موقف المسلم من مصائب الأمّة (20)

موقف المسلم من مصائب الأمّة (20)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ١٠ صفر ١٤٤٨ هـ - ٢٤ تموز ٢٠٢٦
57

دعاؤه صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضي الله عنهم.
كان ما سبق بعضَ إجابة الله تعالى دعاء رسوله صلى الله عليه وسلم لأعدائه أو عليهم.
وهلم الآن فلننظر في دعوات نبويات أخريات مستجابات أيضاً في مناسبات، ولكنها دعوات لأصحابه رضي الله عنهم، لعامتهم أو لأناس مخصوصين منهم.
وقد كان في إجابة الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم تلك الدعوات آيات بيّنات زادت وما زالت تزيد في يقين المؤمنين، لِما تشعرهم به من تلاشي المسافات بين الأرض والسماء، مما يرون من قرب الإجابة وقرب المجيب سبحانه.
وذلك يحفز كل مسلم إلى اللجوء إلى الدعاء في الكروب ليكشفها الله، وفي الحروب ليطفئها الله، وفي الفتن ليدفعها الله، وفي الهموم ليفرجها الله، وفي الحاجات ليقضيها الله، وفي الخوف ليُسلـِّم الله، وفي الأمن ورغد العيش ليُتمم الله، ولا يُبَدلَ علينا البسط قبضاً، ولا النماء نقصاً، ولا الأمن خوفاً، ولا النعمة نقمة. آمين.
فما أحرى المسلمين، أفراداً وجماعات، أن يُلِحوا على الله بالدعاء، خصوصاً في أزمنة البلاء، ليكشف الله الضر ويجيب المضطر، ويقهر الأعداء ويثبت الأقدام، ويدفع البلاء ويكشف الغمة ويحفظ الأمة.

ولقد حفظت لنا كتب السنن والسير، من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن الكرب أو مواطن الاضطرار أو مواطن الحاجة، ومن عجائب إجابة الله دعاءه، ما يغرينا بأن نتخذ من الدعاء سلاحاً وزاداً، وعُدة وعَتاداً، نستدفع به البلاء والضراء، والفتن الهوجاء، وكيد الأعداء، ونستجلب به الهداية والأمن والنصر والرخاء.
ولم لا؟ والداعي محتاج إلى الدعاء، والمدعو يحب أن يُدعى؟!
لم لا، والداعي عاجز مُعْوز، والمدعو غني كريم قدير. سبحانه؟!
لم لا، والداعي يحب أن يجاب، والمدعو وعد أن يجيب؟! {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186]

وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم دعوات عظيمات، لأمته أو لبعضها، تـُعد من المعجزات النبوية لَما تبعها من خوارق الإجابات.

معجزات دعائه صلى الله عليه وسلم في غزوة العسرة. وهو جيش غزوة تبوك.
ومن ذلك:


أولا: الإطعام من جوع.
روى مسلم في صحيحه بسنده عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ [شَكَّ الأَعْمَشُ] قَالَ: لَمَّا كَانَ غَزْوَةُ تَبُوكَ أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَذِنْتَ لَنَا فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: افْعَلُوا. قَالَ فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ؛ وَلَكِنْ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْعُ اللَّهَ لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَمْ. قَالَ: فَدَعَا بِنِطـَعٍ فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ. قَالَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ. قَالَ: وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ. قَالَ: وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكَسْرَةٍ؛ حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ. قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ قَالَ: خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ: قَالَ: فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلا مَلَؤوهُ. قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ. لا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فَيُحْجَبَ عَنْ الْجَنَّةِ. (1)
ومعلوم أنه كان من الممكن أن يعمِد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الدعاء ابتداءً من غير أن يأمرهم بجمع فضل أزوادهم، ولكن شاء الله تعالى أن يجعل في ذلك مكرمة لسيدنا عمر رضي الله عنه، ودلالة على قوة يقينه، ومنقبة له في أنه سبب في سَوْق تلك البركة للناس، وفي إجراء تلك المعجزة الخارقة التي هي من دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، المتعددة والمتجددة، وفي تنبيه الناس إلى علو منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ربه سبحانه.
قال النووي رحمه الله عند هذا الحديث من شرح مسلم: وَفِي هَذَا الْحَدِيث عَلَمٌ مِنْ أَعْلام النُّبُوَّة الظَّاهِرَة، وَمَا أَكْثَر نَظَائِره الَّتِي يَزِيد مَجْمُوعهَا عَلَى شَرْط التَّوَاتُر، وَيُحَصِّل الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ! اهـ. (2)

