سؤالٌ جريءٌ قد يكون من الحكمة أن نطرحه على أنفسنا، وأن نحاول الإجابة عنه بشفافيةٍ وموضوعيّة، له أو عليه: هل صحيحٌ ما يقال من أنّ الإفراط في العقلانيّة، والثقافة، والمال، والعمل، والمنصب، والمسؤوليّة العامّة، والمخالطة المستمرّة للرجال، من شأنه أن ينمّي شخصيّةَ المرأة، ما لم تملك القدر الكبير من الحكمة والإرادة، نموّاً سلبيّاً يقترب بها من خشونة الرجل، ويستلب منها العصا السحريّة التي تمتلكها لتحقيق التأثير المطلوب في اجتذاب الجنس الآخر: عصا الأنوثة؟
وفي المقابل، هل في تغلّب الجانب العاطفيّ على الجانب العقليّ عند المرأة؛ تشويهٌ لشخصيّتها، وانتقاصٌ من أنوثتها؟ وهل سيكون في قولنا للرجل: أنتَ ناقصُ عاطفةٍ إنسانيّةٍ، وناقصُ حنانٍ، وناقصُ قدرةٍ على الحمل والولادة، وناقص قابليّةٍ على إرضاع الأطفال، ازدراءٌ لشخصيّته، وانتقاصٌ من مكانته ورجولته؟
ماذا كان يعني رسول الله ﷺ، وهو المثل الأعلى في الأدب، واللباقة، والخلق العظيم، وحسن الخطاب، عندما قال للنساء وفي مناسبةٍ بهيجةٍ كالعيد، أنتنّ "ناقصاتُ عقلٍ ودين"؟ وما علاقة هذا النوع من النقص بجمال المرأة وأنوثتها، لها أو عليها؟
- عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ قال: "خَرَجَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ في أضْحَى أوْ فِطْرٍ إلى المُصَلَّى، فَمَرَّ علَى النِّسَاءِ - أي اللواتي حَضَرْنَ إلى المُصلَّى - فَقال: يا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فإنِّي أُرِيتُكُنَّ أكْثَرَ أهْلِ النَّار. فَقُلْنَ: وبِمَ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وتَكْفُرْنَ العَشِيرَ – أي تُنكِرْنَ معروفَ أزواجِكنّ -. ما رَأَيْتُ مِن نَاقِصَاتِ عَقْلٍ ودِينٍ أذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِن إحْدَاكُنَّ – يَعْجَبُ النبيُّ ﷺ مِن ضَعفِهنَّ وقلّةِ حِيلتهِنَّ، رغمَ ضَعْفِ أقوى الرجالِ وقِلَّةِ حِيلَتِهِم أمامَهنّ –! قُلْنَ: وما نُقْصَانُ دِينِنَا وعَقْلِنَا يا رَسولَ اللَّهِ؟ قال: أليسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ؟ قُلْنَ: بَلَى. قالَ: فَذَلِكِ مِن نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أليسَ إذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ ولَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ: بَلَى. قال: فَذَلِكِ مِن نُقْصَانِ دِينِهَا – أي نقصانِ عباداتِها -". [متّفق عليه]
ناقصات عقلٍ ودين: لو قالها قاضٍ لامرأةٍ في المحكمة وهو يتعامل مع قضيةٍ رُفِعت ضدّها، فأصدر حكماً يتضمّن عبارةً كهذه العبارة، ليستظلّ بها في تبرئتها من تهمةٍ أو جنحةٍ صدرت عنها، وكان سببها تغلُّب عاطفتها على حكمتها، فهل نتوقّع أن تشتمه، أو تعارضه، أو تجرؤ على عدم الإذعان لحُكمه؟
لماذا نتجرّأ على النبيّ ﷺ، بل على الله، في مثل هذا الحكم، وهو الذي خلق المرأة تماماً كما شاء أن يخلقها، وهو الذي أراد لها، بحكمته المطلقة، أن تكون هكذا، وأراد للرجل، بحكمته المطلقة، أن يكون هكذا؟
عندما يُصدر الخالق حُكمه في تعريف الإنسان، وقد خلقه بيديه، فيقول: {وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] هكذا "ضعيفاً"، فهل من حقّنا أن نغضب إذا قال عنّا كذلك؟ ومَن أعلَمُ بالمخلوق مِن خالقه؟ وماذا سنجني من هذا الاعتراض غيرَ الجُحود ونكران الجميل، وما يقودنا إليه كلُّ ذلك من ضياعٍ وخسران؟ وإذا أراد الخالق للإنسان أن يكون "ضعيفاً"؛ فهل يطمع هذا الإنسان أن يجد "القوّة" عند غيره من مخلوقاته؟
* * *
(العقل) في هذا الحديث الشريف ليس مقابل (قلّة العقل)، بل هو مقابل هيمنة القلب، أو تغلُّب العاطفة في الأحكام.
