موقف المسلم من مصائب الأمّة (9)

موقف المسلم من مصائب الأمّة (9)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ٧ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ - ٢٤ نيسان ٢٠٢٦
229

المحور الأول: الحرب الإعلامية في العصر النبوي.
لقد وظّف النبي صلى الله عليه وسلم هذا السلاح بنجاح باهر في موقعة الأحزاب، حين قال لنـُعَيم بن مسعود الأشجعي رضي الله عنه: خـَذّلْ عنا فإن الحرب خَدعة.
وكان نُعَيْم رضي الله عنه قد قدِم على النبي صلى الله عليه وسلّم سرًا أيام اجتماع الأحزاب، فبايعه على الإسلام، ثم انطلق بإذن النبي صلى الله عليه وسلم، إلى جموع قريش وغطفان، وإلى قريظة في حصنهم، فألقى بينهم الاختلاف بدعوى النصيحة لكلٍّ منهم، وهم لا يعلمون بإسلامه، فكان ذلك من أسباب خذلان بعضهم بعضاً، حتى أرسل الله على الأحزاب الريح فأجلاهم عن المدينة، ثم أنزل الله ببني قريظة بأسه الذي لا يُرَد عن القوم المجرمين، فكان نُعَيمٌ بعد ذلك يقول: أنا خذَّلتُ بين الأحزاب حتى تفرقوا في كل وجه، وأنا أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم على سره.(1)

وقبل ذلك وظّف النبي صلى الله عليه وسلّم هذا السلاح في أعقاب غزوة أحد، عندما أراد أن يصرف المشركين الراجعين إلى مكة بعد الغزوة، عن التفكير في العودة إلى المدينة للإجهاز على الإسلام فيها، بعد أن نالوا من المسلمين ما نالوا قتلاً وجرحًا.
وذلك أنّ أبا سفيان، قائد جيش المشركين في تلك الموقعة، انصرف هو وأصحابه، فلما كان في بعض الطريق تلاوموا فيما بينهم: وقال بعضهم لبعض: لمْ تصنعوا شيئا، أصبتم شوكتهم وحَدَّهم، ثم تركتموهم وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم، فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم.
فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فنادى في الناس وندبهم إلى المسير إلى لقاء عدوهم، وقال: (لا يخرج معنا إلا من شهد القتال)
فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في إثر جيش المشركين، بمن كان معه في أحُد، على ما هم عليه من الجراح والضر، حتى نزلوا مكاناً يقال له: حمراءُ الأَسَد، وهناك أقبل معبد بن أبي معبد الخزاعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، وقال: أما والله لقد عزّ علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أنّ الله عافاك.
وكان معبد ناصحًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لِما كان بين خزاعة وبني هاشم من الحلف، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلحق بأبي سفيان فيـُخـَذله، فلحقه بالروحاء، ولم يعلم بإسلامه، فقال أبو سفيان: ما وراءك يا معبد؟
قال: محمد وأصحابه، قد تحرقوا عليكم وخرجوا في جمع لم يخرجوا في مثله، وقد ندم من كان تخلف عنهم من أصحابهم.
فقال: ويحك ما تقول؟ فقد أجمعنا الكرّة عليهم لنستأصلهم.
قال: لا تفعل فإني لك ناصح، فوالله ما أرى أن ترتحل حتى يطلع أول الجيش من وراء هذه الأكمة.
وحينئذٍ دبَّ الخوَر في عزائم الجيش المكي، ولم يروا الغنيمة إلا في الإياب، فواصلوا الانسحاب إلى مكة.
ولأنّ أبا سفيان أراد أن يتفادى ما خوّفه معبد من طلب جيش المسلمين إياه، فإنه شنّ حربًا إعلامية مضادّة، وذلك حين مرّ به ركب من بني عبد القيس يريد المدينة، فقال لسيدهم: هل لك أن تبلغ محمدًا رسالة، وأوقرُ لك راحلتك زبيبًا إذا أتيت إلى مكة؟ قال: نعم. قال: أبلغ محمداً أنا قد أجمعنا الكرة لنستأصله ونستأصل أصحابه.
فلما مرّ الركب برسول الله صلى الله عليه وسلّم وأصحابه، بحمراء الأسد، بلّغوهم رسالة أبي سفيان، وخوّفوهم وأنذروهم. ولكن هيهات أن تنال تلك الحرب الدعائية من قوم يلوذون ويستنصرون بمن له القوة جميعًا، ويعيشون بحالهم وفعالهم ومقالهم حقيقة أن لا إله إلا الله، وصِدْقَ التوكل عليه سبحانه.
فما كان منهم إلا أن قالوا: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}.(2)