ثانيا: السقيا بعد عطش:
أجل، وكما أن الله تعالى قد أطعمهم ببركة الدعاء بعد مجاعة في تلك الغزوة - وكان فيها فضيلة لعمر رضي الله عنه - فإن الله سبحانه قد أسقاهم أيضاً في تلك الغزوة بعد عطش شديد، وببركة دعائه صلى الله عليه وسلم، وكان فيها فضيلة لأبي بكر في هذه المرة.
فقد روى أهل الأثر والتفاسير والسير، بأسانيد صحيحة جياد، عن عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة التي قال الله فيها: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} [التوبة 117]
فقال عمر رضي الله عنه: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا فأصابنا فيه عَطـَش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فـَرْثه(3) فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله، إن الله عز وجل قد عَوَّدك في الدعاء خيرًا، فادع لنا. قال: "تحب ذلك"؟ قال: نعم. فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، فلم يرجعهما حتى مالت السماء فأظَلَّت، ثم سكبت، فملئوا ما معهم. قال: ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر.(4)
وصدق الله إذ يقول: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل: 62]

ثالثا: النشاط بعد إعياء.
جاء في مسند أحمد وصحيح ابن حبان وغيرهما من كتب السنة والسيرة، عن فـَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ رضي الله عنه قال: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَجَهَدَ الظَّهْرِ جَهْدًا شَدِيدًا، فَشَكَوْا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بِظَهْرِهِمْ مِنْ الْجَهْدِ، فَتَحَيَّنَ بِهِمْ مَضِيقًا، فَسَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ فَقَالَ: مُرّوا بِسْمِ اللَّهِ. فَمَرَّ النَّاسُ عَلَيْهِ بِظَهْرِهِمْ، وهو يقول: اللَّهُمَّ احْمِلْ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِكَ، فإِنَّكَ تَحْمِلُ عَلَى الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ وَعَلَى الرَّطبِ وَالْيَابِسِ، فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ. قَالَ فَمَا بَلَغْنَا الْمَدِينَةَ حَتَّى جَعَلَتْ تنَازِعُنَا أَزِمَّتَهَا. قَالَ فـَضَالَةُ: فقلت: هَذِهِ دَعْوَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ، فَمَا بَالُ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ؟! فَلَمَّا قَدِمْنَا الشَّامَ غَزَوْنَا غَزْوَةَ قُبْرُسَ فِي الْبَحْرِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ السُّفُنَ فِي الْبَحْرِ وَمَا يَدْخُلُ فِيهَا عَرَفْتُ دَعْوَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.(5)

ولو قال قائل: أليس قد كان من الممكن أن يبارك الله لهم في الطعام والشراب، والدواب ابتداءً، فلا يصيبهم بأذى مسغبة ولا ظمأ ولا إعياء ظهر؟!
قلنا: بلى، ولكنه سبحانه شاء أن ينبه عباده إلى فقرهم إليه، وأن ما بهم من نعمة أو رخاء أو سعة، فليس عن آلية أحكموها أو قدرة أحرزوها أو نظام ضبطوه، وإنما هو إمداد العزيز الرحيم في كل لحظة وحين.
فإذا ما أبطأ ذلك الإمداد، أو تبدلت تلك الأحوال، عرف المؤمن من أين أتِي، ومن أين يأتي.
فيزيل أسباب المنع، ويدق بالدعاء أبواب العطاء، وسيجد أن مع العسر الواحد يسرين. ولن يغلب عسر يسرين.
وما أروع أن يستشعر المؤمن معية الله بالهداية والنصرة والتسديد والإمداد، يسمع سبحانه الدعاء فيجيب الدعاء، ويحقق الرجاء، ويبسط الرخاء، ويزيل الغمة، خصوصاً إذا كان الدعاء على لسان الأصلح في الجماعة، والأتقى والأنقى في المجتمع.
ولذلك نجد أن كلاً من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، قد رغب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو بالبركة في الطعام، وأن يدعو بالسقيا، ولم يباشرا ذلك بنفسيهما، كما رغب إليه عامة الجيش أن يدعو للخيل والإبل بعد الجهد والإعياء الذي لحق بها، دون أن يباشروا ذلك.
وفي ذلك تعليم للأمة أن يتوسلوا إلى الله تعالى بدعاء الصالحين، فإن دعاءهم أدنى للقبول وأرجى للإجابة.