المعادلة النسائيّة تأتي هكذا: (ناقصات عقلٍ = زائداتُ عاطفة)، والمعادلة الذكوريّة تأتي هكذا: (زائدو عقلٍ = ناقصُو عاطفة). فهل من حقّ أحدٍ أن يعترض على كتاب الفطرة، ويطالب بتحقيق المساواة الكاملة بين الجنسين قائلاً: كلّا، نحن لا نريد نقصاً هنا، ولا زيادةً هناك؟
مَن في هذا الأمر أخبَرُ ممّن؟ الخالقُ الحكيم، أم مَن خَلَق؟ فإن كان الخالقَ الحكيم، فتلك شهادته وحكمه في هذا الأمر:
- وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [البقرة: 282]
لأمرٍ ما؛ قضى الخالق بهذا المعيار لمخلوقاته: شهادة هذا المخلوق بنصف شهادة هذا.
هل نغضب من المصنع لو جعل مواصفات غسّالة الثياب مختلفةً عن مواصفات جلاّية الأطباق؟ وهل نغضب من الطبيب إذا وصف لنا، بعد معاينتنا بدقّة، دواءً مختلفاً عن دواء جارنا الذي يشكو من مرضٍ مختلف؟ وهل نغضب من الحكومة إذا منحت النساء إجازة ولادةٍ وأمومة، ولم تمنحها للرجال؟ وفوق كلّ هذا وذاك: أوَليس للرجال، مقارنةً مع النساء، نواقصهم، وشروطهم، وواجباتهم، وأحكامهم الإلهيّة المختلفة أيضا؟ فلماذا لا يحتجّون؟
لقد جاءت شهادة المرأة بنصف شهادة الرجل لأنّ الشهادة قضيّةٌ عقلانيّة، وهي تقاس بالحساب والأرقام مائةً بالمائة، فلا دور للعاطفة فيها، والقاضي هو وحده الذي يقرّر في النهاية ما إذا كان يمكن أن يكون للجوانب العاطفيّة، أو للظروفٍ الاستثنائيّةٍ، عند أيٍّ من الفريقين اللذين يحكم بينهما، دورٌ في إصدار الحكم، وفي طبيعة هذا الحكم، فالعدالة، كما يقولون، ليست في نصّ القانون، بل في نفس القاضي.
وإذا كان لدى القاضي شبهةٌ في أنّ العاطفة عند أحد الشهود، أيّاً كان جنسه، تطغى على العقل، بشكلٍ يَحتمل، ولو احتمالاً بسيطاً، أن يؤثّر في مجرى العدالة، فمِن حقّه أن يطلب شاهداً إضافيّاً يعضّد شهادة الأوّل، لا أن يلغي شهادته. فكيف إذا كانت هذه "الشبهة" وثيقةً صادرةً عن خالق هذا الشاهد: "أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى"؟
مشكلة المرأة مع الشهادة إذن ليست الكذب، ولا التحريف، ولا تضليل العدالة، ولا سوء النيّة، ولا المرض، بل هو أن تَرجح عندها، كما أراد لها خالقُها، إحدى الكفّتين الأساسيّتين في تكوين كلّ إنسان، وهو أمرٌ لا يحتاج إلى أكثر من تنبيهٍ أو تذكير "فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى".
نعم، لقد تفوّق الرجل على المرأة في الشهادة بدرجةٍ واحدةٍ: امرأتان، مقابل رجل، لكنّها، أيضاً، تفوّقت عليه في نواحٍ عديدةٍ أخرى، تفوّقاً لم يُثِر لدى الرجل أيّة حساسيةٍ أو احتجاجٍ أو غضب.