ولقد أنزل الله تعالى يثني على المؤمنين، في حسن ثباتهم في مواجهة الحرب الدعائية، وحُسن ردهم عليها، فقال سبحانه في آل عمران:
{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُون إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)}

المحور الثاني: الحرب الإعلامية المعاصرة
إن الحرب الإعلامية الدعائية ذات شأن اليوم في المواجهات بين الأمة وأعدائها على جميع الجبهات وفي كل الميادين، العسكرية والثقافية والنفسية والاقتصادية وغيرها.
ولئن كانت هذه الحرب ذات شأن في الصراعات منذ القديم، على بدائيتها وضعف وسائلها آنذاك، فكيف بها اليوم وقد طـُوِّرت وسائلها وطـُوِّعت أدواتها بشكل مُذهل لكل من المرسِل والمستقبِل، وتعددت صنوف الإثارة فيها، وأدوات التأثر بها؟!
ثم كيف إذا رأينا أنَّ هذا السلاح هو السلاح الأهم اليوم، بل الفاصل في نتائج المعركة.؟!
كيف إذا رأينا بأم أعيننا فاعلية الإعلام المعادي في صفوفنا، وكيف أنه استطاع عبر التركيز المكثف والضغط المتواصل أن يجعل الأمة في سوادها الأعظم تتخلى طواعية عن مبدأ مقاومة العدو ولو طغى وبغى واجتاح الديار وسفك الدماء وانتهك الحرمات واستباح الثروات.؟!
وإنك لتعجب وأنت تسمع من هنا وهناك من يستعلن بهذا التخلي جهاراً بصراحة لا يشوبها لبس ولا يسترها تأويل.
ولكنه الكيد الإعلامي المعادي الذي استطاع أن يُسوِّق مصطلح (الإرهاب) على السواد الأعظم من الأمة وعلى كثير من النخب الثقافية والسياسية والإعلامية، وبالمعنى المحدد الذي يعنيه ذلك الإعلام لهذا المصطلح الذي كان يقترن بمعنى حميد في ثقافتنا وفي كتاب شريعتنا، {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ} [الأنفال: 60]

ولكن الحملة الإعلامية المعادية غسلت أدمغة الجماهير من الأمة من ذلك المعنى السامي الشريف للإرهاب، وجعلت النظرة إليه معكوسة منكوسة، على المستوى النفسي والعملي.
فأما على المستوى النفسي، فقد أصبح هذا المصطلح مقترناً بالاشمئزاز النفسي التلقائي.

