نظرات في مقال: تعطر المرأة خارج منزلها بلا إثارة مباح شرعاً

نظرات في مقال: تعطر المرأة خارج منزلها بلا إثارة مباح شرعاً

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
السبت، ١٥ جمادى الآخرة ١٤٤١ هـ - ٨ شباط ٢٠٢٠
1185

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

من الجيد أن تستمر الأمة بربط فروعها الفقهية بأصولها مرة بعد مرة، ومحاولة فهم كيف استنبط العلماء الأعلام الفروع من الأصول، وإني لأحترم مثل هذه الأبحاث طالما أنها تصدر من أصحاب الاختصاص، ولقد نظرت في هذا البحث الذي كتبه الأستاذ عصام تليمة، وأحببت أن أبدي عليه بعض الاعتراضات، ولا أزعم أنها الحق المطلق أو الإلزام الذي لا مفرَّ منه، بل هي مجرد تساؤلات ونظرت خطرت لي، والله الموفق.

الاعتراض الأول على قوله: (تعطر المرأة خارج منزلها بلا إثارة مباح شرعا)

فهل هناك تعطر مثير وتعطر غير مثير حتى نبيح غير المثير ونمنع المثير؟

وإن كان موجودًا في نظر الباحث فلماذا لم يذكر ضابطه؟!!

الاعتراض الثاني على قوله: (دون مراعاة لمستجدات الحياة، من نزول المرأة للدراسة، والعمل، والمشاركة العامة، وحاجتها لإزالة ما ينتج عن ذلك من روائح كريهة)

فهل دراسة المرأة وعملها من مستجدات الحياة؟ ألم تكن النساء سابقًا تعمل وتخرج للأسواق والمساجد وغيرها؟ أم أن النساء سابقًا لم يخرج منهم العرق والروائح الكريهة؟

الاعتراض الثالث على قوله: (وبداية نوضح أنه لم يرد في القرآن الكريم أي نهي مطلقا عن تعطر المرأة، لا تصريحاً ولا تلميحاً).

لقائل أن يقول له: بل يمكن القول إنَّ جميع الآيات الداعية لمنع إبداء الزينة يدخل التعطر تحتها، فهو من جنس الزينة.

وهأنا أنقل لك نقلين فقط:

1- قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} تفسير ابن كثير (6/ 49)

ومن ذلك أيضا أنها تنهى عن التعطر والتطيُّب عند خروجها من بيتها.

2- قال السيوطي في تفسير قوله تعالى: {وَلَا يبدين زينتهن} في شرحه لكلام ابن مسعود رضي الله عنه عند كلامه عن الزينة الظاهر والباطنة: الدر المنثور في التفسير بالمأثور (6/ 179) فالظاهرة مِنْهَا: الثِّيَاب؛ وَمَا يخفي: فالخلخالان والقرطان والسوارن، وَأخرج احْمَد وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن أبي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَيّمَا امْرَأَة استعطرت فَخرجت فمرت على قوم فيجدوا رِيحهَا فَهِيَ زَانِيَة.

فهذان دليلان ينقضان كلامك؛ لأن معنى التعطر داخل في مفهوم الآية، وقد فهم هذا المعنى أكثر من مفسر، ولو أنه اكتفى بقوله تصريحًا لسلمنا له تنازلا، أما قوله تصريحا وتلميحا فهو خطأ.

الاعتراض الرابع: تجاهله لدلالة الحديث الذي في سنن النسائي (8/ 153)

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خرجت المرأة إلى المسجد، فلتغتسل من الطيب، كما تغتسل من الجنابة » وهو حديث صحيح، ويدل ظاهر على وجوب غسل المرأة من الطيب قبل خروجها للمسجد. قَالَ السنديّ رحمه الله تعالى: ظاهر أنها إذا أرادت الخروج إلى المسجد، وهي قد استُعملت الطيب فِي البدن، فلتغتسل منه، وتبالغ فيه، كما تبالغ فِي غسل الجنابة، حَتَّى يزول عنها الطيب بالكلّيّة، ثم لتخرج.

فهذا الحديث يهدم على الباحث نظريته في حصر أحاديث المسجد بالمسائيَّة فقط، فهذا الحديث عام في جميع الأوقات.

الاعتراض الخامس: مروره على الحديث المشهور (أيما امرأة استعطرت، فمرت بقوم ليجدوا ريحها فهي زانية) مرور الكرام، وكأن تجاهله وحمل دلالته على المرأة التي تريد إغراء الرجال فقط. فلننظر بنظرة سريعة على ما بوب العلماء لهذا الحديث:

الإمام الدارمي في سننه: (باب: في النهي عن الطيب إذا خرجت)

البيهقي في شعب الإيمان: (فصل في حجاب النساء والتغليظ في سترهن)

ابن خزيمة في صحيحه: (باب التغليظ في تعطر المرأة عند الخروج ليوجد ريحها وتسمية فاعلها زانية)

البيهقي في السنن الكبرى: (باب ما يكره للنساء من الطيب عند الخروج وما يشتهرن به)

النسائي في سننه: ما يكره للنساء من الطيب

النسائي في سننه: اغتسال المرأة

فكل هؤلاء الأئمة فهموا من هذا الحديث عموم النهي وليس تخصيصه بقصد إثارة الرجال.

الاعتراض السادس على قوله: (وإذا تطيبت المغتسلة هنا بالمسك، ثم خرجت فهل سيزول أثره؟ من المؤكد لا، بل سيشم).

وهذا منه عجيب! فهو بدل أن يفهم هذا الحديث منسجما مع عموم الأحاديث المانعة من تعطر المرأة إذا قصدت الخروج من المنزل، نراه قام بإبطالها؛ بل نقول: قد يفهم من الحديث أن المرأة التي تطيبت لسبب ما عليها أن لا تخرج من البيت حتى يزول أثر تعطرها، وبهذا الفهم نكون قد أعملنا جميع الأدلة ولم نسقط منها شيئا.

الاعتراض السابع: إهمال الكاتب تمامًا لأحاديث أخرى في الباب، ولا أدري لماذا أهملها؟ منها:

سنن الدارمي (2/ 812)

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن إذا خرجن تفلات» ثم قال: قال سعيد بن عامر: التفلة: التي لا طيب لها. 

صحيح ابن خزيمة ط 3 (2/ 811)

عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا شهدت إحداكنَّ المسجد، فلا تمس طيبا"

فالحديث الأول يدل دلالة ظاهرة على أن على المرأة إذا أرادت الخروج فإن عليها أن لا تتطيب.

والحديث الثاني يدل على أن المرأة التي تريد أن تخرج الى المسجد أن لا تتطيب وأنها إذا تطيبت فعليها أن لا تخرج إلى المسجد.

وهناك ملاحظات أخرى كثيرة، واكتفيت بهذا القدراليسير.

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...