ثانياً: وقائع في تاريخ الأمة:
فإذا التفتنا إلى تاريخ ملتنا وسيرة أمتنا مع أعدائها، وتتبعنا خطها البياني صعوداً وهبوطاً، فإننا سنرجع بقناعة راسخة أن لا مكان لليأس لا من حيث نصوص الدين ولا من حيث وقائع تاريخ المسلمين.
وإليكم بعض هذه الوقائع:
يوم الأحزاب:
يوم غزوة الخندق، إذ بلغ البلاء ذروته وضاقت الصدور وزاغت الأبصار وغزا اليأس نفوس أصحاب القلوب المريضة حتى قال قائلهم: {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب: 12]
وقال قائلهم: {يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا} [الأحزاب: 13]
أما أهل اليقين فما نال ذلك منهم شيئا، ولا فتَّ في عضدهم، بل زادهم يقيناً بقرب النصر، لأن الكرب إذا بلغ ذروته فلم يبق إلا أن ينحسر ويأتي الفرَج.
هذه سُنة الله مع عباده المؤمنين المرضيين، التي عرَّفهم إياها في قوله سبحانه: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]
ولقد ذكر الصحابة رضي الله عنهم هذه السُّنة الربانية يوم الأحزاب فاستبشروا بالنصر والفرَج وهم في قلب الكرب، تصديقاً منهم بهذا الوعد. فصدقهم الله وعده، وأنزل نصره، وأرسل على الأحزاب جنوده من خفِيٍّ وجلِيّ، {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب: 25]
وانظر وقارنْ بين خـَوَر المنافقين ويأسهم، وبين ثبات المؤمنين وعظيم رجائهم.
قال سبحانه عن المنافقين: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا (12) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا (13)} [الأحزاب]
وقال عن المؤمنين: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22]
قال القرطبي عند تفسيرها: {هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ} يريد قوله تعالى في سورة البقرة: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} ... الآية. فلما رأوا الأحزاب يوم الخندق قالوا: {هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ}
يوم حُنين:
في وقائع يوم حنين أن المسلمين انهزموا أول الأمر حتى قال قائلون: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر.
ولكن الله تعالى تداركهم بلطفه ورحمته، وأنزل سكينته ونصره، وامتن عليهم بذلك فقال: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26)} [التوبة]
الانحسار والانكسار والهزيمة، كل ذلك قد يعرض للمسلمين، ولكن لا على أنه أصل، وإنما على أنه أمر عارض يحمل درساً له مغزىً إيماني نفيس.
فإذا فهم المسلمون الدرس وأحسنوا الإفادة منه، فلا يصح أبداً أن ييأسوا من الفرَج أو يتشككوا في النصر.
الصليبيون وبيت المقدس:
وهذا التاريخ يشهد بأن أمر المسلمين قد انحسر من قبلُ على أشدَّ مما هو عليه اليوم حتى دخل الصليبيون بيت المقدس تخوض خيولهم في دماء المسلمين، ومكث المسجد الأقصى تحت سلطان الصليبيين لا تقام فيه جمعة ولا جماعة على مدى إحدى وتسعين سنة، حتى جاء جيل صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، الذين فهموا الدرس وتلافوا الأسباب وغيروا ما بأنفسهم، وصدَقوا العودة إلى دينهم، وشحَنوا باليقين قلوبهم، فجمعوا كلمتهم ووحدوا صفوفهم، واستعانوا بربهم حتى استردوا بيت المقدس وطردوا منه الصليبيين بعد تلك العقود المتطاولة من السنين، بقيادة صلاح الدين رحمه الله.
فهل يصح أن ييأس المسلمون اليوم من استرداد بيت المقدس من أيدي اليهود، ولم يمض على اغتصابهم له مثل تلك المدة التي قضاها أسيراً بأيدي الصليبيين؟!
جمهوريات الاتحاد السوفييتي الإسلامية:
وها هي ذي جمهوريات الاتحاد السوفييتي المسلمة قد تنفست الصعداء من كابوس استعمار الاتحاد السوفييتي بعد نيف وسبعين سنة من القهر الديني والاستعمار البغيض.
