نعيم القبر وعذابه

نعيم القبر وعذابه

التصنيف: مقالات شرعية
الجمعة، ٣ رمضان ١٤٤٧ هـ - ٢٠ شباط ٢٠٢٦
176

أرسل إلي هذا التسجيلَ المصور أحدُ الإخوة الفضلاء يقول:

https://www.facebook.com/share/v/189cAupAv6/?mibextid=wwXIfr


السلام عليكم .. ما رأيكم بهذا الكلام ؟


-------


فكتبتُ في جوابه: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
واضحٌ أن الشيخ يتحدث عن نعيم وعذاب القبر.
ويُقدِّم في ذلك تصورات وتأويلات هي في ذاتها لطيفة لا مانع منها، قرر من خلالها أن المقصود بنعيم القبر أو عذابه ليس الروح ولا الجسد، وإنما المقصود بذلك النفس.
وهذا صحيح يعضده الوحي في مواضع، منها قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [سورة البقرة 281]
وقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [سورة البقرة 286]
وقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [سورة فصلت 46]
وقوله تعالى: {كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِینَةٌ} [سُورَةُ المُدَّثِّرِ: ٣٨]
فالنفس هي المقصودة بالتكليف، وهي صاحبة الكسب والاكتساب، إذًا فهي المقصودة بالثواب والعقاب.
لكن ذلك لا يستلزم ما ذهب إليه الشيخ من نفي النعيم والعذاب الحسي في القبر.
وهذا هو المأخذ على الشيخ في كلامه في هذا التسجيل.
فإن إثبات النعيم أو العذاب النفسي. لا يعني أنه لا يوجد في القبر شيء حسي من ذلك.
فإن النعيم الحسي هو الوسيلة إلى النعيم النفسي.
كما أن العذاب الحسي هو الوسيلة إلى العذاب النفسي.

النفس في هذه الحياة الدنيا هي التي تصدر الأوامر لأعضاء الجسم بفعل الطاعة أو فعل المعصية.
وقد جعل الحق سبحانه أعضاء الجسم منقادة طيِّعة لرغائب النفس ومراداتها في الدنيا.
أما في الآخرة، فإن الأطراف والأعضاء التي استعملتْها النفس في معصية الله، تشهد على تلك النفس بين يدي الله، من غير أن يكون للنفس سلطان على الأعضاء يمنعها من تلك الشهادة.
قال سبحانه: {وَیَوۡمَ یُحۡشَرُ أَعۡدَاۤءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمۡ یُوزَعُونَ ۝ حَتَّىٰۤ إِذَا مَا جَاۤءُوهَا شَهِدَ عَلَیۡهِمۡ سَمۡعُهُمۡ وَأَبۡصَـٰرُهُمۡ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ ۝ وَقَالُوا۟ لِجُلُودِهِمۡ لِمَ شَهِدتُّمۡ عَلَیۡنَاۖ قَالُوۤا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِیۤ أَنطَقَ كُلَّ شَیۡءࣲۚ وَهُوَ خَلَقَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةࣲ وَإِلَیۡهِ تُرۡجَعُون} [سورة فصلت 19 -21]
ويلاحظ في قول الكفار لجلودهم: {لِمَ شَهِدتُّمۡ عَلَیۡنَا} أن الشاهد غيْرُ المشهود عليه، وإن بدا لك أنهما شيء واحد.
وأن المَدِينَ المعذَّب بتلك الشهادة هو النفس التي كانت تستعمل تلك الأعضاء في معصية الله في الدنيا.
لكن هذا لا يمنع من وقوع الإحراق على الأعضاء، فإن إحراق تلك الأعضاء بنار الآخرة، ما هو إلا وسيلة لإيصال العذاب لنفوس أصحابها التي استعملتها في معصية الله.
كأن الأعضاء تشتفي من تلك النفوس الفاجرة الكافرة، عندما تكون تلك الأعضاءُ بأمر الله وسائطَ لإيصال الإيلام إلى تلك النفوس التي استعملَتْها في غير ما خلقها الله له.
وانظر إلى هذا المعنى في قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا سَوۡفَ نُصۡلِیهِمۡ نَارࣰا كُلَّمَا نَضِجَتۡ جُلُودُهُم بَدَّلۡنَـٰهُمۡ جُلُودًا غَیۡرَهَا لِیَذُوقُوا۟ ٱلۡعَذَابَۗ} [سورة النساء 56]
وما أوضح هذه الآية في الدلالة على أن الجلود ليست هي المقصودة بالإحراق ولا العذاب، وإنما مهمتها في ذلك أن تُذيق نفوسَ أصحابها العذاب من خلال ذلك الإحراق، ولا ضير على الجلود في ذلك، كما أنه لا ضير على أنبوب النار في الفرن، الذي أُوقِدت النار فيه لإنضاج ما فيه.

