عندما بدأت الأحداث تنتقل في المحافظات السورية في ربيع عام 2011 صُدمت طبقة المشايخ بها كما صُدمت بها أكثر طبقات المجتمع.
كان التوجُّس سيدَ الموقف، فذكريات أحداث حماة في الثمانينات وارتداداتُها المتفرقة ماثلةٌ في أذهان من ابيضَت لِحاهم ممن عاصر تلك الحقبة واكتوى بنارها.
وبالمقابل؛ كانت الأكثرية الساحقة من رجال طبقة المشايخ هي إحدى? صنفين:
- إما رجالٌ شِيبٌ ارتَضوا المُكوثُ والمصابرة وعدم الخروج من سورية إبان أحداث الثمانينات.
- وإما شبابٌ تربَّوا على أيدي أولئكم الشيب.
وهنا كانت المعضلة الكبرى؛ لقد كان الفريقان (الشيب والشباب) ممن ألف واعتاد النظامَ المخابراتي ، وقبل به أمراً واقعاً، وقدراً محتوماً، وكما يحصل على مستوى الأفراد أحياناً من تعايش صاحب المرض مع مرضِه، بل تأقلمه معه، وإلفه له، واعتياده عليه؛ حتى إنه ليشعر بشعور غريبٍ إذا لم يأتِ الألمُ في موعده المعتاد؛ حصل مثل ذلك على مستوى جماعة المشايخ التي تعوّدت على النظام المخابراتي واستسلمت له استسلاماً كاملاً.
إننا نلتمس العذرَ لمن اختار البقاء في سوريةَ إبان الثمانينات ولم يشأْ مغادرتَها وإخلاءَ المجالِ وتركَ الساحة للقوى الطائفية النصيرية والبعثية والشيوعية أن تستفردَ بالمجتمعِ السوري مدعومة بأجهزة امنية، وسلطة عسكرية، وسيطرة على مفاصل الدولة، ووزارتها ونقاباتها المهنية، وما إلى ذلك، مع علمه اليقيني بأن لبقائه فاتورتين يجب سدادهما:
- فاتورة الملاحقة والمضايقة والتقييد والحجر التي قد تتطور إلى اعتقال وسجن وتعذيب وقتل.
- وفاتورة التخفيف من حدة هجمة النظام المخابراتي على التدين واهله في سورية، عبر تقديم صورة «غير معادية» للنظام المخابراتي الطائفي، بل ومستعدةٍ للتحالف معه، مقابلَ أن يترك لها فسحة لا بأس بها من الحرية للدعوة إلى الله تعالى، والعمل لمصلحة الدين وأهله.
ولكن غيرَ المقبول هو ما نشأ عما سبق من تخدُّر الإحساس بالعداوة التي لم يستطع ـ ولم يُرد ـ النظامُ المخابراتي إخفاءها في وجه الدعوة الإسلامية، والدعاة، والمشايخ على اختلاف مستوياتهم، وانتماءاتهم.
لقد صار عنصرُ المخابرات القابع في زاوية المسجد في خطبة الجمعة ركناً من أركان هذا المسجد، يأنس الخطيب به، ويستوحش لفقده، ويتلهف لرؤيته على باب المسجد أو خارجه إذا لم يحضر الخطبة بين يدي الشيخ الخطيب، أو الدرس بين مستمعي الداعية المدرّس.
لقد أدّى هذا الاستمراء إلى وجود حالة ألفة حقيقية بين طبقة المشايخ والنظام المخابراتي، ارتفعت فيها من طرفٍ واحد كل مظاهر الضيق والشعور بآلام ممارسات عناصر الأمن المتعجرفين أنّى التقى بهم فضيلة الشيخ.
بل زاد الأمر إلى التحوُّل إلى حالة حبٍّ من طرفٍ واحد على مذهب «متلازمة استوكهولم» (1)؛ حيث أخذت شريحة عريضة من المشايخ تعتبر عنصرَ المخابرات ضامناً حقيقياً لوظيفتهم الدينية؛ فانتقلت العلاقةُ بينهما من علاقة الاحتراز والتخوف والخشية، إلى علاقة لفت النظر، وخطب الودّ، واستجلاب الرضا المصبوغ بالتملُّق والغزل غير البريء! ولن ندخل في حسابات كلامنا الأدعياء ـ بل المجرمين والمنافقين ـ من العملاء أصحاب التقارير والتعاون المكشوف المفضوح مع أجهزة المخابرات؛ الذين تسببوا بشكل مباشر، بإزهاق أرواح، وانتهاك أعراض، وإلقاءٍ لأناسٍ يختلفون معهم وينافسونهم في غياهب السجون.
في ذلك الجوّ المريض انطلقت شرارة أحداث درعا، وانتقل لهيبُها إلى المدن والمحافظات السورية واحدةً تلو أخرى؛ وكما خافً الموظّفون على وظائفهم، والتّجار على تجاراتهم، والفاسدون على موارد رزقهم الفاسد؛ قابلت طبقةُ المشايخ الأحداث السورية بكثير من الفتور، وإذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا أكثر: قابلتها بكثير من المناوأة والعداوة؛ فهي ـ في حقيقة الأمر ـ أتت لتحرّك المستنقع الراكد منذ ثلاثين سنة، وتحريك المستنقع سيكشف عن طامات وبلاوي راسبة في قعره، أو مختبئة في مياهه.... الأمر الذي سنقف عنده في الوقفة القادمة إن شاء الله، وللحديث بقية.
ــــــــــــــــــــــــ
(1) متلازمة ستوكهولم هو مصطلح يطلق على الحالة النفسية التي تصيب الفرد عندما يتعاطف أو يتعاون مع عدوه أو من أساء إليه بشكل من الأشكال، أو يظهر بعض علامات الولاء له مثل أن يتعاطف المخطوف مع المُختَطِف
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