فجاء الله تعالى جاء بالفرج بعد تلك العقود الثقيلة من الكرب والقهر.
فهل يُلقي المسلمون أيديَهم بعد ذلك في أغلال اليأس من طرد المغتصبين والمستعمرين؟!
التتار والشرق الإسلامي:
ولقد وجدتُ عبرة عظيمة في هذا الباب في أخبار هجوم التتار على المسلمين منتصف القرن السابع الهجري، أحببت أن أختم بها هذا المبحث.
فقد ذكر الحافظ ابن كثير في تاريخه - في أحداث سنة خمسين وستمائة - أن التتار وصلوا إلى ما يسمى: ( الجزيرة الفراتية)، حيث بلاد سنجار وسروج ورأس العين وحران، فقتلوا في تلك السنة من المسلمين نحواً من عشرة آلاف، وسبَوا من النساء والولدان نظير ذلك، هذا فضلاً عن مصادرة الأرزاق وانتهاب الأموال.
ثم لمّا دخلوا بغداد في سنة ست وخمسين وستمائة، مكثوا أربعين يوماً يقتلون ويفسدون، حتى أسفرت جريمتهم المروعة عن عدد من القتلى أقل تقدير له: ثمانمائة ألف قتيل. وقيل: بل كانوا مليوناً وثمانمائة ألف قتيل. وقيل أكثر من ذلك.
ثم رجع هولاكو قائد التتار بجيشه إلى بلاده.
وفي سنة سبع وخمسين وستمائة، أرسل هولاكو إلى صاحب دمشق الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد - وهو من أحفاد صلاح الدين الأيوبي رحمه الله - أرسل إليه يستدعيه إلى بلاده، فأجاب بإرسال ولده نائباً عنه، وأرسل معه هدايا وتحفاً كثيرة لعلها تـُطيِّب نفس هولاكو وتثنيه عن غزو الشام بعد غزوه العراق في السنة الماضية.
إلا أن هولاكو غضب من عدم إجابة ملك دمشق بنفسه، وقال: أنا أسيرُ إليه بنفسي.
وخاف أهل دمشق عندما علموا أنّ هولاكو قد عبر الفرات بجيشه إلى بلاد الشام، حتى إنّ كثيراً منهم قد هاجروا يريدون أرض مصر، والشتاء شديد، فمات منهم من مات ونـُهب من نـُهب.
وفي صفر من سنة ثمان وخمسين وستمائة وصل هولاكو إلى حلب فحاصرها سبعة أيام، وكان ملك حلب ( توران شاه) حازماً عاقلاً، إلا أن جيشه لم يطاوعه على القتال، ففتحوا البلد للتتار بالأمان، فلما استحكم التتار غدروا وقتلوا وخربوا وأفسدوا، وجرى على حلب قريبٌ مما جرى على بغداد من قبل.
وعلم صاحب حماة بما حلّ بحلب فأرسل مفاتيح حماة إلى هولاكو طواعية، فاستناب هولاكو نائباً على حماة خرّب أسوارها كما خرب أسوار حلب من قبل. ثم إن الملك الأشرف صاحب حمص انضم إلى عسكر هولاكو الذي سار إلى دمشق، فلما وصلها أخذها سريعاً بلا ممانعة ولا مدافعة - وكان قد هرب ملكها الملك الناصر الذي سبق ذكره - فتلقاه كبراؤها بالترحيب والإذعان.
فانظروا كيف تتشابه وقائع التاريخ، عندما نرى من أبناء جلدتنا من يوطد لدخول أعداء الأمة والملة تحت مختلف الذرائع والدعاوى.
حقاً ما أشبه الليلة بالبارحة!
وكان هولاكو قد أرسل مع الجيش كتاب أمان لأهل دمشق، فقرئ على الناس في الميدان الأخضر، فأمِن الناس على حذر مخافة أن يصيبهم من الغدر مثلُ ما أصاب أهل حلب.
وامتنعت قلعة دمشق فلم تستسلم حتى هدم التتار أسوارها بالمنجنيق، فدخلوها وقتلوا من فيها.
