بقلم : يحيى حاج يحيى
يُرجع بعض النقاد شهرة قصيدة أحمد شوقي [ نكبة دمشق ] التي مطلعها
سلامٌ من صَبا بردى أرَقُّ = و دمعٌ لا يُكفكَفُ يا دمشقُ
إلى أنها غُنيت و لُحنت ، و الغناء يجعل للشعر من الشهرة نصيباً و أي نصيب !
كما أن شوقي هو مَنْ هو في الشعر الحديث متانة و أسلوبا و صدق عاطفة !
و كذلك ، فالقصيدة قيلت فيما أصاب دمشق على يد المستعمرين فتداعى العرب يومذاك إلى إغاثة منكوبي سورية [ 1926 ]
و هالهم عظم الجريمة و ضخامة العدوان وقد حملت الأخبار وحشية ما فعل المستعمرون
سلامٌ من صَبا بَرَدى أَرقُّ =ودمعٌ لا يُكَفْكَفُ يا دِمَشْقُ
ومعذِرة اليَرَاعةِ والقوافي =جلالُ الرُّزْءِ عن وصْفٍ يَدِقُّ
لحاها اللهُ أَنباءً توالتْ = على سَمْعِ الوليِّ بما يَشُقّ
يُفصّلها إلى الدنيا بَرِيدٌ=ويُجْمِلُها إلى الآفاق بَرْق
تكادُ لروعةِ الأَحداثِ فيها=تُخالُ من الخُرافةِ وَهْي صِدْق
وقيل: معالمُ التاريخ دُكَّت=وقيل: أَصابها تلفٌ وحَرق
رباعُ الخلدِ ـ وَيْحَكِ ـ ما دَهاها؟=أَحقٌّ أَنها دَرَستْ؟ أَحَقُّ؟
فكيف بشوقي لو رأى ما حل بدمشق اليوم على يد مَنْ يدّعون أنهم حكامها ؟! و قد أباحوها لكل آثم ، و فتحوا أبوابها لكل غشوم ؟!
إذا عصف الحديدُ احمرّ أفقٌ = على جنباته واسودّ أُفقُ
و لئن كان المستعمر الدخيل قد فعل ذلك لأن قلبه قد قُدّ من صخر ، فماذا فعل من يمثل الاحتلال الداخلي و قد شهد كل من كان له قلب ، و عينان تبصران على همجية و تخلف هذا المستبد ، و عصاباته المارقة
لقد طالب الأجداد بالتحرر ، و طالب الأحفاد بالحرية و شعارهم [ الموت و لا المذلة ] فماذا كان رد الاستعمار الدخيل و الاحتلال الداخلي العميل ؟!
منطق واحد تشابه إلى حد التطابق بينهما ، فكلاهما لا يَمُتُّ إلى هذا الوطن بصلة و لا تجمعه بأبنائه عاطفة قرابة ، بل و لا بسبب إلى الإنسانية :
إذا ما جاءه طلابُ حق = يقول : عصابةٌ خرجوا و شَقّوا
و ذهب المستعمر و بقيت الشام ، و سيمضي المستبد و تظل دمشق حرة أبية :
بلاد مات فِتيتُها لتحيا = و زالوا دون قومهِمُ ليبقوا
فهاهم بعد عقود من الإذلال و التخريب انتفضوا و كان لهم من سيرة أجدادهم و جِلادهم للمستعمر خير دليل و هاد في طريق الحرية و البذل و العطاء :
و قفتم بين موتٍ أو حياةٍ = فإن رمتم نعيمَ الدهر فاشقوا
و للأوطان في دم كلّ حرٍ = يدٌ سلفَتْ و دَينٌ مُستَحقُ
و للحرية الحمراءِ بابٌ = بكل يدٍ مُضرّجةٍ يُدَق
فلتقر عين شوقي و عين كل محب للشام فإن شباب دمشق يدقون الباب الذي أوصد بالقهر لسنوات
و ها هو ذا السور الذي اختبأ خلفه مجرمو العصر يكاد ينقض على رؤوسهم ، و عند ذاك تفتح أبواب الشام ليلج منها العرب و المسلمون إلى فلسطين :
جزاكم ذو الجلال بني دمشقٍ =و عِزُ الشرق أوّلُه دمشق
و من وادي النيل أيضا من السودان ينطلق صوت الشاعر أحمد محمد صالح عام 1945 في قصيدة له بعنوان [ مهد الحرية ، مهر الحرية ] و قد سمع صوت أنين دمشق لا صوت استخزائها واستسلامهافشاركها أنينها،وأعلمَها أنها ليست وحيدة ؟ و لن تكون ، فجرحها جرح العروبة الذي روع أقطارها !