استسقاؤه صلى الله عليه وسلم في الجمعة:
وهذا موطن آخر يسأل فيه بعض الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستسقي لهم، فيستسقي، فيُسقون في الحال. كما في الصحيحين من حديث أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ وِجَاهَ الْمِنْبَر، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الْمَوَاشِي وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثـُنَا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا اللَّهُمَّ اسْقِنَا اللَّهُمَّ اسْقِنَا.
قَالَ أَنَسُ: وَلا وَاللَّهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلا قـَزَعَةً وَلا شَيْئًا، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلا دَار. قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ. قَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا. ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَتْ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ يُمْسِكْهَا. قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالْجِبَالِ وَالآجَامِ وَالظِّرَابِ وَالأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَر. قَالَ: فَانْقَطَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْس.
(6)
أجل، إنها لإجابة عجيبة، إن كان في إنزال المطر أوفي إمساكه، ولا عجب إذا عرفنا السبب، إنه أمره سبحانه الذي قال عنه: {إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [مريم: 35]
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
دعاؤه صلى الله عليه وسلم لعموم الأمة:
وهذه الأدعية النبوية المجابة كثيرة للأمة كل الأمة، ولها نظائر لا نزال نعيش ونتقلب في غضون بركتها، كدعائه صلى الله عليه وسلم لأمته ألَّا يهلكها الله بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم... وقد استجاب الله تعالى له ذلك وله الحمد.
وقد جاء خبر ذلك في صحيح مسلم عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (.. وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي أَنْ لا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ. وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لأُمَّتِكَ أَنْ لا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا - أَوْ قَالَ: مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا - حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا).(7)
فمن بركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته أن أعداءها مهما اجتهدوا وكادوا ومكروا في إهلاكها، فإنهم لن يستأصلوها، ولا تزال طائفة منها ظاهرة قاهرة. مصداق حديث ثوبان المتقدم، ومصداق الحديث الذي رواه مسلم أيضا عن عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (لا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ).(8)

وهذا بحمد الله أمر ظاهر للعيان مشهود في الواقع، فجزى الله تعالى هذا النبي الكريم الرحيم عن أمته خير الجزاء.

دعاؤه صلى الله عليه وسلم لآحاد من أصحابه: رضي الله عنهم:
وقد حفظت كتب السنن والسير للنبي صلى الله عليه وسلم دعوات لآحادٍ من أصحابه رضي الله عنهم جميعاً، فجاءت الإجابات عجيبة عاجلة خارقة.
ومن ذلك على سبيل التمثيل لا الحصر:

أولا: دَين والد جابر رضي الله عنهما:
وهو عبد الله بن حرام الأنصاري، أحد شهداء أحُد، والد جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، استشهد وعليه دَين، وجاء الغرماء يستوفون من ولده جابر وقت جَداد النخل، ولم يكن في تمر بستانه ما يفي بالدين ولا بشطره ولا بربعه، ففزع جابر إلى النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر.
ولنستمع إليه وهو يحدثنا عن ذلك كما في صحيح البخاري عن جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، قال: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: إِنَّ أَبِي تَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا، وَلَيْسَ عِنْدِي إِلا مَا يُخْرِجُ نَخْلُهُ، وَلا يَبْلُغُ مَا يُخْرِجُ سِنِينَ مَا عَلَيْهِ، فَانْطَلِقْ مَعِي لِكَيْ لا يُفْحِشَ عَلَيَّ
الْغُرَمَاءُ. فَمَشَى صلى الله عليه وسلم حَوْلَ بَيْدَر مِنْ بَيَادِر التَّمْرِ فَدَعَا، ثَمَّ آخَرَ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ فَقَالَ: انْزِعُوهُ. فَأَوْفَاهُمْ الَّذِي لَهُمْ وَبَقِيَ مِثْلُ مَا أَعْطَاهُمْ
. (9)

ثانيا: الدعاء لجمل جابر:

