الوقفة الثالثة: مكائد على الطريق.
وإذا أخذتَ نفسك أيها المسلم، بعزيمة التغيير الإيجابي والنقد الذاتي، فاحذر مكائد الشيطان ومصائده على طريقك، وذلك كأن يقوم في قلبك خاطر يقول: ما هذا التشدد والغلو في الالتزام؟! وليس الغلو من الدين.
أو يقول: أتريد أن تحقق العصمة؟! والعصمة للأنبياء خاصة، فهوِّنْ عليك فلا بد لك من الذنب.
أو يقول: وما قدر ذنبك بالنسبة إلى ذنوب سائر الناس؟!
وتجدك - إن ركنت إلى تلك الخواطر- تسوِّغ لنفسك الإقلاع عن مشروع التغيير، وتقول في نفسك مثلاً: إذا كنتُ أدخن التبغ، فغيري يشرب الخمر، وإذا كنتُ أشاهد المسلسلات والصور المنكرة، فغيري يغشى الفاحشة، وإذا كنتُ أتخلف عن صلاة الجماعة، فغيري لا يصلي أصلاً. وإذا كنتُ آكل المئات من الدراهم سُحتاً، فغيري يأكل الحرام ملايين، أو مئات الملايين، فما قدر ذنبي بالنسبة لهؤلاء؟! ثم إن الله غفور رحيم، فلماذا أجعل الأمر أكبر من حجمه؟!.
وهكذا، ما تزال تصغي إلى تلك الوساوس وتغتر بتلك الدسائس حتى ترى أنك لست على شيءٍ من الخطر أو النـُّكر الذي يستوجب التغيير.
فإذا بدا لك مثل هذا الخواطر، فاعلم بأنها سيئة أخرى أكبر من السيئة نفسها، بمعنى أنّ السيئة قد تكون صغيرة، ولكن استصغارها والإصرار عليها استخفافاً بها، يجعلها كبيرة.
وما يدريك، فرب صاحب كبيرة يستعظمها ويندم على فعلها، خيرٌ من صاحب صغيرة لا يراها شيئاً، فهو مقيم عليها لا يستغفر ولا يتوب.
روى الطبري في تفسيره بسنده إلى سعيد بن جُبير رحمه الله، أنّ رجلاً قال لابن عباس: كم الكبائر؟ أسبع هي؟ قال: إلى سبعمائة أقربُ منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار.(1)
قال النووي، بعد أن نسب هذا القول لعمر وابن عباس رضي الله عنهم: معناه أن الكبيرة تـُمحى بالاستغفار، والصغيرة تصير كبيرة بالإصرار.(2)
ومكيدة أخرى شيطانية، يحاول الشيطان فيها أن يحول بينك وبين التغيير الإيجابي، وهي: أن يوسوس إليك - وأنت تجاهد نفسك في الكف عن المعصية - فيقول: وهل إعراضك عن هذه المعصية هو الذي هو الذي سيدفع عن الأمة عدوان المعتدين، ويبطل كيد الكائدين ؟!
وهل توَرُّعك عن مشاهدة هذا المسلسل، وتعففك عن ذلك المحرم، هو الذي سيحرر فلسطين ويُعز الدين؟ّ!
وقد تجد نفسك تضحك من هذا التصور الساذج، وتترفع عنه، وتتحرر منه بإقبالك المطمئن على المنكر، لأن حرمان النفس منه أصبح في نظرك سطحية وسذاجة تترفع عنها، وعندئذ يضحك الشيطان من سطحيتك وانقيادك السلس إلى حبائله.
وكان عليك أن تدحض هذه الوساوس الشيطانية، وتفضح ذلك التلبيس الإبليسي فتقول: ومن قال لك إن ترك المنكرات لا يُطلب إلا لدرء عدوان المعتدين، أو لتحرير الأرض من الغاصبين؟!.
إن ترك المنكر واجب لأنه منكر، ولأنه فعله مقرون بوعيد، ولأنه ندامة وحسرة يوم لا تنفع ندامة ولا حسرة.
