موقف المسلم من مصائب الأمّة (3)

موقف المسلم من مصائب الأمّة (3)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ٢٢ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ - ١٢ كانون الأول ٢٠٢٥
120

استشعار هَمّ الأمة.


يتأكد على المسلم، في هذه الأزمان والأحوال التي تعيشها الأمة على وجه الخصوص، والتي تتوالى عليها فيها المصائب، وتكثر في حصونها الثغرات، وينخر جسمها السقم، ويسري في مفاصلها الوهن، يتأكد على المسلم أن يستشعر بين جنبيه همَّ أمته، وحرَج ما تلاقيه، فإن وجدان هذا الهمّ من مظاهر تحقيق الوحدة الشعورية بين المسلمين، وهي الوحدة التي دعا إليها النبي صلى الله عليه وسلم، وشدد عليها في أكثر من حديث.
ففي الصحيحين، واللفظ للبخاري، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)
وفي الصحيحين، واللفظ لمسلم، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَثـَل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مَثـَل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
هذه هي الوحدة الشعورية والعاطفية المطلوب تحقيقها بين المسلمين، والتي تكاد تتلاشى وتضمحل في هذه الأزمان كما تضمحل سائر صور الوحدة في حياتنا.
لقد أصبح المسلم يرى دماء إخوانه وأشلاءهم مُزعًا بأيدي أعدائهم من كل ملة ودين، ثم لا يمنعه ذلك عن شيء من برنامجه الترفيهي اليومي، ولا عن غفلته المطبقة المعتادة في مشاهدة المنكر أو سماعه، وقد يضحك بملء فكيه مع ذلك المسلسل، أو ذياك المهرّج، ثم يأكل ملء بطنه، وينام ملء جفنه، وكأن المقتلة التي رآها، وما يزال يراها، ضربٌ من التمثيل الخادع، أو كأنها من دماء وأشلاء الظلمة المعتدين.
فأين هذا الانفصال الشعوري المقيت، من تلك الصورة المثالية الرائعة التي يرسمها النبي صلى الله عليه وسلم لوحدة الأمة؟ ويمثلها في مشاعرها وتناصرها، بالجسد الواحد، يعتلُّ كله لاعتلال بعضه.
ويمثلها في حديث آخر بالبنيان المتماسك، كما جاء في الصحيحين، واللفظ للبخاري، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وشبّك بين أصابعه).

إن الخطر الذي يتهدد الأمة كبير وخطير بكل المقاييس، ولكنك لا تكاد ترى انعكاسًا جادًا لذلك الخطر، أو شعورًا ذا بالٍ بأدنى قدر من الهمّ نحوه، في شيءٍ مما تقرؤه أو تسمعه أو تراه.
وكأن شيئاً لم يكن، أو كأن شيئاً لن يكون.
تذْكُرُ بعض كتب الأدب، أن الخليفة العباسي المعتصم، (محمد بن هارون الرشيد)، بَلغـَتـْه استغاثة امرأة مسلمة كانت أسيرة عند بعض أمراء الروم، فبادر إلى نجدتها بجيش عظيم، وذلك في سنة ثلاث وعشرين ومائتين من الهجرة.
قال الأبشيهي في (المستطرف): وكان سببُ فتح المعتصم عَمُّورية، أنَّ امرأة من الثغر سُبيت، نادت وامحمداه، وامعتصِماه. فبلغه الخبر، فركب لوقته، وتبعه الجيش. فلما فتحها قال لبيك أيتها المنادية. اهـ

ومن أعجب ما وقع في تاريخ أمتنا من مظاهر استشعار المسلم همَّ أخيه بصدق عميق، وترجمة ذلك الشعور الصادق المؤرِّق إلى مؤازرة عملية ومناصرة عسكرية، ما كان من مؤازرة الملك العادل محمود نور الدين بن زنكي في الشام، للملك الناصر صلاح الدين الأيوبي في مصر. وذلك في القرن السادس الهجري، إبان انتشار الممالك الصليبية في بلاد الشام.

وقد أورده الحافظ ابن كثير في تاريخه، في أحداث سنة خمس وستين وخمسمائة، فقال ما نصه:
في صفر منها، حاصرت الفرنج مدينة دمياط من بلاد مصر خمسين يومًا، بحيث ضيقوا على أهلها وقتلوا أمما كثيرة. جاؤوا إليها من البر والبحر رجاء أن يملكوا الديار المصرية، وخوفاً من استيلاء المسلمين على القدس. فكتب صلاح الدين إلى نور الدين يستنجده عليهم، ويطلب منه أن يرسل إليه بإمداد من الجيوش، فإنه إن خرج من مصر خلفه أهلها بسوء، وإن قعد عن الفرنج أخذوا دمياط وجعلوها معقلا لهم، يتقوَّوْن بها على أخذ مصر. فأرسل إليه نور الدين ببعوث كثيرة يتبع بعضها بعضاً.
ثم إن نور الدين اغتنم غيبة الفرنج عن بلدانهم، فصمد إليهم في جيوش كثيرة، فجاس خلال ديارهم، وغنم من أموالهم، وقتل وسبى شيئاً كثيرًا.... إلى أن قال الحافظ ابن كثير: حتى انفصلت الفرنج عن دمياط.
وأجلت الفرنج عن دمياط لأنه بلغهم أن نور الدين قد غزا بلادهم، وقتل خلقاً من رجالهم، وسبى كثيرًا من نسائهم وأطفالهم، وغنم من أموالهم. فجزاه الله عن المسلمين خيرًا. ....
إلى أن قال الحافظ ابن كثير: ولما انجلت الفرنج عن دمياط، فرح نور الدين فرحًا شديدا وأنشد الشعراء كل منهم في ذلك قصيدًا.
وقد كان الملك نور الدين شديد الاهتمام قوي الاغتمام بذلك، حتى قرأ عليه بعض طلبة الحديث جزءًا في ذلك، فيه حديث مسلسل بالتبسم، فطلب منه أن يبتسم ليصل التسلسل، فامتنع من ذلك، وقال: إني لأستحي من الله أن يراني مبتسما والمسلمون يحاصرهم الفرنج بثغر دمياط.
ثم قال الحافظ ابن كثير: وقد ذكر الشيخ أبو شامة، أن إمام مسجد أبي الدرداء بالقلعة المنصورة، رأى في تلك الليلة التي أجلى فيها الفرنج عن دمياط، رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: سَلِّمْ على نور الدين، وبشره بأن الفرنج قد رحلوا عن دمياط. فقلت: يا رسول الله، بأي علامة؟ فقال: بعلامة ما سجد يوم تل حارم ، وقال في سجوده: اللهم انصر دينك، ومن هو محمود الكلب؟! فلما صلى نور الدين عنده الصبح، بشره بذلك وأخبره بالعلامة. فلما جاء إلى عند ذكر: (من هو محمود الكلب) انقبض من قول ذلك. فقال له نور الدين: قل ما أمرك به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: صدقت. وبكى نور الدين تصديقاً وفرحاً بذلك. ثم كشفوا فإذا الأمر كما أخبر في المنام.

فحري بكل مسلم اليوم أن يهتم لِهَمِّ أمته، بحيث يؤرقه ويكدره ذلك الهم.
والمرء إذا اهتم للأمر واكترث به، فإنه يبحث ويتدبر في عمل الممكن مما يدفع الله به ذلك الغم ويزيل أسبابه.
فما هذا الممكن الذي يفعله المسلم عندما يؤرقه همّ الأمة؟

للحديث تتمة في المقالة التالية إن شاء الله.


بقلم: إبراهيم يوسف منصور

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...