لقد خصّها الله وحدها بميزةٍ لم يخصّ بها الرجل، وهي التشديد، تشديداً تحريميّاً واستثنائيّاً، على تحذير أبنائها من عقوق أمّهاتهم:
- عنِ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ". [متّفق عليه، واللفظ للبخاري]
واختصّت الأمّ، أيضاً، بالمزيد من الحبّ، والبرّ، والطاعة، فنالت في علاقتها مع أبنائها موقعاً يرتفع درجاتٍ فوق درجة الأب:
- عن أبي هريرةَ قال: "جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقال: يا رسولَ الله، مَنْ أحَقُّ الناسِ بحُسْنِ صَحابتي - أي مَنِ الأحقُّ مِن غيرِه في حُسْنِ علاقتي واحترامي -؟ قال: أمُّك. قال: ثمّ مَنْ؟ قال: أمُّك. قال: ثمّ مَنْ؟ قال: أمُّك. قال: ثمّ مَنْ؟ قال: أبوك". [متّفق عليه]
وتكريماً للأمّ، أيضاً، جعل نبيُّ الإسلام الجنّةَ تحت قدمَيها، دون الأب، بل رجّح خِدمتَها والتزامَ صحبتها على فرضِ الجهاد في سبيل الله:
- عن معاويةَ بنِ جاهمةَ السُّلَميِّ، عن والدِه جاهمةَ أنّه قال – للنبيِّ ﷺ -: "يا رسولَ اللَّه، إنِّي كنتُ أردتُ الجِهادَ معَكَ أبتغي بذلِكَ وجْهَ اللَّهِ والدَّارَ الآخرةَ! قالَ: ويحَكَ، أحَيَّةٌ أمُّكَ؟ قُلتُ: نعَم. قالَ: ارجِعْ فبِرَّها. ثمَّ أتيتُهُ مِنَ الجانبِ الآخَرِ فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، إنِّي كنتُ أردتُ الجِهادَ معَكَ أبتغي بذلِكَ وجهَ اللَّهِ والدَّارَ الآخرَةَ! قالَ: وَيحَكَ، أحَيَّةٌ أمُّكَ؟ قلتُ: نعَم يا رسولَ اللَّه. قالَ: فارجِعْ إليْها فبِرَّها. ثمَّ أتيتُهُ مِن أمامِهِ فقُلتُ: يا رسولَ اللَّه، إنِّي كنتُ أردتُ الجِهادَ معَكَ أبتغي بذلِكَ وجْهَ اللَّهِ والدَّارَ الآخرةَ! قالَ: ويحَكَ، أحيَّةٌ أمُّكَ؟ قُلتُ: نعَم يا رَسولَ اللَّه. قالَ: ويحَكَ، اِلزَم رِجلَها فثَمَّ الجنَّةُ". [رواه ابن ماجه، وصحّحه الألباني]
لا يمكن أن يقوم البيت، أو الحياة كلّها، إلّا باجتماع ما عند المرأة وما عند الرجل في وقتٍ معاً: العقل والعاطفة، نقصاً في هذا، أو زيادةً في ذاك. تلك هي المعادلة الإلهيّة الدقيقة، والحكيمة، والمتوازنة، والصعبة أيضاً، لإقامة موازين حياتنا، وإلّا ضاع التكامل الذي أراده الله تعالى بين مكوّنات حياتنا، من أجل استمرار هذه الحياة سليمةً ومعافاة.
ويؤكّد النبيّ ﷺ في حديثه هذه المعادلة المصيريّة، والحتميّة، بين الجنسين بوصفه لهنّ بأنّهنّ ناقصاتٌ للدين، وليس للإيمان. ونقص الدين هنا هو نقص العبادات، كما يوضّحه لنا في الحديث نفسه، وليس في ذلك معرّةٌ للمرأة. وأيّة مَنقصةٍ يمكن أن تَلحق بها إذا فرض الله على الرجل من العبادات أكثر ممّا فرضه عليها، مراعياً في ذلك طبيعة خَلقِها، ووظائف جسدها، وتغيّراتها البيولوجيّة؟
يقول الدكتور عبد الحليم أبو شقّة في توضيح هذا القول النبويّ:
"أمّا مِن حيث صياغة النص؛ فليست صيغةَ تقريرِ قاعدةٍ عامّةٍ أو حُكمٍ عامّ، وإنما هي أقرب إلى التعبير عن تعجّب رسول الله ﷺ من التناقض القائم في ظاهرة تغلُّب النساء، وفيهنّ الضعف، على الرجال، وفيهم القوّة والحزم! أي التعجّب من حكمة الله: كيف وضع القوّة حيث مظنّةُ الضعف، وأخرج الضعف مِن مظنّة القوة! لذلك نتساءل: هل تحمل الصياغة معنىً من معاني الملاطفة العامّة للنساء خلال العظة النبويّة (لأنّه قالها لهنّ بعد الصلاة بمناسبة يوم العيد)؟ وهل تحمل تمهيداً لطيفاً لفقرةٍ من فقرات العظة وكأنّها تقول: أيّتها النساء، إذا كان الله قد منحكنّ القدرة على الذهاب بلبّ الرجل، القويّ والحازم، برغم ضعفكنّ، فاتّقين الله، ولا تستعملْنَها إلّا في الخير والمعروف. وهكذا جاءت كلمة "ناقصات عقلٍ ودين" مرةًّ واحدةً (أي في الأحاديث النبويّة)، وفي مجال إثارة الانتباه، والتمهيد اللطيف لعظةٍ خاصّةٍ بالنساء، ولم تجئ قطّ مستقلّةً في صيغةٍ تقريريّة، سواءٌ أمام النساء أو أمام الرجال."