فلما استتب الأمر للتتار جاء النصارى يقدمون الهدايا لنائب هولاكو الذي كان معظـِّماً لدين النصارى، مما جرأ نصارى دمشق على أن يخرجوا بصليبهم ينادون: ظهر الدين الصحيح دين المسيح. ويذمون دين الإسلام وأهله، ومعهم أواني الخمر لا يمرون بمسجد إلا رشوه بالخمر، ولا يمرون بمسلم إلا رشوا وجهه بالخمر وأمروه أن يقوم مكرهًا تعظيماً لصليبهم.
فتصوروا هذه الحال المزرية من الكرب العظيم الذي حل بأمة الإسلام آنذاك.
ولم يكتف التتار بذلك. بل توجهوا جنوباً، لا يدَعون أحداً في بادية ولا حاضرة إلا آذوه بقتل أو نهب أو أسر، حتى وصلوا إلى غزة في طريقهم إلى مصر.
ولما علم الملك (المظفر قـُطـُز) - وهو من ملوك المماليك الأتراك بمصر- أن التتار يريدون مصر، خرج بالناس وقد اجتمعوا عليه، يلقى التتار في أرض الشام قبل أن يطؤوا بلاده، والتقى الجيشان في (عين جالوت) وذلك في يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان من سنة ثمان وخمسين وستمائة، فاقتتلوا قتالاً شرساً صدق فيه المؤمنون الصبر وأحسنوا البلاء فصدقهم الله سبحانه وعده بالنصر، فهزموا التتار هزيمة هائلة منكرة، وقـُتل أشهر قادة هولاكو العسكريين المدعو: (كتبغانوين) وفرَّ التتار في كل جهة، والمسلمون يتبعونهم ويقتلونهم في كل موضع، ويفكون الأسارى من أيديهم، وخرجت فلولهم من دمشق خزايا مقهورين حين دخلها الملك المظفر قـُطـُز، فأرسل الكتائب في إثرهم فأخرجوهم من حمص ومن حماة ومن المعرة، ثم طردوهم عن حلب، حتى خرج التتار من كل بلاد الشام وانصرفوا إلى بلادهم صاغرين موتورين.
كل ذلك في غضون نحو شهر واحد؛ من أواخر رمضان حيث موقعة عين جالوت، إلى أواخر شوال من تلك السنة.(1)
أفليس في هذه الوقائع ما ينعش الأمل في قلب كل مسلم بإمكان التغيير وسرعته إذا أخذ المسلمون بأسباب النصر وصدقوا العزم.
فلئن كان في أعداء المسلمين اليوم من يضاهي هولاكو في الجبروت، فليس ببعيد عنه يومٌ كـَيَوم عين جالوت.
وما ذلك على الله بعزيز.
الخاتمة:
وختامًا نقول: أجل لا بُدَّ للمسلم من موقف.
ولقد كانت الصفحات السابقة التي ضمت هذا البحث عبارة عن جملة من الرؤى والمواقف والنصائح التي أنصح بها نفسي، كما أنصح بها كل مسلم ومسلمة.
منها القولي ومنها العملي ومنها القلبي، أدعو إلى أن نتحراها جميعًا في أنفسنا، في أقوالنا وفعالنا، وفي تصوراتنا ومقاصدنا، بحيث تكون تلك المواقف الفردية المتكاملة طاقاتٍ تضاف إلى عزيمة الأمة وتـَشدُّ من أزرها، ولَبِناتٍ يُرفع بها سياج الأمة وتـُسد بها ثغرات حصنها التي ما تفتأ تنبثق وتنفتق، ولا بد من مواصلة الترميم والتضميد والتشييد قبل أن يصبح الفتق خرقاً، ثم يتسع الخرق على الراقع.
وعندما يرعى كل واحد منا موقعه في الأمة، ويتخذ الموقف الأمثل، ويقيم من نفسه حارسًا على حصنها من جهته، فإنَّ الثغرات ما تلبث أن تلتئم وتندمل كأنها لم تكن.