وقصة دعائه صلى الله عليه وسلم لجمل جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، مشهورة أخرجاها في الصحيحين، واللفظ لمسلم عن جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا، فَأَرَادَ أَنْ يُسَيِّبَهُ. قَالَ: فَلَحِقَنِي النَّبِي صلى الله عليه وسلم، فَدَعَا لِي وَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ. قَالَ - يعني النبيَّ صلى الله عليه وسلم -: (بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ) قُلْتُ: لاَ. ثُمَّ قَالَ: (بِعْنِيهِ) فبِعْتُهُ بِوُقِيَّةٍ، وَاسْتَثْنَيْتُ عَلَيْهِ حُمْلاَنَهُ إِلَى أَهْلِي. فَلَمَّا بَلَغْتُ أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ فَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِي فَقَالَ: (أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لآخُذَ جَمَلَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ فَهُوَ لَكَ).(10)
فصلى الله وسلم عليه من رؤوف بالمؤمنين رحيم.

ثالثا: الدعاء للنابغة الجعدي:
وقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا يفضض الله فاك. فعاش أكثر من مائة سنة لم تسقط له سن.
جاء في دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، بسنده عن يعلى بن الأشدق قال: سمعت النابغة بن الجعد يقول: أنشدت رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشعر فأعجبه:
بلغنا السماء مجدنا وثراءنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فقال صلى الله عليه وسلم: إلى أين المظهر يا أبا ليلى؟ قلت: إلى الجنة. قال: أجل إن شاء الله تعالى. فلما أنشدته:

ولا خير في حلم إذا لم تكن له ** بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ** حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا


قال النبي صلى الله عليه وسلم: أجدتَ لا يفضض الله فاك.
قال يعلى بن الأشدق: فلقد رأيته وقد أتى عليه نيف ومائة سنة، وما ذهب له سن. (11)


رابعا: الدعاء لأم قيس بنت مِحْصَن:
وقصتها في الأدب المفرد للبخاري، وفي المعجم الكبير للطبراني، ومسند أحمد، وسنن النسائي - واللفظ له - عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مَوْلَى أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ رضي الله عنها قَالَتْ: تُوُفِّيَ ابْنِي، فَجَزِعْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لِلَّذِي يَغْسِلُهُ: لا تَغْسِلْ ابْنِي بِالْمَاءِ الْبَارِدِ فَتَقْتلهُ. فَانْطَلَقَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ - تعني أخاها - إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِهَا؛ فَتَبَسَّمَ ثُمَّ قَالَ: مَا قَالَتْ طَالَ عُمْرُهَا؟! فَلا نَعْلَمُ امْرَأَةً عُمِّرَتْ مَا عُمِّرَتْ. (12)

خامسا: الدعاء لبُنـَيَّة رافع بن سنان:
ورافع بن سنان صحابي أنصاري أوسي؛ لمَّا أسلم امتنعت امرأته عن أن تـُسلم، وله منها بُنـَيَّة صغيرة، نازعته فيها أمها، فكان دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، الفيصل في ذلك.
وقد روى قصتها أبو داود، والنسائي، والبيهقي في السنن الصغرى - واللفظ له - عن رَافِع بْن سِنَانٍ رضي الله عنه، أَنَّهُ أَسْلَمَ، وَأَبَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ، فَأَتَتْ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَت: ابْنَتِي وَهِيَ فَطِيمٌ. فَقَالَ رَافِعٌ: ابْنَتِي. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِرَافِعٍ: اقْعُدْ نَاحِيَة. وَقَالَ لامْرَأَتِهِ: اقْعُدِي نَاحِيَة. قَالَ: وَأَقْعَدَ الصِّبْيَةَ بَيْنَهُمَا. فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: ادْعُوَاهَا. فَمَالَتِ الصِّبْيَة إِلَى أُمِّهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ اهْدِهَا. فَمَالَتْ إِلَى أَبِيهَا، فَأَخَذهَا رَافِعٌ. (13)
وهذا غيض من فيض آيات الله في إجابة دعوات رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته عامة، أو لبعضها على وجه الخصوص.

وللحديث صلة عن إجابة الله سبحانه دعوات المؤمنين، وذلك في الجزء التالي إن شاء الله.

