نظرة من نافذة الطائرة

نظرة من نافذة الطائرة

التصنيف: ركن الشباب
الأحد، ٢٦ رجب ١٤٣٨ هـ - ٢٣ نيسان ٢٠١٧
932

 

حلّقت بنا الطائرة ، بعد يوم قد اكتظّ بصور وألوان من حياة الإنسان ، واهتماماته وسعيه ، وطيشه وعبثه ، وظلمه لأخيه الإنسان وبغيه ، واستعلائه في الأرض ، وشتّى شؤونه .. 

 ونظرت من نافذة الطائرة ، فقلت : يا سبحان الله ! كم الدنيا صغيرة قليلة ، لا تحتاج إلى كلّ هذا الخصام والعناء .؟! وهل يعقل أيّها الإنسان أن تكون الدنيا بكلّ ما فيها من دقّة ونظام ، وجمال وإحكام ، لا هدف لها إلاّ اللهو والعبث ، والتنافس والعدوان ، والظلم والطغيان .؟! وأن لا غاية وراءها ، ولا هدف لها .؟! 

 

وهل يلتقي النظام مع العبث .؟ وإحكام الصنع والخلق مع فقد الهدف .؟ أيعقل أن تعتزّ بعقلك وجِدّك ، وطموحك وإنجازك ، ثمّ تنفي عن وجودك كلّه الغاية من خلقه ، وتحسب أنّك ستمضي سدى .؟! 

 

 أيّها الإنسان ! ما أجمل حياتك وأعزّها وأشرفها عندما تعرف غاية وجودك ، ومنتهى حياتك ، ومآلك بعد مماتك ، وأنّ من خلقك أراد لك أن تكون خليفة في أرضه ، وعبده السيّد ، المخدوم لا الخادم ، تسير وفق شرعه وهديه ، ثمّ تكون جليسه في دار رضوانه ، حيث النعيم العظيم ، والرضوان المقيم .؟! 

 

 وما أخسر حياتك أيّها الإنسان ! عندما تظنّها شهوةً حاضرة ، ونزوة عابرة ، تعيش زهرة شبابك وأنت تلهث وراءها ، وربّما أدركت منها ما أدركت ، وفاتك كثير ممّا أمّلت .. ثمّ أسلمتك سنن الحياة وأقدارك ، التي لا تغفل عنك ، إلى عالم الموت ، الذي ما فكّرت يوماً به ، وما علمت ما وراءه ، أو إلى شيخوخة وعجز ، وضعف وأمراض ، وعشت بقيّة حياتك متحسّراً على الشباب الضائع ، والصحّة الذاهبة ، والآمال التي لم تنل منها إلاّ أقلّها .. 

 

 ما أخسر حياتك أيّها الإنسان ! عندما عرفت أشياء في هذه الدنيا ، وفرحت بها ، وغرقت في الجري وراءها ، وحشرت ذاتك بتفاهتها ، ولكنّك ما عرفت نفسك التي بين جنبيك ، وما عرفت حقيقة حياتك ، وغاية وجودك .! وما عرفت ربّك ، الذي خلقك فعدلك ، وفي أحسن تقويم ركّبك ، وأمدّك بنعم أسعدت حياتك ، وأنت عاجز عن استدامة أيّة نعمة منها بجهدك .. ثمّ تركب رأسك عناداً لربّك وإعراضاً ، أو جرياً وراء لذّات نفسك وشهواتك .! 

 

نظرت من نافذة الطائرة ، فقلت : يا سبحان الله ! 

 كم يحلم الله على عباده ، وهو يراهم في لهوهم ومعاصيهم يتقلّبون .! وهو يمدّهم بنعمته ، ويمهلهم لعلّهم يتوبون .! وهو أعلم بهم حيث يتقلّبون .! 

 وكم يستصغرنا هذا الكون بما فيه ، ويغتاظ منّا ، وهو يسبّح خالقه ويعظّمه ، ويرانا بما نحن عليه من الغفلة واللهو .! ولو أذن الله له لأهلكنا الجوّ والبرّ والبحر .!

 وكم تستصغرنا ملائكة الله الكرام ، وهي ترى الإنسان يطغى في الأرض ويبغي ، وغير ذلك أولى به ، لو كان يسمع أو يعقل ، وينظر إلى مصيره ومآله ويتدبّر .! 

 نظرت من نافذة الطائرة ، فقلت : « سبحان الذي سخّر لنا هذا ، وما كنّا له مقرنين ، وإنّا إلى ربّنا لمنقلبون » . ألا ما أعظم أن يذكر الإنسان ربّه جلّ وعلا عند كلّ خطوة يخطوها ، ويتذكّر منقلبه إليه ، ومصيره بين يديه .!

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...