إنّ نقص الدين، أو لنَقُل نقص العبادات عند المرأة، هو من المِنح التي اختصّتها بها السماء دون الرجل. فطبيعة جسمها، والمهامّ الموكولة إليها كامرأة، وعلى رأسها الولادة، والنفاس، والحيض، تتطلّب نظاماً أكثر مرونةً فيما يخصّ عباداتها. إنّها معفاةٌ من الصوم، ومن الصلاة، ومن الحجّ، ومن قراءة القرآن، إذا كانت في أيٍّ من تلك الحالات الصحّيّة العارضة.
وإذا لم يكن رسول الله ﷺ صريحاً وواضحاً وأميناً معنا، نساءً ورجالاً، فيبلّغنا وينقل إلينا ما لا ندركه نحن من حقائق الخَلق وطبائعهم، ممّا أطْلَعه ربُّه عليه وكلّفه أن يبلّغنا إيّاه، فمَن سيَنقل هذه الحقائق إلينا؟ وهل سيكون بذلك قد أدّى الأمانة التي وضعها الله تعالى بين يديه كاملةً؟
حين أطلعه ربّه على النار، وأراه أهلَ النار، جَزِع ونَقَل إلى المؤمنات حالاً هذه الرسالة التحذيريّة من الله، لأنّ فيها، لو استَمَعْنَ إليها، واستوعبنَ مراميها، وأدركنَ خطورتَها، نجاتَهنّ يوم الحساب الأكبر:
- عن عبدِ اللهِ بنِ عبّاس، عن رسولِ اللهِ ﷺ قال: ".. أُرِيتُ النارَ، فلم أرَ منظراً كاليومِ قطُّ أَفَظَعَ، ورأيتُ أكثرَ أهلِها النساءَ! قالوا: بِمَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: بكُفْرِهِنَّ. قيل: يَكْفُرْنَ باللّه؟ قال: يَكْفُرْنَ العَشِيرَ – أي مَنْ يُعاشِرُهنّ مِن زَوجٍ أو قريب –، ويَكْفُرْنَ الإحسانَ، لو أَحْسَنْتَ إلى إحداهنَّ الدهرَ كلَّه ثمّ رأَتْ منك شيئاً؛ قالت: ما رأيتُ منكَ خيراً قطُّ". [رواه البخاري]
فهل كان المطلوب منه أن يجامل النساء، ويخفي هذه الحقيقة عنهنّ، فيُخِلّ بالأمانة الموكلة إليه؟ وهل يليق بنبيٍّ أرسله الله رحمةً للعالمين؛ أن يترك أبناء أمّته وبناتها على ضلالٍ وجهلٍ بما يمكن أن يصيبهم، أو يصيبهنّ، في الدنيا من خسارةٍ وضياع، لهم وللأسرة وللمجتمع، مع ما ينتظرهم، أو ينتظرهنّ، بعد ذلك في الآخرة من عقابٍ كبير، وهو قادرٌ على أن ينقذهم ويحذّرهم ويحميهم، بل هو مأمورٌ ومكلّفٌ من الله بأن يفعل ذلك دون توانٍ؟
حتّى تكون حياتنا صحّيةً وسليمةً ومتوازنة، فإنّنا في حاجةٍ إلى الطرفين معاً: إلى من يَغْلب عنده العقل، وإلى من تَغْلب عندها العاطفة، هذا لو التزم جناحا هذه المعادلة حقّاً بالاتّزان، والحكمة، والطاعة، والقبول.
حين يعاقِب الأب، القويّ والعقلانيّ والخشن، ولدَه المذنب، نجد الولد، عادةً، يلجأ إلى أمّه، الرقيقة، والدافئة، والحنون، وهو أمرٌ طبيعيّ، بل ضروريّ، وإلّا ضاعت الأسرة بين أبٍ لا يملك قدراً كافياً من الدفء والحنان والعاطفة، وأمٍّ لا تملك قدراً كافياً من الصرامة والقوّة والعقلانيّة.