إجابة الله سبحانه دعوات المؤمنين
ما كان ينبغي لنا أن نغادر هذا الباب، باب الدعاء، حتى نتعرف آيات الله في إجابة بعض دعوات المؤمنين من الصحابة الكرام رضي الله عنهم، أو من التابعين لهم بإحسان على مر الزمان.
وذلك حتى لا يظن ظانّ أنّ خوارق إجابة الدعاء في نوعيتها وفوريتها، مخصوصة بتلك الكوكبة من المصطفين الأخيار الذين اصطفاهم الله لرسالاته واختصهم برحماته من الأنبياء والمرسلين.
وحتى لا يهوّن المسلم من أمر دعائه استبعاداً للإجابة أو يأساً منها، فيحمله ذلك على ترك الدعاء والزهادة فيه.
إن إجابة الدعاء موضع رجاء كل المؤمنين، بل قد أخبرنا الحق سبحانه في القرآن غير مرة أنه يستجيب حتى دعاء الكافرين عندما يدعون ربهم سبحانه في حالة الاضطرار.
وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يحتج على المشركين بأن الله وحده هو الذي يستجيب لهم عند الكروب، فكيف يعبدون معه غيره؟!
فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64)} [الأنعام]
فإذا كان القريب المجيب سبحانه يستجيب حتى دعاء المشركين عند الكروب فيكشفها، أفلا يغرينا ذلك معاشر المؤمنين بأن نستدفع البلاء بالدعاء؟ وما أثقله من بلاء!
وقد أمرنا ربنا بدعائه سبحانه ثلاث مرات في سورة واحدة، (سورة غافر) فقال في أولاها: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14)}
وقال في الثانية: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)}
وقال في الثالثة: {هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65)}
كما قد أثنى الله تعالى على خيار عباده بفضيلة الدعاء، فقال سبحانه: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16)} [السجدة]
وقد جعل الله تعالى من أسباب الفوز بالجنة في الآخرة، الاشتغالَ بالدعاء في الدنيا، فقال سبحانه في وصف مجلس من مجالس أهل الجنة:
{وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28)} [الطور]
فالدعاء مطلب نفيس في ذاته، ومنزلة سامقة من منازل الإيمان، حتى ولو لم يكن العبد في بلاء يستدفعه، فكيف إذا جمع بين فضل الدعاء وكشف البلاء؟!
وقد حوت كتب التاريخ والتراجم أخباراً غزيرة جداً عن دعاء المؤمنين ربهم في المواطن والمناسبات، وعن إجابات الله تعالى العجيبة في فورها ونوعها، مما يُعد كرامات لأولياء الله سبحانه، ودلائل على تولي الله أولياءه المؤمنين بالنصر والتأييد والفتح والتمكين.
ولا مطمع بالإحاطة بكل ذلك، وعليه فإن ما نذكره من ذلك يعتبر غيضاً من فيض، أو شربة من نمير غزير.

دعاء واستسقاء عمر رضي الله عنه .
فمن ذلك دعاء عمر رضي الله عنه عندما أصاب الأمة قحط شديد، في العام الذي يُعرف بعام الرمادة، وذلك في السنة الثامنة عشرة من الهجرة.
نقل الحافظ ابن كثير في تاريخه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك وغيره: أنه لما كان عام الرمادة في آخر سنة سبع عشرة، وأول سنة ثماني عشرة، أصاب أهل المدينة وما حولها جوع فهلك كثير من الناس، حتى جعلت الوحش تأوي إلى الإنس، ..... حتى أقبل بلال بن الحارث المزني فاستأذن على عمر رضي اله عنه فقال: أنا رسول رسولِ الله إليك، يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد عهدتك كـَيـِّسا، وما زلت على ذلك، فما شأنك )؟ قال: متى رأيت هذا؟ قال: البارحة.
فخرج عمر فنادى في الناس: (الصلاة جامعة)، فصلى بهم ركعتين، ثم قام فقال: أيها الناس أنشدكم الله هل تعلمون مني أمرًا غيرُه خير منه؟ فقالوا: اللهم لا، وعمّ ذاك؟ فقال: إن بلال بن الحارث يزعم كذا وكذا.
ففطِنوا ولم يفطن. فقالوا: إنما استبطأك في الاستسقاء، فاستسق بنا.
فقال عمر: الله أكبر، بلغ البلاء مدته فانكشف، ما أذن الله لقوم في الطلب إلا وقد رفع عنهم الأذى والبلاء. ..... وأخرج الناس إلى الاستسقاء فخرج وخرج معه العباس بن عبد المطلب، فخطب وأوجز وصلى ثم جثا لركبتيه وقال: اللهم إياك نعبد وإياك نستعين، اللهم اغفر لنا وارحمنا وارض عنا، اللهم عجزت عنا أنصارنا، وعجز عنا حولنا وقوتنا، وعجزت عنا أنفسنا، ولا حول ولا قوة إلا بك، اللهم اسقنا وأحي العباد والبلاد.
ثم انصرف فما بلغوا المنازل راجعين حتى خاضوا الغدران
.(14)

