذاله:
 فلو أنهم أبطالُ يومَ كريهةٍ=لما انهزموا عند النزال و هم كُثرُ
و لا ثأروا من أنفسٍ مطمئنة=و ما كان عند الآمنين لهم ثأرُ
و لا روّعوا الغيدَ الأوانسَ كالدمى=و ما كان يوما عندهنّ لهم وِترُ
و لا ذَعَروا الأطفالَ كالزهر في الرُّبا=و ما كان للأطفال عندهمُ وِزرُ
و لا حرَقوا البلدانَ و هْي نضيرةٌ=و أنهارُها تجري ، و جناتُها خُضرُ
 
و لسائل أن يقول : أَكُتِبَ على دمشق أن تتكرر عليها المأساة ، أليس الذي لقيته بالأمس ، تلقاه اليوم على يد عبيد الصفويين ، و أجراء الشعوبية الحاقدة ؟!
فمن الذي روع نساء دمشق ، و أخاف و أرهب أطفال درعا و اللاذقية ، و دمر مآذن حمص و مساجدها ، وقصف بيوت الآمنين ؟!
ألا سَفِهَتْ تلك الحلومُ بما جنَتْ=و ليس - لَعَمري - للذي قد جَنَتْ حَصرُ
فوالهْفَ نفسي - يا دمشقُ - و ما عسى=يردُّ عليكِ اللّهفُ و الدمعُ و الزَّفرُ
 
و لكن هل استمر الإجرام أم تقضت أيامه و اندثر ، و صار تاريخا يُروى ، فتتبعه اللعنات على الظالمين !
فصبرا على البلوى دمشقُ ، و إن طَمَتْ=فبعد اشتدادِ العُسرِ ينكشفُ العُسرُ
و مع الصبر فلا بد من مواجهة الباطل و دحره ، فالسيف أصدق أنباء من الكتب .. في حده الحد بين الجد و اللعب ، و إن لم يدعم السنانُ اللسانَ ضاع الحق فلم يرتدع ظلم و لم يرفع قهر :
و ما صُنِعَ الصمصامُ إلا لجائر=على الحق لا يُلويه نَهيٌ و لا زَجرُ
و منْ طلبَ استقلالَه بلسانه=كمنْ خَطبَ الحَسْنا و ما عنده مَهرُ
 من قلب المأساة انطلق صوت الشاعر السوري سليم الزركلي في ذكرى العدوان ! و لكن أي عدوان ؟ أهو الذي صار من ذكريات الماضي أم الذي تعيشه دمشق اليوم ؟ فما أشبه اليوم بالبارحة - كما يقولون .. وقد صور الشاعر عام 1946 اللحظات الأخيرة من دنو أجل المستعمر ، فقال : [ طاش سهم السلطات الفرنسية ، و انبرت تقصف دمشق بوابل من نيران مدافعها و رشاشاتها دون وعي ، و قد شعرت أن أوان انفلات سورية من ربقة الانتداب قد حان ، و راحت تضرب ذات اليمين و ذات الشمال . فوقعتْ ضحايا ، و هُدّمتْ مَبانٍ و حُرقتْ دور ]
و ثمة سؤال يبرزه الواقع اليوم : أليس هذا الذي فعلته فرنسا و قد أحست بدنو الرحيل ، هو الذي يفعله نظام العصابة و الشبيحة في دمشق ، و قد تزلزلت الأرض من تحتهم و بدأ نجم وجودهم بالأفول ، فراحوا يهدمون و يقصفون و قد تمزقت على أجسادهم النتنة عباءة الممانعة !!؟
و صدق الزركلي و كأنه يشير بأبياته إلى نظام العصابة و قزمها المتأله :
إن للفخر أمةً لستَ منها = أنتَ في المكْرُمات شرُّ دخيلِ
فيا دمشق انهضي الآن فقد نهضت من قبل و ستنهضين من بعد !وياحمامات المسجد الأموي و الغوطتين كفكفي دموعك و قد روعك المجرمون و كنت آمنة مطمئنة :
كفكفي الدمعَ يا بناتِ الهديلِ=و امسحي بالدماء جفنَ الأصيل
نشر الغدرُ في دمشقَ رُواقا=يبعث الرعبَ ما له مِنْ مثيل
و هوى ، يحصد النفوسَ الأبِيّا=تِ ، و يُزهَى بالهدم و التقتيل ؟!
 
أكان الزركلي سليم يستشف أستار الغيب ؟! أو ليس شبيحة العصابة هم القائلين : [ الأسد أو نحرق البلد ]
أو ليس صبيان حزب اللات و حثالات المالكي الذين تسللوا إلى دمشق هم المرددين [ سنحرق دمشق ]
حَلفَ البغيُ أن يُنكّلَ بالشام=و يُجري دماءَها كالسيول
و لقد فاته وفات ذَويهِ=أنّ في الشام أمة ًمِنْ شُبولِ
ألِفَتْ وطأةَ الخطوب و داست=أرؤسَ الراقصين فوق الطلول
 
و لقد برّ البَغيُ بيمينه ، و لكن لم يكن حالفا بالله ، بل بالجبت و الطاغوت ، و بعزة المجوس ، و قداسة الطوسي و ابن العلقمي فسقطت الضحايا من الأبرياء ، و امتلأت الدور و الشوارع بأشلائهم و ما حدث بالأمس على يد المستعمر يحدث اليوم على يد الدخيل الفاجر :
يا ضحايا ! و ما أجلَّ الضحايا=في جهاد على البقاء طويلِ
أَطلَعَتْكم دنيا الشهادة أقما=را تنير الدروبَ بعد أفول
 
و يختم الشاعر بخطاب بلاده التي لم يَألُها نصحا بأن تحشِد فهي أهلٌ لذاك و قد قهرتْ من قبلُ المغولَ و الصليبيين
كم خطوبٍ وأدْتِ بين ضلوعٍ=من لهيب ، و مهجةٍ من نُصول
و شهيدٍ دفنتِ بين جفون=و نجيعٍ ما كان بالمطلول
 
و غرزت النكبات التي أصابت دمشق في قلوب الشعراء سهاما تقطر دما ، و استقرت أسى في مدامعهم   ..
و لكنهم ظلوا متفائلين ، و هم يرون بوارق النصر و التمكين تلوح في الآفاق التي ملأها المجرمون و أعوانهم بسحابات اليأس و القهر و الإرجاف و التوهين ، و نسوا أن الله غالب على أمره ،فهذه شام الإسلام و كنانة العروبة! جرب الكثيرون إذلالها فأذلهم الله على يد فتية آمنوا بربهم و زادهم هدى !!

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...