فأما عندما يَحقر أحدنا موقعه، ويُهوِّن من شأن نفسه، ولا يكترث بالخرق يراه وهو قادر على أن يرقعه، ويستثقل أن يكلف نفسه عملاً إصلاحيًا أو قولاً مصلحًا أو حتى نية صالحة، فإنّ هذا الفرد يُعتبر في ذاته ثغرة في الأمة وعبئاً عليها.
فلا يَحقِرنَّ مسلم موقعه. وما أصدق المقولة الشائعة: كل مسلم على ثغرة من ثغور الإسلام، فليحذر أن يُؤتى الإسلام من قـِبَله.
إن عِظَم الاستهداف وغزارةَ السهام التي تـُرمَى بها الأمة، ومبلغَ الكيد الذي يُحاك ضدها في السر والعلن، وهولَ القواصم التي تُدبَّر لها في مختلف العواصم، كلُّ ذلك يتطلب تجنيد طاقات كلِّ رجل وامرأة، وكل شابٍّ وكهل وشيخ في الأمة لوقايتها من تلك المكائد، أو لعلاجِ وترميم آثار ما أصاب منها فدمَّرَ وفتك.
وإنني لأنظر كما ينظر أبناءُ جيلي، في هذه العقود الخمسة أوى الستة المنصرمة منذ فتحنا عيوننا على هذا الكون، فنرى قائمة طويلة من الظلم والقهر العسكري وغير العسكري، الواقع على أمتنا وملتنا في هذه العقود الأخيرة فحسب.
قائمة لا تزال تنامَى وتكبر مع أعمارنا، وكل تالية منها شرٌّ من خالية، وكل لاحقة منها ترقق سابقة. حتى لقد أصبحنا ننظر إلى المستقبل وكأنه بحر من الظلام الدامس، لا ندري عن أي شيء يُسفر حين يُسفر.
وإن أدنى التصورات والتوقعات عن المستقبل شديد خطير، فكيف بأقصاها؟!
ثم لا بد من التذكير هُنا بأنَّ هذا الموقف الإيجابي الذي ندعو إليه في هذه الملمات المدلهمات، والرزايا المثقلة بالمنايا والدنايا التي لا تخفى شواهدها على ذي عينين؛ هذا الموقف الإيجابي المطلوب ليس مقصودًا لتفادي خسائر مالية، أو حفظ أرواح بشرية، أو نحو ذلك من صيانة مصالح دنيوية فحسب.
بل إنَّ من الخطأ أن ننطلق في مواقفنا من باعث الحرص على مصلحة دنيوية بحتة كما هو شأن الأمم الأخرى الذين {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7]
إنَّ الواجب - ومن واقع أننا مسلمون - أن يكون منطلقـُنا في اتخاذ المواقف هو ما تقتضيه مصالح الدين والدنيا جميعًا.
فإنَّ في هذا المنطلق صلاحَ الدنيا وشؤونِها التي أفسدتها الفتن الداخلية، والمكائدُ والاعتداءات الخارجية. وهي غاية تشاركنا فيها كل الأمم والملل.
كما أنَّ فيه صيانة الدين وصلاح الآخرة. وهي غاية ننفرد بها ونتمايز عن كل الأمم والملل كما يتمايز الحق عن كل صنوف الباطل، وهي الغاية الأهم الذي تتضاءل أمامها الغاية الأولى وتتلاشى كما تتلاشى الدنيا في جنب الآخرة.{فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ} [التوبة:38]
ومعلوم أن من خسر الدنيا فلا يُعتد بخسرانه في منطق الإيمان إذا هو أحرز الدين. وماذا فات مَن فاتته الدنيا إذا هو ربح الآخرة؟!
إنَّ منطق الإيمان يقول: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا من شربة ماء).(2)
دخل سيدنا عمر رضي الله عنه، على النبي صلى الله عليه وسلم فرآه مضطجعًا عَلَى حصير، ليس بَيْنَهُ وَبَيْن الحصير شَيْءٌ من فراش ولا وطاء. قال عمر: (فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَيْتُ. فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟! فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ.! فَقَالَ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمْ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟).(3)
فليكن باعث المسلم على لزوم الموقف الإيجابي باعثاً دينياً أخروياً بالمقام الأول، وليحتسب في ذلك اجتناب الوزر واغتنام الأجر، فإنَّ الخـُسْر كل الخـُسر في حرمان الأجر واحتمال الوزر.
