الحقيقة الثالثة: حفظ النعمة بحفظ الدين.
من أحب أن يَحفظ نعمة حباه الله إياها، وأراد مع ذلك أن يفوز برضا مولاه سبحانه، فليحفظها بحفظ دينه والتوقي عن مساخط ربه، فإن الله سبحانه يقول في الأنفال: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54)}.
وقد قيل في شعر الحكمة:
إذا كنت في نعمة فارعها *** فإن المعاصي تزيل النعم
وحافظ عليها بتقوى الإله *** فإن الإله سريـع الـنـقـم.
وإذا أردت أن تعرف ماذا في المجتمع والأمة من المعاصي التي تذهب بالنعم وتأتي بالنقم، فاستمع إلى هذين الحديثين، على سبيل التمثيل لا الحصر.
الحديث الأول: روى أبو داود في سننه، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا تبايعتم بالعِـينة ، وأخذتم أذناب البقر ، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم).
الحديث الثاني: رواه ابن ماجه في سننه - وهو حسن بشواهده - عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا معشر المهاجرين، خمسٌ إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يُعلِنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضَوا، ولم يَنقصوا المكيال والميزان إلا أخِذوا بالسنينَ وشدة المؤونة وجَور السلطان عليهم، ولم يَمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنِعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا، ولم يَنقضوا عهد الله وعهد رسوله صلى الله عليه وسلم، إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم)
فهل وقفنا الآن على سر هذه المصائب التي تجتاح الأمة هنا وهناك، بين حين وحين؟!
ولئن وقفنا يقيناً على هذا السر، فلتبدوَنَّ لنا من ثناياه بذور خير وملامح رحمة.
فأما بذور الخير، فإن الله تعالى جعل تلك المصائب علامة على مقته للمنكرات وصنوف الفجور التي وقعت في الأمة، فإذا أقلعت الأمة وأصلحت، بدَّل الله خوفها أمنًا، وضيقها سعة، وهزيمتها نصرًا، وبلاءها عافية، كما قال سبحانه عن قوم يونس: {فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس : 98].
وأما ملامح الرحمة في هذا البلاء الذي يطحن الأمّة، فلأنه ليس جزاءً على كل ما كسب العباد، بل هو جزاء على بعضه أو على أقله، وهذا من رحمة الله وعظيم حلمه على عباده، ولقد امتن سبحانه، وله الحمد، بهذه الرحمة وذلك الحلم، فقال سبحانه في سورة الشورى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(30)}
تُرى فكيف سيكون الأمر لو كانت المؤاخذة على كل ما كسبت أيدينا؟!
ونجد الجواب على ذلك في آيات من كتاب الله، منها في سورة الكهف: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا (58)}
ومنها في سورة النحل:{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ (61)}
ومنها في سورة فاطر: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا(45)}
الحقيقة الرابعة: نحن قوم أعزنا الله بالإسلام.
إن الأمة قد تخلت عن معقد عزها ومناط كرامتها وفضلها، وهو أحكام دين الإسلام الذي رضيه الله لنا ديناً، وأتم الله علينا به النعمة، فنزعَت الأمة عن نفسها هذه النعمة، وأزالت عنها تلك المظلة الواقية، وأخرجت نفسها من حصن الله المنيع وقلعته الحصينة، ونزعت يدها من حبله المتين وعروته الوثقى، فعطلت أحكام الله وانتهكت حدوده، فهَوَت إلى حضيض الهاوية، وتراجعت إلى آخر الركب، حتى صارت أذل الأمم، وأهون الأمم على كل الأمم.
وهذا ظاهر للعيان، فلو قارنت بين أمة الإسلام وبين الذين قالوا إنا نصارى، لوجدت أمة المسلمين مقهورة أمامهم ذليلة لهم.
ولو قارنت بين أمة الإسلام وبين أمة اليهود الذين ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله، لوجدت أمة الإسلام مقهورة أمامهم ذليلة لهم.
ولو قارنت بين هذه الأمة الخاتِمة وبين أمم الملاحدة من دهريين أو شيوعيين أو لا دينيين، لوجدتها مقهورة أمامهم، مأكولة مشروبة بأيديهم.
بل حتى لو قارنت بين أمة الإسلام وبين أمم الوثنية المعاصرة من عبدة النار أو عبدة الأبقار، أو ما هو أهونُ وأدونُ من المعبودات المزعومة، لوجدت أمة الإسلام مقهورة أيضاً حتى أمام أولئك الضُلاّل السفهاء المتوحشين.
وما أكثر ما أهان هؤلاء وهؤلاء للمسلمين من كرامة، وأذلوا لهم من راية، ودنـَّسوا لهم من عرض! وما أكثر ما ولغت سيوفهم وحرابهم في دماء المسلمين!.