فيدعوها إلى الصبر على الرغم من الجراح النازفة ؟!
صبرا دمشقُ ! فكلُّ طرف باكي=لما استُبيح مع الظلام حماكِ
جرحُ العروبة فيكِ جرحٌ سائلٌ= بكتِ العروبةُ كلُها لبكاك
جَزِعَتْ عُمانُ ، و رُوّعَتْ بغدادُ =و اهتزت ربى صنعاءَ يوم أساكِ
و قرأتُ في الخرطوم آياتِ الأسى=و سمعتُ في بيروتَ أنّة َشاكِ
ويتساءل الشاعر بحرقة : لماذا تقصف دمشق و تدمر معالم حضارتها ؟ و أي ذنب اقترف أهلها ؟ إلا أنهم لا يحنون الجباه إلا لخالقها :
ضربوكِ لا مُتعففين سفاهةً=لم تأتِ إثما يا دمشقُ يداكِ
و رماك جبارٌ يَتيهُ بحَوْلِهِ=شَلّتْ يمينْ العلج حين رماكِ
و ماذا لو كان مكان كلمة [ جبار ] اسم بشار ؟! فالمعنى يستقيم و الوزن يستقيم ، و إذا لم يكن علجا فهو يفعل فعل العلوج من كفار العجم !
و يلتفت الشاعر إلى التاريخ : أين مروان ؟ أين ابن هند ! أين الكرامة الموفورة و الرايات مرفرفة ؟
و لكن متى استمر الليل بلا نهاية ؟ و متى كان الظالمون خالدين ؟
صبرا دمشقُ فكلُ همّ زائلٌ=وغدا يلوح مع النجوم سناك
تتألقين كما عهدتْكِ دُرةً=في تاج أروعَ مِن أميةَ زاكي
يا مَعقلَ الإسلام في عليائهِ=لا تذعَني للغاصب السفاك
وهي لم تذعن فيما مضى و لن تذعن اليوم و لا في ما يأتي من الأيام لا لمستعمر خارجي و لا لمحتل داخلي :
في الجاهلية كان عِزُّك باذخاً=و ازدان بالإسلام عِقدُ حُلاكِ
إن كنتِ تبغين الحياةَ عزيزةً=صوني حِماكِ و سدّدي مرماكِ
و من عراق العروبة و الإسلام ، من بلاد الرافدين ، من بغداد عاصمة الخلافة انطلق صوت محمد بهجت الأثري بقصيدة عنوانها [ دمشق ] نظمها سنة 1925 بعد العدوان الفرنسي الآثم عليها ، و للأثري قصائد مطولة وصفت باللؤلؤ المنضود جمعت في كتاب [دمشق في عيون محمد الأثري ] كما ذكر الأستاذ محمد علي شاهين في مجلة الغرباء الإلكترونية و في هذه القصيدة يلتفت الأثري مخاطبا دمشق و داعيا لها و مستفهما عما راعها ، فهي إن كان مسها الأذى فلقد رحلت عنه الهناءة و السرور ، بل و يدعو [ أميمة ] أن تبكي معه على ما حل بالمدينة الخالدة شأن الشعراء الواقفين على الأطلال يوزعون أحزانهم على من حولهم لعظم المصيبة و ضخامة الكرب :
دمشقُ ! حماكِ الله ُ، ما الحادثُ النُّكرُ=سلمتِ ، و فيم البَغيُ راعكِ و الغدرُ
لئِنْ نزلتْ فيكِ الخطوبُ دوامياً=لقد رحلتْ عني الهناءة ُو البِشرُ
دَعي عنكِ تطريبي - أميمةُ - جانباً=و بَكّي معي أهلا أصابهمُ الضُّرُّ
و هؤلاء الأهل أبوا ذل الحياة ، و آثروا الموت الكريم فهم ورثوا المجد كابرا عن كابر ..