دعوة البراء بن مالك رضي الله عنه.
وقد كان من المشهورين بإجابة الدعوة البراء بن مالك الأنصاري الخزرجي النجاري رضي الله عنه.
وقد روى الترمذي بسنده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يُؤبه له لو أقسم على الله لأبره، منهم البراء بن مالك) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب (15)
وقد ذكر ابن تيمية في الفتاوى، والحافظ ابن حجر في الإصابة، وغيرهما من المصنفين في التاريخ والصحابة، أنه كان إذا اشتد الحرب على المسلمين في الجهاد يقولون: يا براء، أقسم على ربك. فيقول: يا رب، أقسمتُ عليك لـَمَا منحتنا أكتافهم. فيهزم العدو. فلما كان يوم تـُسْـتـَر من بلاد فارس انكشف المسلمون، فقالوا: يا براء أقسم على ربك. فقال: أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وألحقتني بنبيك. فحمل وحمل الناس معه فقتل مرزبان الزارة من عظماء الفرس وأخذ سلبه فانهزم الفرس، ثم قتل البراء رضي الله عنه (16)

دعوات العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه
ومما وقع للعلاء بن الحضرمي ما ذكره ابن تيمية في الفتاوى، وابن كثير في تاريخه، يرويه عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه غزا مع العلاء ابن الحضرمي، فعطشوا والحر شديد، وعطشت دوابهم، وذلك في يوم جمعة. قال أنس رضي الله عنه: فلما مالت الشمس لغروبها صلى بنا ركعتين، ثم مد يده إلى السماء وما نرى في السماء شيئاً، قال: فو الله ما حط يده حتى بعث الله ريحاً وأنشأ سحاباً، وأفرغت حتى ملأت الغـُدُر والشعاب، فشربنا وسقينا ركابنا واستقينا.
قال أنس: ثم أتينا عدونا وقد جاوز خليجاً في البحر إلى جزيرة(17)، فوقف العلاء رضي الله عنه على الخليج وقال: يا علي يا عظيم، يا حليم يا كريم، ثم قال: أجيزوا بسم الله. قال أنس: فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، فلم نلبث إلا يسيرًا فأصبنا العدو غِـيلة
(18)، فقتلنا وأسرنا وسبينا، ثم أتينا الخليج، فقال مثل مقالته، فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا.
ثم ذكر موت العلاء ودفنهم إياه في أرض لا تقبل الموتى، ثم إنهم حفروا عليه لينقلوه منها إلى غيرها فلم يجدوه، وإذا اللحد يتلالأ نوراً، فأعادوا التراب عليه ثم ارتحلوا، وكان العلاء قد دعا أن لا يروا جسده إذا مات. كما ذكره ابن تيمية.
(19)