ثم من قال: إن فعل المعروف وهجر المنكر لا يمكن أن يكون سببًا في خير يسوقه الله تعالى للأمة، أو شر يصرفه عنها؟!
رب سويعة من الشعور الإيماني الغامر الذي يعمر القلب بحقيقة التوحيد، وما يقتضيه ذلك من رجاء وخوف، ووجد وشوق، وفكرة تورث عـِبرة، أو تسفح عَبرة، سويعة من الحضور القلبي مع الله سبحانه، يرضاها الله تعالى من عبده، فيعطيه عليها ما لا يعلمه إلا هو سبحانه، من خيري الدنيا والآخرة، وقد يُشَفعه فيما لا يحصيه العدّ، وقد يكرم بسببه أهله وأصحابه، أو قومه وأمته.
وكما أنه لا عجب أن يصيب الله تعالى الجماعة أو الأمة بذنوب بعضهم، كما قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً}(3) ، فكذلك لا عجب أن يكرم الله تعالى الأمة ويرحمها بصلاح بعض أفرادها.
ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، مرفوعًا: (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)(4)
وفي الصحيحين واللفظ لمسلم، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يأتي على الناس زمان، يُبعث منهم البعث، فيقولون: انظروا هل تجدون فيكم أحدًا مِن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيُوجد الرجل، فيُفتح لهم به. ثم يُبعث البعث الثاني، فيقولون: هل فيهم مَن رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيُفتح لهم به. ثم يُبعث البعث الثالث، فيقال: انظروا هل ترون فيهم مَن رأى مَن رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ ثم يكون البعث الرابع فيقال: انظروا هل ترون فيهم أحدًا رأى مَن رأى أحدًا رأى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيُوجد الرجل، فيُفتح لهم به).(5)
فإذا كانت الأمة بأسرها قد تنتفع بيُمن طاعة بعض الطائعين، فلا عجب أن تـُسَاء الأمة بأسرها بشؤم معصية بعض العاصين.
ولقد كان في عباد الله من يُمسك عن الذنب أو يتوب منه وهو يخشى صادقاً أن يُعذب الله الأمة بجريرته.
جاء في "نهاية الأرب في فنون الأدب ": أنه لما نشبت الحرب بمكة بين جيش الشام بقيادة الحُصين بن نُمير، وبين جيش عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، المحاصَر بمكة، وذلك في السنة الرابعة والستين للهجرة، كان من تداعيات المناوشات بين الفريقين أن وقع حريق في أستار الكعبة وأخشابها، فتصدع بنيانها، فوقع في قلوب الناس هيبة شديدة، وخافوا أن ينالهم الله بنقمة من جريرة ذلك، فكان ابن الزبير يسجد ويقول في سجوده: "اللهم إني لم أتعمد ما جرى، فلا تهلك عبادك بذنبي، وهذه ناصيتي بين يديك."(6)
ونقل ابن الأثير في تاريخه، عن الحسن الوصيف، وهو أحد موالي الخليفة المهدي العباسي - والد هارون الرشيد - وأحد قادة جيوشه، قال: أصابتنا ريح شديدة أيام المهدي، حتى ظننا أنها تسوقنا إلى المحشر، فخرجت أطلب المهدي، فوجدته واضعاً خده على الأرض وهو يقول: اللهم احفظ محمداً في أمته، اللهم لا تـُشْمِت بنا أعداءنا من الأمم، اللهم إن كنتَ أخذتَ هذا العالَم بذنبي، فهذه ناصيتي بين يديك.