وأما على المستوى العملي، فقد انحسر بشدة الحديثُ عن الجهاد والإعداد، وتوارى - على نحو لافت - عن ساحتي الإعلام والتعليم، بل وعن الساحة الثقافية بوجه عام.
ومعلوم أن الإعلام والتعليم هما اللذان يشكلان هيكل ثقافة الأمة.
ولا شك أن توجه الأمة الحضاري يمضي على هدي ثقافتها، فلما شـُوّهت الثقافة، انحسرت وانحدرت الحضارة.
وكيف لا تنحسر وتندحر حضارة أمة محت من معاجمها الإعلامية والتعليمية مصطلح مقاومة العدوان، ومبدأ الجهاد والإعداد، في وقت هي فيه أحوج ما تكون إلى إحياء ذلك المبدأ وتفعيل ذلك المصطلح.؟!
وقِسْ على ذلك أثرَ المكر الإعلامي المعادي في تضمير وتقتير الإنفاق الطوعي الذي كان من قبلُ كثيراً غزيراً في الأمة، وكان يسد ثغرات ويلبي حاجات مهمة، دعوية وإنسانية وتعليمية وتربوية ودفاعية.
ولكن الحملات الإعلامية المعادية جعلت من البذل الذي هو فضيلة سَنية من الفضائل النفسية والإيمانية في آنٍ واحد، لأنه يدل على نبل النفس التي تحررت من رذيلة الشح، وعلى قوة اليقين بموعود رب العالمين الذي طالما دعا إلى البذل ورغب فيه وحض عليه عبْر ما لا يُحصى من نصوص الكتاب والسنة ووقائع سيرة النبي الكريم صلى عليه وسلم، وسيرة أصحابه الأبرار رضي الله عنهم..
جعلت الحملات الإعلامية التقرب إلى الله تعالى ببذل الأموال تهمة، بل إدانة بجريمة غـَيـَّبت الكثيرين في غياهب السجون، لا لأنهم يسرقون أو يختلسون، ولا لأنهم يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، بل لأنهم يبذلون ويدْعون الناس إلى البذل.

ومثال آخر من أمثلة تأثير المكر الإعلامي المعادي على ثقافتنا وتصرفاتنا، ألا وهو مسخ رؤيتنا الشرعية للحق والباطل، والخير والشر، والمقبول والمرفوض.
لقد جعلونا ننظر إليهم بعيونهم، ونـَزنـُهم بمعاييرهم هم، لا بمنظار ديننا ولا بمعيار عقيدتنا للحق والباطل.
هذا في الوقت الذي لا يغـَيرون فيه من نظرتهم المعادية إلينا وإلى ديننا قـِيـد أنملة، إلا أن يكون التغيير إلى ما هو أكثر عداوة وحقداً.
وغير خاف على المتابع للواقع الثقافي والإعلامي في الأمة كيف تلاشت كلمة (كافر) و (كُفّار) عن الساحة، وعزبت عن أقلام كثير من الكتاب، وثقلت على ألسنة كثير من المتحدثين، لتحل محلها كلمة (الآخـَر).
واستمرأ الناس تسمية الأشياء بغير أسمائها، وتقويمَها بكل معيار إلا معيار الشريعة العظيمة التي رضيها الله لنا ديناً
ومن هذا القبيل تسمية الخمور مشروبات روحية، وتسمية الربا فوائد ربحية، وتسمية الزندقة إبداعاً وحرية فكرية، وتسمية التبرج والتهتك حرية شخصية، هذا في الوقت الذي لا يتسع فيه هذا التسويغ للمسلمة المحجبة لتختار اللباس المحتشم الذي تراه من مقتضيات التزامها بدينها.
وها هي أوربا، وبكل ثقلها السياسي والثقافي والعسكري على مسرح الكون، تتداعى دولها الكبرى قبل الصغرى، معلنة النذير والنفير ضد بضعة آلاف من المسلمات المحجبات على أراضيها - في غمرة تلك الكتلة البشرية الهائلة - اخترن أن يصنّ أجسادهن عن نظر من لا يحل له النظر إليهن من الرجال.
وهذا تناقض مكشوف، وكـَيل بمكيالين متباينين متفاوتين تفاوتَ ما بين القنطار والقطمير، ولكن التركيز الإعلامي القوي والموجَّه، ما يزال يلقي بالغِشاوات والأغباش على البصائر والأبصار، فلا يستوقفها ذلك التناقض الصارخ؛ كيف أصبح التكشف إلى حد الفجور حرية مكفولة؟! والتصوّن والتعفف والحجاب خطراً محظورا منكورًا، تـُجَيش ضده القرارات والمراسيم الظالمة التي تصل إلى حرمان المحجبة من أعظم حقين مكفولين لكل إنسان، هما حق التعلم وحق العمل ؟!
إن ذلك لعجيب.
وأعجب منه الانخداع به، بل والتصفيق له ومباركته، حتى لقد أصبح صداه في بعض ديار المسلين يتفوق صخباً وجلبة على مصدر صوته الأصلي.
إنه الكيد الإعلامي المعادي للأمة، الذي ما يزال يؤدي رسالته في أمة زهدت في دينها الذي هو معقِد عزها، وأشرَعت أبوابها لكل وارد، وكل فكر وافد، تتلقاه وتنطبع به في سذاجة واسترخاء، حتى ولو زعزع الثوابت والمُسَلـَّمات.
وإنك لتجد ثمرة ذلك عندما ترى في الأمة من يرى المنكر معروفاً والمعروف منكراً، أو عندما ترى من يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف، أو عندما ترى في الأمة قوماً يوادُّون من حادّ الله ورسوله، ويكرهون من انحاز إلى الله ورسوله، أو عندما ترى قوماً في الأمة أعزة على المؤمنين أذلة على الكافرين - على عكس ما أثنى الله تعالى به على الذين يحبهم ويحبونه - أو عندما ترى المستغربين من أبناء المسلمين الذين لم يبق من معالم إسلامهم إلا أسماؤهم، أما الهوى والثقافة واللغة واللباس وأساليب الحياة في ميادينها المختلفة، فمتسق متفق مع الرسالة الإعلامية الغازية.