ومن الإجحاف، طبعاً، أن نجعل من هذا الحكم قاعدةً تنطبق بشكلٍ حرفيٍّ وصارمٍ ومتساوٍ على جميع النساء، أو على جميع الرجال.
إنّ بين الرجال مَن تخلو قلوبهم من أدنى آثار الإنسانيّة والرأفة والحنوّ، فيقلبون حياة أسَرهم إلى جحيمٍ لا يطاق، فيهرب منها البنات والبنون، ويتحوّلون إلى مسالك الانحراف والإجرام والفساد. وإنّ بين النساء من يودي بهنّ طغيانُ العاطفة وقِصَر النظر؛ إلى آلامٍ وكوارث، عليهنّ وعلى من حولهنّ، داخل العائلة أو خارجها.
لن أنسى أبداً ذلك اليوم، حين أرادت جارتي في أوكسفورد أن تنتقم من زوجها وعشيقته معاً بضربةٍ واحدة، فركبت سيّارته، وكانت تمتلك بطبيعة الحال مفتاحها، وقادتْها بقوّةٍ وسرعةٍ لتصدم بها السيّارة الأنيقة الخاصّة بعشيقته، وقد صادف أن كانت متوقّفةً في الموقف الخاصّ بالزوج، فحطّمت واجهتَي السيارتين الفارهتين معاً. وكانت النتيجة إصابة الزوجة بالشلل الدائم، فضلاً عن تغريمها بالخسائر الفادحة.
ولن أنسى أيضاً ذلك الفيديو المؤلم الذي شاهده الملايين؛ لامرأةٍ كانت تقود سيارتها، ومعها أسرتها وأولادها الصغار، في حديقة حيوانٍ مفتوحةٍ (سفاري)، وفي منطقة نمورٍ خطرةٍ مفترسة. ومن الواضح أنّها كانت غاضبةً، لسببٍ ما، من سيدةٍ أخرى كانت معها في السيارة (لم تتّضح درجة قرابة تلك السيّدة من الأسرة)، فأوقفت السيارة، وترجّلت منها، ثمّ فتحت الباب الجانبيّ الخلفيّ، وراحت تشدّ السيّدة الأخرى لإرغامها على الخروج، غافلةً عن أنّ النمور خلفها كانت تترصّدها من خلال الأشجار، فما كان من أحدها إلّا أن وثب عليها في ثوانٍ، واختطفها ببراثنه أمام أعين أولادها، وغاب بها سريعاً بين أشجار الغابة.
لقد كانت الزوجة المخدوعة تعرف سلفاً مدى المجازفة والخطورة، على حياتها وعلى مالِها وعلى مستقبلِها، في أن تركب سيّارةً وتَصدمَ بها بقوّةٍ سيّارةً أخرى، ولكنّ عاطفتها غطّت على عقلها فانزلقت إلى ارتكاب تلك المجازفة الخطيرة. وكانت السيّدة الأخرى تعرف أنّها في منطقةٍ خطرةٍ، وأنّ الوحوش تحوم من حولها في كلّ مكانٍ مترقِّبةً فريستها، ولكنّ غضبها تغلّب على حكمتِها وتفكيرها، فضعُفت وخسرت حياتها.
مثل هذه "الفَورات" العاطفيّة القاتلة يمكن أن يحدث، بل يجب أن يحدث، حين يفقد العقل سيطرته على العاطفة. ونحن حين ننكر هذه الفروق بين دماغَي الرجل والمرأة، والثابتة علميّاً ومخبريّاً وعلى الأرض، كما سبق أن عرفنا في برنامج الـ BBC، فإنّنا نسيء الحكم على المرأة، ونخفق في التعامل معها، ونحكم عليها، بل على المجتمع كلّه من خلالها، بالشلل والإخفاق، ونرمي بهما في مهاوي المجهول.
بكاء المرأة حين تتألّم، وعدم بكاء الرجل، لا يعني أنّ الرجل أقلّ شعوراً وإنسانيّةً، بل يعني أنّ العاطفة عند المرأة تتغلّب على عقلها فتبكي، وأنّ العقل عند الرجل يسيطر على عاطفته، فيرعوي ويملك نفسه.
هذا في الواقع؛ يختصر لنا طبيعة المعادلة المصيريّة بين العقل والعاطفة عند كلٍّ من العمودين الأساسيّين اللذين يقوم عليهما بناءُ حياتنا على ظهر هذا الكوكب.
بقلم: د. أحمد بسام ساعي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