قال: فما لبثنا إلا يسيراً حتى انكشفت الريح وزال عنا ما كنا فيه.(7)
ومما جرى من هذا القبيل، ما نقله الحافظ الذهبي في السِّيَر، من أخبار الخليفة الشهير عبد الرحمن الناصر- أحد خلفاء الدولة الأموية في الأندلس- أنهم أَصَابَهُم قَحْطٌ، فَجَاءَه رَسُوْلُ قَاضيه: المنذر بن سعيد البَلُّوطي، يحرّكُه للخُرُوْج، فلَبِس ثوْباً خَشِناً، وَبَكَى وَاسْتغفر وَتذلَّل لربِّه، وَقَالَ: نَاصيتِي بيدك، لاَ تعذب الرَّعيَة بي، لَنْ يفوتك مِنِّي شَيْءٌ.
فَبلغَت مقالته القَاضِي، فتهلَّل وَجهه وَقَالَ: إِذَا خَشَعَ جبَّارُ الأَرْض، يرحم جَبَّارُ السَّمَاء، فَاسْتَسْقوا وَرُحِمُوا.(8)
فلا يحقرنَّ مسلم تبعة معصيته على نفسه، أو على مجتمعه وأمته، بل وعلى المُناخ والبيئة والدواب والطير.
قال ابن القيم في الجواب الكافي - في سياق تعداد تبعات الذنوب ومغارمها في الدنيا قبل الآخرة - : (ومنها أن غيره من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنبه، فيحترق هو وغيره بشؤم الذنوب والظلم. قال أبو هريرة رضي الله عنه: إن الحُبارى لتموت في وَكرها من ظلم الظالم.
وقال مجاهد: إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السَّنة وأمسك المطر، وتقول: هذا بشؤم معصية ابن ادم. وقال عكرمة: دواب الأرض وهوامها، حتى الخنافس والعقارب، يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم.
فلا يكفيه عقاب ذنبه حتى يبوء بلعنة من لا ذنب له).(9)
الوقفة الرابعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب شرعي.
لا تحسبْ أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من نوافل المسلم التي تحسن منه ولا تجب عليه. فإنه تكليف واجب داخِل في صميم التصور الإسلامي المثالي، الذي تُشكِّله وتوحي به كوكبةٌ كريمة من آيات القرآن الكريم، التي ترسم لنا ملامح المجتمع المسلم المثالي الخيِّر، فتجعل من أبرز ملامحه، بل من أهم فضائله، شرعةَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بحيث لا يتم تصور صحيح لمجتمع مسلم فاضل، بدون هذه الشرعة.
تجد تلك الآيات أنى نظرت أو قرأت في ثنايا سُوَر القرآن.
ففي آل عمران: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران : 104]
وفيها أيضاً: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران : 110]
وفي سورة التوبة: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)}
وفيها أيضاً، يعدد الله تعالى كمالات المؤمنين وفضائلهم، فيقول: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}.(112)
وقد سبق قبلُ، ذكرُ قوله تعالى في سورة الحج: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ (41)}.
ثم إن المؤمنين إذ ينهضون بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أثنى الله تعالى عليهم في الآيات المتقدمة، فإنهم في ذلك يقتدون بإمامهم وحبيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي قال الله تعالى عنه في الأعراف: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)}.
وإذا ترقينا في النظر أكثر، وجدنا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من صفات أفعال الحق سبحانه، الذي قال عن نفسه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90]
وللحديث تتمة في المقالة التالية. ونبدؤها بالوقفة الخامسة إن شاء الله.
هوامش:
(1) تفسير الطبري، سورة النساء، الآية: 31
(2) شرح مسلم للنووي، جـ2 ص84
(3) الأنفال: 25
(4) البخاري، كتاب الصلح، باب الصلح في الدية. ومسلم، كتاب القسامة، باب إثبات القصاص في الأسنان وما في معناها .
(5) البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة. ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.
(6) نهاية الأرب في فنون الأدب ـ للنويري - (21 / 35)
(7) الكامل في التاريخ – لابن الأثير (3 / 78) وانظر تاريخ الطبري - (4 / 587)، وسير أعلام النبلاء للذهبي - (13 / 449)
(8) سير أعلام النبلاء للذهبي - (30 / 61)
(9) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، (ص، 38)
بقلم: إبراهيم يوسف منصور
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


