التفكر في أسباب البلاء.
وهذا يمثل الخطوة الأولى والجادة في العلاج والإصلاح.
تـُرى، فما سبب هذا البلاء الذي تسفك فيه دماء الأبرياء من أبناء ملّتنا، وينالنا، أو ينال إخوة لنا في كل أرض الله، الترويع والتجويع والتهجير والاضطهاد؟ !
وعندما تتفكر أخِي، وترى أمامك أسبابًا ماديةً مباشرةً مزعومة، مما يسمونه إرهابًا، أو أسلحة دمار شامل، أو يتذرعون بما يسمونه: شرعة دولية، أو يسمونه: إرادة المجتمع الدولي.
أو عندما ترى في منظارك أسبابًا أخرى حقيقية غير مزعومة، من طمع دولي بثروات المسلمين، وتصميم كفري مستمر على إضعاف المسلمين بالضربات الوقائية، بحيث لا تجد الأمة نفسَها في عافية تمكنها من المبادرة بتفعيل الدين، والنهوض بالدعوة، وإسعاد البشرية بهذه العقيدة الصافية والشريعة السمحة.
أقول: إذا قابَلتـْك في جلسة عصف ذهني، تلك الأسباب المزعومة المكذوبة، أو هذه الأسباب الحقيقية الملموسة، فلا يُذهلنـَّك ذلك عما وراء هذه وتلك من معان وأسباب ودلالات إيمانية هي ضالة المؤمن، وعندها يَحط الرحال، ويلقي عصا التسيار، حتى إذا أصلحها وأحكمها، تجاوزها إلى ما بعدها.
وهلم فلنتناول ذلك عبر الحقائق الآتية:
الحقيقة الأولى: البلايا بالخطايا.
إن الموجبات والأسباب التي ينشأ عنها كل ما نراه، وكل ما لم نره بعد من البلاء والهوان والتقتيل والفُرقة والفشل وذهاب الريح، إنما هي ذنوب المسلمين ومعاصيهم، وجرأتهم على حدود ربهم وأحكام دينهم على نحو أوجب لهم أن يُمتحَـنوا بذلك البلاء لعلهم يرجعون.
إنّ من المعلوم مثلاً، أنّ كسوف الشمس أو خسوف القمر أو احتباس المطر أو زلزلة الأرض أو انفجار البراكين، أو غير ذلك من الجوائح والآفات السماوية أو الأرضية، لها أسبابها العلمية المادية، الفلكية أو الجيولوجية أو الفيزيائية، أو نحو ذلك مما يعرفه أهل الاختصاص.
ولكن تلك الأسباب المعروفة لا يصح أن تحجب نظر المؤمن عمّا وراءها من معانٍ إيمانية، وإشارات إلى تذكير الله عباده بقدرته سبحانه على أخذهم بذنوبهم إن لم ينزِعوا عما هم فيه من غفلة وغَيٍّ، ومن محادّةٍ لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
ولهذا المعنى تتأكد التوبة والدعاء عند نزول البلاء، ومن أجل ذلك شرعت صلاة الكسوف، وصلاة الاستسقاء، وفيهما ما فيهما من الدعاء والضراعة وتخويف الناس من ذنوبهم، ودعوتهم إلى التوبة منها، ليكشف الله الغمة ويُسَلِّم الأمة.
وما أجل ما قاله العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، في استسقائه، حين استسقى به عمر رضي الله عنه، فإنه قال: [اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يُرفع إلا بتوبة، وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث]. فأرخت السماء مثل الجبال، حتى أخصبت الأرض وعاش الناس.
وفي الصحيحين، واللفظ لمسلم، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، في قصة الكسوف، أنه صلى الله عليه وسلم، لمّا فرغ من صلاة الكسوف، خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (إن الشمس والقمر من آيات الله، وإنهما لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فكبروا وادعوا الله وصلوا وتصدقوا، يا أمة محمد، إنْ من أحد أغْيَرُ من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا، ألا هل بلغت؟)
وهكذا الشأن فيما نحن بصدده من بلاء تسلط الأعداء على أمتنا، وعبثهم بمصائرنا، واستخفافهم بديننا، واعتدائهم على أوطاننا وأرواحنا وأعراضنا وأموالنا، لا بد - من منطق الإيمان - من الربط بين ذلك وبين التفريط في جنب الله، والجرأة على محارم الله سبحانه.
والحذرَ كل الحذرِ من تجاهل هذا الربط أو المواربة عنه، فإن ذلك التجاهل سيئة أخرى تستوجب المزيد من سخط الله وبلائه العقابي، وهو أيضاً مخادعة للنفس، الخادعُ فيها مخدوع، لأنه لا يضر إلا نفسه.
وإن الإيمان الذي نعتز بالانتماء إليه، ليدلنا على هذا الربط بين البلاء الذي ينزل بالأمة، وبين تضييع أوامر الله وانتهاك حرماته سبحانه.