وإنه لممَّا يؤرق المسلم الغيور ويؤلمه، أن يرى أمته مخفوضة بين الأمم على هذا النحو الذي يثير الإشفاق، اللهم إلا ما أعز الله به طائفة مباركة من هذه الأمة، من الذين أبْلـَوا، وما يزالون يُبلون بلاءً حسناً في سبيل الله، ولا يألون جهدًا في الإثخان في أعداء الله، فأظهرهم الله على قلتهم، وأعز بهم دينه، وأنالهم من عدوه وعدوهم نيلاً عظيمًا، فريقاً يَقتلون، ويُرهبون فريقاً، وكأني بتلك الطائفة هي من أرادهم، أو هي بعض من أرادهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الصحيحين، واللفظ لمسلم، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين، إلى يوم القيامة)
قال النووي رحمه الله، في شرحه على مسلم: [ويحتمل أن هذه الطائفة مفرَّقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض، وفى هذا الحديث معجزة ظاهرة، فان هذا الوصف ما زال بحمد الله تعالى من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن، ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث] .
أجل، في الأمة طائفة ظاهرة ولا بد، أمّا سوادها الأعظم وكثرتها الكاثرة، فهي كما نرى ونسمع، أمة كاليتيم المليء الضعيف، بين ظهراني قوم لؤماء أقوياء، كل يدعي عليه ولاية، أو يمارس عليه وصاية، أو يفرض عليه إتاوة، أو يَمُنُّ عليه بحماية، أو يَحمله على منهج تفكير وطريقة حياة، واليتيم الضعيف لا يدري أيَّ هؤلاء يرضي، ولا بأيهم من أيهم يحتمي؟، وكلهم عدو ماكر غادر!.
وعندما فتشنا عن السر وراء هذه الحال المزرية التي تعيشها الأمة، وجدنا أن كل ذلك يعود في أصله إلى أن الأمة قد طرحت بنفسها عن نفسها رداء عزتها وأداة نصرتها، وتخلت عن معدن قوتها وصِمَام أمْنها، وهو الاستجابة لله فيما شرع من أحكام دينه، وهذه حقيقة تشهد لها النصوص القطعية والمسلَّمات التاريخية، طردًا وعكسًا.
وكلنا يقرأ في سورة الحج قوله تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ (41)}
وقوله سبحانه في سورة النور: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)}
ولا يخفى ما في الموضعين من الربط بين التمكين والنصر وبين إقامة الدين عقيدة وشريعة.
ثم إن من المسلَّمات التاريخية التي لا يختلف فيها مُنصفان، أن الفتح الإسلامي الهائل، في ذلك الزمن القياسي في وجازته، لم يكن مرده إلى تفوق عسكري على الروم، ولا تفوق مالي على الفرس، ولا تفوق عددي على القبط، ولا غيرهم من سائر القوى الدولية التي أخضعها المسلمون في ذلك الوقت، وإنما كان مَرَدُّ ذلك أولاً وقبل كل شيءٍ، إلى حُسْن الأخذ بالدين، وذلك هو البوابة إلى النصر، كما رأينا في الآيات من سورتي الحج والنور.
فإن قال قائل: وهل يُغني حُسْن الأخذ بالدين عن القوة المادية؟! فالجواب: أن مِن حُسْن الأخذ بالدين، بل من واجباته الصريحة، إعدادَ المستطاع من القوة المادية بمختلِف فروعها.
كيف لا وهو أمر صريح القرآن في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ}. [الأنفال : 60].
فإذا قصَّر المسلمون في إعداد القوة فهم في الحقيقة قد قصّروا في الدين، لأن إعداد القوة من أمر الدين.
وقد ثبت بالاستقراء التاريخي أن لا عزّ للمسلمين بشيءٍ من أسباب الدنيا وزينتها، ولو ملكوا منها أكثر مما ملك قارون، وأن عزهم ونصرهم ومجدهم في دينهم ولو كانوا أضيق أمم الأرض عيشاً.
ولقد مرّت بالمجاهدين الفاتحين المسلمين أحوال، كان الواحد منهم لا يجد من الطعام ما يملأ بطنه، ولا من الثياب أكثر مما يستر عورته، ولا من الظَّهر ما يتبلغ به إلى ميدان المعركة، بل ربما كانوا لا يجدون النعال التي يقون بها أقدامهم خشونة وأذى الأرض التي يجوبونها مجاهدين، ومع هذا فقد أحرزوا العز والتمكين بفضل حسن الأخذ بالدين.
ولما دُحِر المسلمون في الأندلس وطُردوا منها، كانوا قد بلغوا أوج القوة المالية والحضارة المادية والعمرانية في ذلك الوقت، ولكن ذلك لم يغن عنهم شيئاً لمَّا فرطوا في جنب الله، وآثروا منافع دنياهم على مبادئ دينهم ومرضاة ربهم سبحانه.
هذه هي الحقيقة التي قررها سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في الخبر الذي رواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين، بسنده إلى طارق بن شهاب، قال: خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام، ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فأتوا على مخاضة ، وعمر على ناقة له، فنزل عنها وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة. فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، أنت تفعل هذا؟ تخلع خفيك وتضعهما على عاتقك؟ و تأخذ بزمام ناقتك و تخوض بها المخاضة؟ ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك.
فقال عمر: [أوَّه، إن يقل ذا غيرُك أبا عبيدة جعلته نكالاً لأمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، إنا كنا أذل قوم، فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلبِ العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله.]
بقلم: إبراهيم يوسف منصور
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


