(ألقيت في جامع الفرقان ببغداد سنة 1403هـ - 1983م)
قمْ أنشدِ الشعرَ في ميلادهِ سُوَرا
مُؤنَّقَ اللفظِ مِنْ أَحشاكَ مُعْتصَرا
يَنسابُ كالموجِ هدَّارًا ومُصْطَخِبًا
يَمدُّه المزنُ سحَّاحًا ومنهمِرا
قم فجِّر الشِّعرَ كالبركانِ مضطرِبًا
مؤجَّجَ الحرفِ وهَّاجًا ومُسْتعِرا
ما قيمةُ الشِّعرِ لم تُقدَحْ شرارتُهُ
بمولدِ الحقِ؟ فانهضْ وابعثِ الشَّرَرا
ولينطق الدمُ والأنفاسُ ثائرةً
وليُعْلِنِ القلبُ ما غطَّى وما سَترا
وليَعرفِ الكونُ أنَّ اليومَ مولدُ مَنْ
به الظلامُ عن الآفاقِ قد حُسِرا
قُمْ واسكبِ الشِّعرَ فالأكوابُ ظامئةٌ
ورتلِ اللحنَ حتى يسحرَ الوترا
اليوم يومُك فابعثْ كلَّ فاتنةٍ
من القصيدِ تُحاكي الشمسَ والقمرا
وإنْ عجمْتَ ولم تُسعفْ شوارِدُهُ
فاستنطقِ الحقَّ والتاريخَ والبشرا
وقُلْ فخورًا: عصاني النطقُ مِن طربٍ
وضقتُ في وصفِ يومٍ حَيَّر الشُّعرا
أنَّى أوفيكَ تبيانًا وقدْ نبعتْ
منكَ الأوابدُ حتى بذَّت الفِكَرا؟
• • •
قفا لننظرَ ما خلفَ الستائرِ مِنْ
ماضٍ تخطاهُ ركبُ الدهرِ فاستترا
ماضٍ كئيبٍ يعبُّ الجهلَ ظامئهُ
ويُغمِضُ الشركُ منهُ القلبَ والنظرا
الظُّلمُ يَبعثُ مِنْ أجنادهِ كِسَفًا
ويُلْقِمُ الآهَ إنْ قِيلتْ لهُ حَجرا
حالٌ تسيلُ لهُ ماءُ العيون أسىً
ويَتركُ القلبَ في الأوهامِ مُنْفطِرا
قد خيَّم الجورُ والأعرافُ قاضيةٌ
أنْ يُحْرَمَ الضعفُ بعدَ النُّضجِ ما بذرا
جهلٌ وظلمٌ وغاراتٌ مهتِّكةٌ
عِرْضًا ومالًا فلا سمعًا ولا بصرا
الحقُّ مهتَضَمٌ والصِّدقُ مفتقَدٌ
لا ردعَ لا زجرَ لا توراةَ لا زُبُرا
حتى إذا هلَّ شهرُ النُّور زِيحَ عن ال
كونِ الدُّجى وأضاءَ الصبحُ مزدَهِرا
• • •
جاء الربيعُ بأزهارٍ مُفتَّحةٍ
تنداحُ طيبًا بِكُمِّ الزَّهوِ مُتَّزِرا
الشُّمُّ تَعزِفُ والآفاقُ راقصةٌ
والحُورُ تبعثُ مِنْ ألحانِها غُرَرا
سالتْ ميازيبُ عرشِ الله هاطلةً
فطهَّرتْ مِنْ رحابِ الأرضِ ما وضرا
(محمدٌ) في ربيعِ النور قامَ لن
فباتَ هامُ الرُّبا بالمسكِ مُعْتجِرا
سيبدأ الزحفُ.. قلْ للفرسِ معْلِنَها
للرومِ، للشرك، للإفساد: كُنْ حذِرا
سيَنشر الدينُ راياتِ الحقيقةِ في
كلِّ البلادِ ويمضي الحقُّ منتصِرا
وأشرق النورُ مِنْ بطحاءِ (مكة) لل
أرضِ الكئيبة وَجْهًا ساحِرًا عَطِرَا
وما تبدَّى مُنيرًا مِنْ أَكِلَّتهِ
حتى هوى الشِّركُ مُنهارًا ومُنكسِرا
بيارقُ النصرِ في أعلاهُ خافقةٌ
وتحتهُ فيلقٌ قدْ هبَّ مُبْتدِرا
أتى به الناسَ فردٌ في جلالتهِ
وليس بِدْعًا مُحيطٌ يقذفُ الدُّرَرا
تهلَّلَ الشرقُ ثمَّ الغربُ وانبجستْ
عينُ الهداية فاغرفْ واحذرِ الصَّدَرا
الكلُّ يشهدُ ما أسدى الهُدى لهُمُ
سلوا دمشقَ، سلوا بغدادَ، والعُصُرا
ألم نحطِّمْ جيوشَ الكفرِ جامحةً؟
ألمْ نزلزلْ - وقد غُرُّوا بنا - التترا
• • •
قفي (حمامةُ) إنَّ القلبَ ملتهِبٌ
خذي ل(طيبةَ) عَن آهاتِنا خبرا
قفي أحمِّلْكِ مِنْ شوقي ومِنْ ألمي
سطرًا من العَبَراتِ الحُمْرِ قدْ سُطِرا
خلِّي (العقيقَ) إلى (المختار) وانتصبي
في مسجدِ الطُّهر وابكي البدوَ والحضرا
قولي ل (أحمدَ) إنَّ الدينَ ممتعِضٌ