دعاء سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
وذلك كما ذكره ابن كثير في خبر فتح المدائن، فقال:
لما فتح سعد رضي الله عنه ( نهرشير) واستقر بها، وذلك في صفر - يعني من السنة السادسة عشرة - لم يجد فيها أحداً ولا شيئاً مما يغنم، بل قد تحولوا بكمالهم إلى المدائن وركبوا السفن وضموا السفن إليهم، ولم يجد سعد رضي الله عنه شيئا من السفن، وتعذر عليه تحصيل شيءٍ منها بالكلية، وقد زادت دجلة زيادة عظيمة واسودَّ ماؤها، ورمت بالزبد من كثرة الماء بها، وأخبـِر سعد بأن كسرى يزدجرد عازم على أخذ الأموال والأمتعة من المدائن إلى حلوان، وأنك إن لم تدركه قبل ثلاث فات عليك وتفارط الأمر.
فخطب سعد المسلمين على شاطئ دجلة، فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر، فلا تخلصون إليهم معه، وهم يخلصون إليكم إذا شاؤوا، فيناوشونكم في سفنهم، وليس وراءكم شيء تخافون أن تؤتوا منه، وقد رأيت أن تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل أن تحصركم الدنيا، ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم.
فقالوا جميعا: عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل.
فعند ذلك ندب سعد الناس إلى العبور ويقول: من يبدأ فيحمي لنا الفِراض - يعني ثغرة المخاضة من الناحية الأخرى - ليجوز الناس إليهم آمنين؟ فانتدب عاصم بن عمرو وذو البأس من الناس قريب من ستمائة، فأمَّر سعدٌ عليهم عاصم بن عمرو، فوقفوا على حافة دجلة فقال عاصم: من ينتدب معي لنكون قبل الناس دخولاً في هذا البحر فنحمي الفراض من الجانب الآخر؟ فانتدب له ستون من الشجعان المذكورين - والأعاجم وقوف صفوفاً من الجانب الآخر - فتقدم رجل من المسلمين وقد أحجم الناس عن الخوض في دجلة، فقال: أتخافون من هذه النطفة؟! ثم تلا قوله تعالى: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً} [ آل عمران:145] ثم أقحم فرسه فيها واقتحم الناس، وقد افترق الستون فرقتين، أصحاب الخيل الذكور، وأصحاب الخيل الإناث.
فلما رآهم الفرس يطفون على وجه الماء قالوا: ديوانا ديوانا. أي مجانين مجانين. ثم قالوا: والله ما تقاتلون إنساً بل تقاتلون جناً.
ثم أرسلوا فرساناً منهم في الماء يلتقون أول المسلمين ليمنعوهم من الخروج من الماء، فأمر عاصم بن عمرو أصحابه أن يُشرعوا لهم الرماح ويتوخوا الأعين، ففعلوا ذلك بالفرس فقلعوا عيون خيولهم، فرجعوا أمام المسلمين لا يملكون كف خيولهم حتى خرجوا من الماء، وأتبعهم عاصم وأصحابه فساقوا وراءهم حتى طردوهم عن الجانب الآخر، ووقفوا على حافة الدجلة من الجانب الآخر، ونزل بقية أصحاب عاصم من الستمائة في دجلة فخاضوها حتى وصلوا إلى أصحابهم من الجانب الآخر فقاتلوا مع أصحابهم حتى نفوا الفرس عن ذلك الجانب.
وكانوا يسمون الكتيبة الأولى: (كتيبة الأهوال)، وأميرها عاصم بن عمرو، والكتيبة الثانية الكتيبة الخرساء وأميرها القعقاع بن عمرو.
هذا كله وسعد والمسلمون ينظرون إلى ما يصنع هؤلاء الفرسان بالفرس، وسعد واقف على شاطئ دجلة.
ثم نزل سعد ببقية الجيش، وذلك حين نظروا إلى الجانب الآخر قد تحصن بمن حصل فيه من الفرسان المسلمين، وقد أمر سعد المسلمين عند دخول الماء أن يقولوا: نستعين بالله ونتوكل عليه، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ثم اقتحم بفرسه دجلة واقتحم الناس لم يتخلف عنه أحد، فساروا فيها كأنما يسيرون على وجه الأرض حتى ملؤوا ما بين الجانبين، فلا يُرى وجه الماء من الفرسان والرجالة، وجعل الناس يتحدثون على وجه الماء كما يتحدثون على وجه الأرض، وذلك لما حصل لهم من الطمأنينة والأمن والوثوق بأمر الله ووعده ونصره وتأييده، ولأن أميرهم سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنه راض، ودعا له فقال: " اللهم أجب دعوته، وسدد رميته " والمقطوع به أن سعداً دعا لجيشه هذا في هذا اليوم بالسلامة والنصر، وقد رمى بهم في هذا اليم، فسددهم الله وسلمهم، فلم يُفقد من المسلمين رجل واحد، غير أن رجلاً واحداً يقال له: (غرقدة البارقي)، زلَّ عن فرس له شقراء، فأخذ القعقاع بن عمروٍ بلجامها، وأخذ بيد الرجل حتى عدله على فرسه، وكان من الشجعان ... ولم يعدم للمسلمين شيء من أمتعتهم غير قدح من خشب لرجل يقال له: (مالك بن عامر)، كانت علاقته رثة فأخذه الموج، فدعا صاحبه الله عز وجل، وقال: اللهم لا تجعلني من بينهم يذهب متاعي. فرده الموج إلى الجانب الذي يقصدونه فأخذه الناس ثم ردوه على صاحبه بعينه.
وكان الفـَرس إذا أعيا وهو في الماء يقيض الله له مثل النشز المرتفع فيقف عليه فيستريح، وحتى إنّ بعض الخيل ليسير وما يصل الماء إلى حزامها، وكان يوماً عظيماً وأمراً هائلاً، وخـَطباً جليلاً، وخارقاً باهراً، ومعجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، خلقها الله لأصحابه رضي الله عنهم، لم يُرَ مثلها في تلك البلاد، ولا في بقعة من البقاع، سوى قضية العلاء بن الحضرمي المتقدمة، بل هذا أجل وأعظم، فإن هذا الجيش كان أضعاف ذلك.
قالوا: وكان الذي يساير سعد بن أبي وقاص في الماء سلمان الفارسي رضي الله عنه، فجعل سعد يقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، والله لينصرن الله وليه ويظهرن الله دينه، وليهزمن الله عدوه، إن لم يكن في الجيش بغي أو ذنوب تغلب الحسنات.
فقال له سلمان: إن الإسلام جديد، ذللت لهم والله البحور، كما ذلل لهم البر، أما والذي نفس سلمان بيده ليَخرجُنَّ منه أفواجاً كما دخلوا أفواجاً.
فخرجوا منه كما قال سلمان لم يغرق منهم أحدا، ولم يفقدوا شيئا.
ولما استقل المسلمون على وجه الأرض خرجت الخيول تنفض أعرافها صاهلة، فساقوا وراء الأعاجم حتى دخلوا المدائن.(20)