وقل مثل ذلك في عذاب القبر، فإن عذاب المعذبين في قبورهم يصل إلى نفوسهم بوسائط أجسادهم، وما الأجساد في ذلك إلا وسائط للتوصيل، وإنها لمغتبطة بذلك للتوصيل لأنه بأمر الله وفي مرضاته سبحانه.
بل قل مثل ذلك في العذاب الدنيوي أيضا، فإن قطع يد السارق مثلا، ليس في الحقيقة إلا وسيلة لإيصال الألم إلى النفس. وذلك لأن النفس كيان معنوي خفيّ، مَظهرُه تلك الأطراف والأعضاء والحواس.
وعليه فلا تنافي بين كون عذاب القبر أو نعيمه، مقصودا به النفس، وبين ثبوت العذاب أو النعيم الحسي في القبر.
كيف وقد دلت على ذلك نصوص كثيرة متظاهرة، كلها صحيح صريح.
كما في حديث البخاري عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العبد إذا وُضع في قبره وتولى وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم؟ فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال: انظر إلى مقعدك من النار، أبدلك الله به مقعدا من الجنة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فيراهما جميعا. وأما الكافر أو المنافق فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس. فيقال: لا دريت ولا تليت. ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين».

وروى أحمد وأبو داود عن البراء بن عازب في حديث له طويل جاء فيه: «خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار..
إلى أن قال: ...
فتُعادُ روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي مناد من السماء أن كذب، فافرشوا له من النار، وافتحوا له بابا إلى النار. فيأتيه من حرها وسَمومها، ويُضَيَّق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ثم يُقَيَّض له أعمى أبكم معه مرزبة من حديد، لو ضُرب بها جبل لصار ترابا قال: فيضربه بها ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين، فيصير ترابا. قال: ثم تعاد فيه الروح.

والأحاديث في النعيم والعذاب الحِسِّيَيْن في القبر، وفي الإفساح فيه حتى يكون مَدَّ البصر، أو تضييقه على الميت حتى تختلف فيه أضلاعه، كثيرة، في الصحيحين وغيرهما.
وتجاهلُ كل تلك الأحاديث، وإنكار مضمونها كأنها لا وجود لها في صحيح السنة، ضلالٌ مبين، وإنْ أُلْبِس ثوب العلم والمنطق.
وإنما أُتِيَ هذا الشيخ ومن ذهب مذهبه، من قِبَل قياس مسائل وأخبار البرزخ، على القوانين المادية الدنيوية.
وهو قياس فاسد، لأن الجهة منفكة كما يقول علماء الكلام.
فهما عالَمان متغايران. ومَن قاس أحدهما على الآخر كان كمن يقيس الماء على الصخر، أو الثلج على الجمر.
واذا كان قد أصبح من المسلّمات عند العلماء والعقلاء أن القوانين المادية المعتبرة على الأرض، تختلف عن القوانين المادية المعتبرة في الفضاء الخارجي، وكلاهما في عالم الدنيا، فكيف بالاختلاف بين عالم الدنيا وعالم البرزخ؟
هذا أمر لا يسعه إلا الإيمان بالغيب والتسليمُ له، وتفويضُ كيفية ما لا يُعقل بقوانين ومعايير المادة، إلى الله الكبير المتعال، الذي لا يُعجز قدرتَه شيء، والذي أحاط علمه بكل شيء،
{یَعۡلَمُ مَا بَیۡنَ أَیۡدِیهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا یُحِیطُونَ بِشَیۡءࣲ مِّنۡ عِلۡمِهِۦۤ إِلَّا بِمَا شَاۤءَۚ} [سورة البقرة 255]
ذلك شأن أهل الإيمان الراسخين في العلم، الذين أثنى الله عزّ وجلّ عليهم بذلك فقال: { ... وَٱلرَّ ٰ⁠سِخُونَ فِی ٱلۡعِلۡمِ یَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلࣱّ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ ..}
والله أعلم.


وكتبه: إبراهيم يوسف المنصور
7/5/1441
2/1/2020

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١تعريف بموسوعة مَعْلَمة القواعد الفقهية
إعداد: د. إبراهيم محمد الحريري الخبير بمعلَمَة القواعد الفقهية (مجمع الفقه الإسلامي بجدة)...
الأخذ بالرخصة
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١الأخذ بالرخصة
            كتبه: طه محمد فارس   الرخصة في اللغة: اليس...
(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
الخميس، ١٦ صفر ١٤٤٣ هـ - ٢٣ أيلول ٢٠٢١(لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) قاعدة فقهية أم بدعة محدثة
  التأصيل الشرعي: إنَّ مقولةَ ( لا يفتي قاعدٌ لمجاهد) ليست مِن القواعد الفقهية، أو ال...