أرى على وجههِ في عصرِنا قَتَرا
جفاهُ قومٌ عهودَ اللهِ قد نكثوا
وحطَّموا الحُبَّ والإيمانَ والسُّمُرا
ضاعوا بوسط عُبابِ الكفرِ وانكسرتْ
شوكاتُهم وأتى ما كان مُنْتَظَرا
تفرُّقوا في متاهِ الحقدِ وارتبكوا
بصيحة الغَرْبِ واقتصُّوا له الأثرا
آهٍ لقومٍ أضاعوا المجدَ وانسلكوا
خلفَ المطامعِ كلٌّ بالهوى ائْتَمرا
ما كان ظنِّي وما طال المطالُ بنا
أنْ نُدْرِكَ الحقَّ في الميدانِ قد نُحِرا
مروِّعاتٌ تهدُّ الشمَّ عاصيةً
وتجعلُ الماءَ - حتى في الظَّما - صَبِرا
• • •
قوموا لنندبَ أيامًا مضتْ وخلتْ
لعل يُشْفى غليلٌ طالَ ما سُعرا
قوموا نبلّ ثرى (الأصحابِ) بعدَهُمُ
بالدمع بالدم نبكي الرسمَ والأثرا
كانوا، وأنَّى نكونُ اليومَ مثلَهُمُ
هُمُ الثُّريا وأمّا نحنُ؟ نحنُ ثرى
قد دوَّخوا الأرضَ حتى أسلمتْ لهُمُ
ومِنْ يديهمْ إلى الدنيا الأمانُ جرى
لله فتيةُ إيمانٍ تُضيءُ بهمْ
شمسُ الفخار ويزهو الفجرُ ما سَفرا
هزُّوا العروشَ فقام العدلُ مرتفِعًا
والجَورُ أمسى حسيرَ الطرفِ مُنْحدِرا
عُدْ يا سلامُ وزحزحْ عن مباسِمنا
ثِقْلَ الوجومِ لَطالَ البِشْرُ ما هَجَرا
كم قد رفعنا صروحَ السعدِ صافيةً
مِنَ الخيالِ وكم بُؤنا بما كَدُرا
سلوا المنابرَ هل أدَّتْ مهمتَها؟
سلوا المحاريبَ هل مأمومُها ذَكَرا
سلوا المعاهدَ إنْ طُفْتُمْ بساحاتها
أسُرَّ فيها بما تَرضاهُ أو جُهِرا؟
• • •
ستَنطقُ الأرضُ إنْ تنطقْ وتُعْلِنُ عنْ
شكوى تَضِجُّ تُنادي العزمَ والبُتُرا
لبيكِ (أندلسٌ) دوَّى نداكِ ول
كنَّ القلوبَ غدتْ لا تَسمعُ النُّذُرا
سلوا الزمانَ يقلْ: أيامُ (أندلسٍ)
كانتْ وسامًا على التاريخ مفتَخِرا
قد أعرق الجذرُ فالأغصانُ باسقةٌ
وأينعتْ فخذوا مِنْ فيضِها الثَّمَرا
وأخرجتْ للورى والدينِ قافلةً
من الرجالِ قضتْ في ساحِهِ العُمُرا
متى تعودُ إلى الإسلام (أندلسٌ)
متى نرى الليلَ عن أيامِها حَسَرا؟
• • •
ستنطق الأرضُ إنْ تنطقْ وتُعْلِنُ عن
شكوى تزمجِرُ تشكو الكأسَ والبَطرا
هُبوا إلى (القدس) ننقذْها فقد صرخَتْ
على الضمائر حتى أبكتِ الحَجَرا
إني لأنظرُ مِنْ آهاتها قِطَعًا
مِنْ الجحيمِ ودمعًا جاريًا هُدِرا
إذا تردَّى (صلاحُ الدين) ثوبَ ردىً
أليسَ فيكم كمَنْ بالخَطْبِ قد سَخرا؟
ما لي أرى الساحةَ البيضاءَ خاليةً
والبومَ يندبُها الآصالَ والبُكُرا؟
يا مُنقذَ (القدسِ) إنَّ العرش قد شغرا
فمَنْ يَسُدُّ - ولا أبطالَ- ما شَغرا
إلى متى الخوفُ يكسونا ملاءَتَهُ
ويبعثُ الحسراتِ السودَ والخَوَرا؟
أليسَ منا (الصحابُ) الصِّيدُ أجمعُهم
أليس مِنْ كفِّنا سيلُ الهدى انفجرا؟
خلوا المنامَ وهُزُّوا القُضْبَ واعتصموا
واستغفروا اللهَ صِدقًا واسحقوا الخطَرا
• • •
(حمامةَ الدَّوحِ) والأشجانُ هازئةٌ
بنا، وليلُ النوى قدْ حَلَّ مُعْتَكِرا
قولي ل(أحمدَ): بين (الرافدينِ) لكم
شعبٌ يموجُ كواهُ الشوقُ فاستعرا
قد برحَّ الوجدُ هلْ مِنْ زورةٍ كرَمًا
في الليل تُجْلى مع الأنسامِ طيفَ كرى؟[1]
[1] قيلت في 13 /3 /1403هــ
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