وانظروا كيف وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الباعث إذ يقول: (بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتناً كقِطـَعِ الليلِ الْمُظلِم، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بعَرَض مِنْ الدنيا).(4)
ثم انظروا إلى هذه المقارنة القرآنية بين من يقومون بما يجب القيام به من الصلاح والإصلاح، وبين من هم على النقيض من ذلك، ولاحظوا كيف أن معيار المفاضلة بين الفريقين أخروي صِرْف؟!
قال سبحانه في الرعد: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)}.
بقي أن أقول: إن أصل هذا البحث كان سلسلة من خطب الجمعة بلغت عشرين خطبة بنفس العنوان: (موقف المسلم من مصائب الأمة) ألقيتها في ثنايا نحو خمسة أشهر، في الفترة الواقعة بين: /14/11/1423هـ، إلى: /6/4/1424هـ الموافق: /7/1/2003م، إلى /6/6/2003م
وما أدراكم ما 2003م؟
إنها السَّنة التي شهدت كارثة سقوط بغداد واستباحة العراق من قبل القوات الأمريكية وحلفائها الغربيين، بالتواطؤ والتعاون مع إيران الخمينية الرافضية.
وكانت العراق الدولة الإسلامية الثانية التي تسقط في براثن ذلك الغزو الوحشي الهمجي، بعد سقوط أفغانستان قبلها بنحو سنة ونصف.
وقد كان سقوط كل منهما رزية عظيمة ساءت كل مسلم ومسلمة، لما اقتضاه ذلك على الأمة من تجرع المنية والدنية في آنٍ واحد.
فقد كان القتلى بمئات الآلاف، بالإضافة إلى الملايين من الجرحى والزمنى والمعتقلين والمشردين.
أعداء حقدة متجبرون، جاؤوا من وراء البحار فجثموا على أرض المسلمين، يفتِكون في الدماء، وينتهكون الأعراض، ويتلفون الأموال، وينتهبون الثروات بلا حسيب ولا رقيب، وناهيك بهذا دنِـيَّة وهواناً.
ومن ثنايا تلك المآسي، ومن صدى تلك المشاعر المؤلمة التي واكبنا فيها تلك الأحداث الجسام التي ما تزال تداعياتها وعقابيلها تتجدد وتتمدد، جاءت فكرة هذا البحث الذي يحاول أن يقدم الرؤية الشرعية في تعاطي المسلم، أياً كان موقعه، مع ذلك الواقع الأليم.
ولأن الليلة أشبه بالبارحة، فإن الحاجة ما تزال قائمة إلى التعرف على الموقف الشرعي الذي يجعل من الفرد المسلم عنصر بناء لا معول هدم، وطاقةً تضاف إلى عزيمة الأمة، لا قوة تنحاز إلى أعدائها.
وهذا ما دعاني إلى إخراج هذا البحث من كراريس خطب الجمعة إلى هذا الكتيب.
وقد اقتضى ذلك شيئاً من التنقيح والتعديل والتبويب وإعادة الصياغة التي يتطلبها إعداد البحث للنشر.
واللهَ أسأل أن يرزقني سَداد الأقوال وسَداد الأفعال وخـُلوص النية، إنه خير مسؤول.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
هوامش:
(1) انظر البداية والنهاية لابن كثير، أحداث السنوات: (650 إلى 658 هـ)
(2) رواه الترمذي في سننه وصححه، كتاب الزهد، باب ما جاء في هوان الدنيا على الله .
(3) متفق عليه واللفظ للبخاري، كتاب التفسير، سورة الطلاق، ومسلم كتاب الطلاق، باب أن تخيير المرأة لا يكون طلاقاً إلا بالنية.
(4) رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، كتاب الإيمان، بَاب الْحَثِّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِالأَعْمَالِ قَبْلَ تَظَاهُرِ الْفِتَنِ
بقلم: إبراهيم يوسف منصور
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