و مَنْ كان قحطانٌ أباه ، فإنه=له الصدرُ دونَ العالمين أو القبرُ
فكيف يذلهم وغد ، و يسوسهم نذل ، و هو دونهم أصلا و محتدا ، و قد جرب قتالهم فعاد خائب الأمل ، منقطع الرجاء . فليس له شجاعة كشجاعتهم و لا إقدام يماثلهم!فهذا الوغد وأنذاله:
فلو أنهم أبطالُ يومَ كريهةٍ=لما انهزموا عند النزال و هم كُثرُ
و لا ثأروا من أنفسٍ مطمئنة=و ما كان عند الآمنين لهم ثأرُ
و لا روّعوا الغيدَ الأوانسَ كالدمى=و ما كان يوما عندهنّ لهم وِترُ
و لا ذَعَروا الأطفالَ كالزهر في الرُّبا=و ما كان للأطفال عندهمُ وِزرُ
و لا حرَقوا البلدانَ و هْي نضيرةٌ=و أنهارُها تجري ، و جناتُها خُضرُ
و لسائل أن يقول : أَكُتِبَ على دمشق أن تتكرر عليها المأساة ، أليس الذي لقيته بالأمس ، تلقاه اليوم على يد عبيد الصفويين ، و أجراء الشعوبية الحاقدة ؟!
فمن الذي روع نساء دمشق ، و أخاف و أرهب أطفال درعا و اللاذقية ، و دمر مآذن حمص و مساجدها ، وقصف بيوت الآمنين ؟!
ألا سَفِهَتْ تلك الحلومُ بما جنَتْ=و ليس - لَعَمري - للذي قد جَنَتْ حَصرُ
فوالهْفَ نفسي - يا دمشقُ - و ما عسى=يردُّ عليكِ اللّهفُ و الدمعُ و الزَّفرُ
و لكن هل استمر الإجرام أم تقضت أيامه و اندثر ، و صار تاريخا يُروى ، فتتبعه اللعنات على الظالمين !