ولذلك كان لا بد لنا - ونحن نتحدث عن موقف المسلم مما يجتاح أمَّته - من التعريج على هذه القضية التي أوقعت في الأمة هذا الارتكاس والانتكاس الذي جعل الأمور معكوسة على هذا النحو الصارخ.
إنه سلاح الإعلام الذي بث في الأمة روح الهزيمة من غير قتال، وروح الاستسلام إلى غير سلام.
إنه سلاح الإعلام الفتاك الذي يكاد يستقل به عدونا دوننا!
وذلك أن أكثر الآلة الإعلامية في الأمة اليوم، إمّا منسحبة من المعركة، واقفة على الحياد المقيت، قد شغلت كل إمكاناتها التقنيةِ والبشريةِ والمالية، وشغلت معها متابعيها، بكل ساقط من البرامج والمَشاهد والصُّور، أو الأنشطة التي لا خير فيها، أو هي شر محض، قد قصَرت الهمَّ على إمتاع الأبصار والأسماع، وإشباع الأهواء التي لا تشبع.
وإما منسجمة مع الإعلام المعادي، منحازة إليه، موالية له، قد جعلت من نفسها بوقاً لدعايته، ومُروّجًا لبضاعته.
وقليل جدا على الساحة ذلك الإعلام الهادف، الذي له رسالة إيجابية في خدمة الأمة وقضاياها الكبرى، والتعامل مع همومها بحماسة واهتمام.
وهذا القليل هو الذي يجب على المسلم أن يبحث عنه، وأن يروّج لقضاياه، وأن يشيع تحليلاته ورُؤاه.

أما أن يذيع المسلم ويُشيع كل ما يُطـْرح، أو كل ما يُتوقع، أو كل ما يَسمع، فهذا سلوك مقيت، وَبَّخ القرآنُ عليه من كان يفعله في العصر النبوي من ضعاف الإيمان.

المحور الثالث: منهج القرآن في التعامل مع الحرب الإعلامية
لقد رسم القرآن للمسلمين منهج التعامل مع سلاح خطير من أسلحة الإعلام المعادي، ألا وهو الإشاعة المغرضة، الإشاعة التي يسرِّبُها بـِدَهاء، ثم يتخذ من المسلمين مبلغين ومروجين بالمجان لتلك الإشاعة التي يريد أن يَدخل بها كل بيت، ويطرق بها كل أذن، ويُرجف بها في كل نفس.