وهو كثير منثور في ثنايا آيات القرآن ونصوص السنة بما لا محيد لمنصفٍ عن اعتقاده والاعتداد به.
كلنا يقرأ ويسمع قول الله تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}. النَّحل (112)
البلاء بالجوع والخوف، ولكن بأي سبب؟ بما كانوا يصنعون.
وقد ذهب المفسرون إلى أن الإشارة في الآية إلى مكة البلد الأمين، وما نزل بأهلها من الجوع والخوف بسبب تكذيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم، ومشاقتهم له.
ولكن العبرة بعموم اللفظ، فهي سنة الله تعالى في كل قرية تكفر بأنعم الله، أو تكذب رسله وتتعدى حدوده.
وذلك كما قال سبحانه في الأعراف: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (100)}
فانظر إلى هذا الربط الصريح في قوله: {أصبناهم بذنوبهم}.
وروى أبو نعيم في الحلية بسند صحيح إلى التابعي الثقة جُبير بن نفير قال: لما فُتِحت قبرص، وفـُرِّق بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعض، رأيت أبا الدرداء - رضي الله عنه - جالسا وحده يبكي. فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟! قال: ويحك يا جُبير، ما أهون الخلق على الله إذا هم تركوا أمره! بينا هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى.
أجل، إنّ البلايا بالخطايا، وإذا فهم المسلمون هذه السنة، وأدركوا هذا الربط بين البلاء وبين المعصية، وأن البلاء من صور الانتقام الإلهي من فساد العباد وإفسادهم، كان ذلك الإدراكُ الخطوة الأولى الصحيحة التي تستتبع التصحيح والإنابة، كما قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الروم (41) .
الحقيقة الثانية: الابتلاء بالسراء بعد الضراء.
وهذه حقيقة لا بد من اجتلائها، لأن الغفلة عنها سبيل الهلكة، وهي أنّ المصيبة الأكبر والهلكة الأخوف عندما لا يكترث المسلمون بهذا الربط بين البلاء وبين المعاصي، ولا يُعْنـَون بذلك السبب الذي جرّ عليهم ما جرّ من ويلات، ويَعْمَهون في طغيانهم وغيّهم، فلا تجدي فيهم فتنة الضراء والمكروه شيئاً.
والمخوف عندئذ أن يفتح الله عليهم أبواب نِعَمِه، على سبيل الابتلاء بعد الضراء بالسراء التي توجب عليهم الإقبال على شكر الله والإنابة إليه لِمَا يغذوهم من نعمه، لتحقَّ عليهم المؤاخذة وتقوم عليهم الحجة بكلا صنفي الفتنة، فتنة الشر وفتنة الخير، كما قال الله تعالى عن بني إسرائيل: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. الأعراف (168)
وكما قال سبحانه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}. الأنبياء (35).
فإذا ابتلى الله تعالى عباده الشاردين عن الجادة، بالشر والمصائب وصنوف الضراء، فلم يحملهم ذلك على شيءٍ من إنابة أو توبة يستدفعون بها البلاء، فإن من سنته سبحانه عندئذ أن يبتليهم بالصنف الآخر من البلاء، وهو بلاء الخير والنعمة والسعة، لعلهم إذ لم يستغفروا في الضراء، أن يشكروا على السراء والنعماء.
ولكن الغفلة إذا كانت مطبقة، لم يزدهم الإحسان إلا طغياناً وإعراضاً، بحيث يتوهمون في ذلك التبديل في الأحوال دليلاً على بطلان دعوى الربط بين المصائب وبين الذنوب، إذ لو كان الأمر كذلك برأيهم، لما أدركوا الرخاء والسعة وهم مقيمون على فجورهم ومعاصيهم.
وذلك من مكر الله بهم ليأخذهم على غرة، لأنهم لم يستغفروا عند الضراء ولم يشكروا عند السراء.
وقد حدثنا الله سبحانه عن سنته تلك في عباده، فقال سبحانه في الأعراف: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ}.[الأعراف].
والمعنى: أنهم يزعمون أن الضراء والشر الذي أصابهم لا صلة له بكفر ولا معصية، بدليل أنهم رأوا السراء بعد الضراء من غير أن يغيِّروا أو يستغفروا. فالسراء والضراء في نظرهم أحوال تتناوب على الناس كما تناوبت على آبائهم من قبلهم، ليس لها أي دلالة إيمانية.
فماذا كان عاقبة هذه الغفلة أو هذا التغافل والتجاهل لمكر الله وأليم أخذه ؟
كانت العاقبة: {فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ}. نعوذ بمعافاة الله من عقوبته، ونـُحذر أنفسنا وإخواننا وأمتنا من هذه السنة الإلهية المخوفة التي تأكد التحذير منها مرة أخرى في سورة الأنعام إذ يقول سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45)}
وللكلام تتمة. ونبدؤه بالحقيقة الثالثة في المقالة القادمة إن شاء الله.
بقلم: إبراهيم يوسف منصور
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