فصبرا على البلوى دمشقُ ، و إن طَمَتْ=فبعد اشتدادِ العُسرِ ينكشفُ العُسرُ
و مع الصبر فلا بد من مواجهة الباطل و دحره ، فالسيف أصدق أنباء من الكتب .. في حده الحد بين الجد و اللعب ، و إن لم يدعم السنانُ اللسانَ ضاع الحق فلم يرتدع ظلم و لم يرفع قهر :
و ما صُنِعَ الصمصامُ إلا لجائر=على الحق لا يُلويه نَهيٌ و لا زَجرُ
و منْ طلبَ استقلالَه بلسانه=كمنْ خَطبَ الحَسْنا و ما عنده مَهرُ
من قلب المأساة انطلق صوت الشاعر السوري سليم الزركلي في ذكرى العدوان ! و لكن أي عدوان ؟ أهو الذي صار من ذكريات الماضي أم الذي تعيشه دمشق اليوم ؟ فما أشبه اليوم بالبارحة - كما يقولون .. وقد صور الشاعر عام 1946 اللحظات الأخيرة من دنو أجل المستعمر ، فقال : [ طاش سهم السلطات الفرنسية ، و انبرت تقصف دمشق بوابل من نيران مدافعها و رشاشاتها دون وعي ، و قد شعرت أن أوان انفلات سورية من ربقة الانتداب قد حان ، و راحت تضرب ذات اليمين و ذات الشمال . فوقعتْ ضحايا ، و هُدّمتْ مَبانٍ و حُرقتْ دور ]
و ثمة سؤال يبرزه الواقع اليوم : أليس هذا الذي فعلته فرنسا و قد أحست بدنو الرحيل ، هو الذي يفعله نظام العصابة و الشبيحة في دمشق ، و قد تزلزلت الأرض من تحتهم و بدأ نجم وجودهم بالأفول ، فراحوا يهدمون و يقصفون و قد تمزقت على أجسادهم النتنة عباءة الممانعة !!؟
و صدق الزركلي و كأنه يشير بأبياته إلى نظام العصابة و قزمها المتأله :
إن للفخر أمةً لستَ منها = أنتَ في المكْرُمات شرُّ دخيلِ
فيا دمشق انهضي الآن فقد نهضت من قبل و ستنهضين من بعد !وياحمامات المسجد الأموي و الغوطتين كفكفي دموعك و قد روعك المجرمون و كنت آمنة مطمئنة :
كفكفي الدمعَ يا بناتِ الهديلِ=و امسحي بالدماء جفنَ الأصيل
نشر الغدرُ في دمشقَ رُواقا=يبعث الرعبَ ما له مِنْ مثيل
و هوى ، يحصد النفوسَ الأبِيّا=تِ ، و يُزهَى بالهدم و التقتيل ؟!
أكان الزركلي سليم يستشف أستار الغيب ؟! أو ليس شبيحة العصابة هم القائلين : [ الأسد أو نحرق البلد ]
أو ليس صبيان حزب اللات و حثالات المالكي الذين تسللوا إلى دمشق هم المرددين [ سنحرق دمشق ]
حَلفَ البغيُ أن يُنكّلَ بالشام=و يُجري دماءَها كالسيول
و لقد فاته وفات ذَويهِ=أنّ في الشام أمة ًمِنْ شُبولِ
ألِفَتْ وطأةَ الخطوب و داست=أرؤسَ الراقصين فوق الطلول
و لقد برّ البَغيُ بيمينه ، و لكن لم يكن حالفا بالله ، بل بالجبت و الطاغوت ، و بعزة المجوس ، و قداسة الطوسي و ابن العلقمي فسقطت الضحايا من الأبرياء ، و امتلأت الدور و الشوارع بأشلائهم و ما حدث بالأمس على يد المستعمر يحدث اليوم على يد الدخيل الفاجر :
يا ضحايا ! و ما أجلَّ الضحايا=في جهاد على البقاء طويلِ
أَطلَعَتْكم دنيا الشهادة أقما=را تنير الدروبَ بعد أفول
و يختم الشاعر بخطاب بلاده التي لم يَألُها نصحا بأن تحشِد فهي أهلٌ لذاك و قد قهرتْ من قبلُ المغولَ و الصليبيين
كم خطوبٍ وأدْتِ بين ضلوعٍ=من لهيب ، و مهجةٍ من نُصول
و شهيدٍ دفنتِ بين جفون=و نجيعٍ ما كان بالمطلول
و غرزت النكبات التي أصابت دمشق في قلوب الشعراء سهاما تقطر دما ، و استقرت أسى في مدامعهم ..
و لكنهم ظلوا متفائلين ، و هم يرون بوارق النصر و التمكين تلوح في الآفاق التي ملأها المجرمون و أعوانهم بسحابات اليأس و القهر و الإرجاف و التوهين ، و نسوا أن الله غالب على أمره ،فهذه شام الإسلام و كنانة العروبة! جرب الكثيرون إذلالها فأذلهم الله على يد فتية آمنوا بربهم و زادهم هدى !!