جاء القرآن بهذا المنهج في سياق علاج تصرف سلبي وقع فيه من وقع من المنتمين إلى الأمة إبان تلك المواجهات في العهد النبوي، وحصَّن المسلمين بتوجيه تربوي نفيس، في مواجهة الحرب الإعلامية المعادية، فقال سبحانه في سورة النساء: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا (83)}.
فقد عَصَمَنا لله تعالى بهذا المنهج من أن نكون أبواقاً للمضلين والمناوئين الذين يَفـُتـُّون في عضد الأمّة، ويُثـَبطون ويُخـَذلون.
وذلك لأنّ الذي يَسمع الإشاعة، ثم يُذيعها وينشرها، وهو لم يُقدِّرْ عواقبها، أو قَدَّر عواقبها، ولكنه لا يشعر بالولاء الحقيقي لجماعة المسلمين، فإنه قد يَجرُّ بذلك من سوء العواقب ما لا يعلمه إلا الله.

وسواء في ذلك أكانت الإشاعة إشاعة أمن أو إشاعة خوف، فإن الترويج للشعور بالأمن في معسكر متأهب، متوقع من العدو حركةً مَّا، وبثّ روح الطمأنينة التي تفضي إلى الاسترخاء في مثل تلك الحالة، قد يكون مَهلكة وأي مَهلكة.
كما أن إشاعة الخوف، وبثَّ روح الذعر في معسكر مطمئن لقوته وكفاءته، آخذٍ بأسباب عُدته، قد تـُفقده ثمرة عُدّته وقوته، لأن العدة المادية، وإن كانت عالية، لا تغني شيئاً إذا تسللت الهزيمة النفسية إلى القلوب.
فليكن المسلم على بينة في كل ما يُنْقل إليه، قبل أن ينقله إلى غيره، فقد يكون الخير في وأده وكتمانه، كما قد يكون الخير في نشره وإعلانه، وإذا اشتبه الأمر فلينظر المرجعية التي يطمئن إلى كفاءتها وحسن نُصحها للأمة.
وذلك قوله سبحانه، في الآية المتقدمة من سورة النساء: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم}.
هذا هو منهج القرآن في التحذير من المكر الإعلامي الكفري الذي يسعى دائبًا جاهدًا إلى تشويه وجه الحق، وإخفاء قبح الباطل، ومخادعة المسلمين عن دينهم وعن أمتهم، وعن مصالحهم الحقيقية وقناعاتهم الدينية، بل حتى عن قناعاتهم العقلية، وذلك عبر حملة مسعورة من الدس والجس والتمويه، أو الكذب الصريح المفضوح، المشفوع بعصا الترهيب أو أطماع الترغيب.
والحق أن أخذ المسلم نفسه بهذا المنهج لا يختص بحالات المحن والفتن، إذ هو فضيلة خلقية وواجب شرعي يجب التحلي به في كل حين، ففي صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء كذبًا أن يُحدث بكل ما سمع).(3)
وفي سنن أبي داوود، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بئس مطية الرجل زعموا).(4)
ولكنه يكون أوجب في حالة الهجمة العدوانية الشرسة التي تستهدف الأمة في هذه الأزمان العصيبة الصعيبة، وذلك لأن الغفلة عن ذلك في مثل هذه الأحوال، تعتبر من قبيل التمكين للأعداء، والتخلية بينهم وبين الأمة، والخِذلان للمؤمنين.
فلا يَحْقِرنَّ مؤمن موقعه، بل يجب أن يعلم كل مسلم أيًا كان شأنه، أنه على ثغر من ثغور الإسلام، فليَحْذر أن يُؤتى الإسلام من قِبَلِه.
وللحديث إن شاء الله تعالى صلة عن المبحث الثالث: الولاء والبراء.



هوامش:
(1) الطبقات الكبرى لابن سعد. جـ 4، ص 279
(2) انظر (زاد المعاد) لابن القيم، جـ3 ص216
(3) مسلم، مقدمة الصحيح، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع.
(4) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في قول الرجل: زعموا.


بقلم: إبراهيم يوسف منصور

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...