دعاء خبيب بن عدي رضي الله عنه.
ومن ذلك إجابة دعوة خبيب بن عدي رضي الله عنه، وكان المشركون قد أسروه في عملية غدر دبرها بعض قبائل العرب، ثم باعوه لأهل مكة ليقتلوه انتقاما لبعض قتلاهم في موقعة أحد.
فلما خرج به المشركون إلى التنعيم ليقتلوه في الحل، قال لهم خبيب: دعوني أصلي ركعتين. فتركوه فركع ركعتين فقال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت. ثم قال: اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تبق منهم أحدا.(21)
وفي بعض روايات هذا الحديث أنه لما استقبل الدعاء، لبد رجل بالأرض خوفا من دعائه. وفيها: فلم يحل الحول ومنهم أحد حي غير ذلك الرجل الذي لبد بالأرض.(22)

دعوة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
ومن ذلك أيضاً دعوة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، على الوالي الظالم ( زياد بن أبيه).
وذلك أن زياداً كان والياً لمعاوية رضي الله عنه على العراق، وقد نال أهلـَها من ظلمه ما نالهم، فكتب زياد إلى معاوية رضي الله عنه يقول له: إني قد ضبطت لك العراق بشمالي ويميني فارغة، فارع لي ذلك.
وهو يُعرِّض له أن يستنيبه على بلاد الحجاز أيضا.
فلما بلغ ذلك أهل الحجاز جاؤوا إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فشكوا إليه ذلك، وخافوا أن يلي عليهم زياد، فيَعسِفهم كما عسف أهل العراق، فقام ابن عمر رضي الله عنهما، فاستقبل القبلة فدعا على زياد والناس يؤمنون.
جاء في دلائل النبوة للبيهقي أن ابن عمر قال في دعائه: « اللهم إنك تجعل في القتل كفارة لمن شئت من خلقك، فموتاً لابن سمية لا قتلاً » .
فطـُعن زياد بالعراق في يده - أي أصابه الطاعون فيها - فضاق ذرعًا بذلك، واستشار شريحًا القاضي في قطع يده، فقال له شريح: إني لا أرى ذلك، فإنه إن لم يكن في الأجل فسحة لقيت الله أجذم قد قطعت يدك خوفا من لقائه، وإن كان لك أجل بقيت في الناس أجذم فيعير ولدك بذلك، فصرفه عن ذلك.
فلما خرج شريح من عنده عاتبه بعض الناس وقالوا: هلا تركته فقطع يده؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المستشار مؤتمن ".(23)

... وذكِـر أن زياداً جمع مائة وخمسين طبيباً ليداووه مما يجد من الحر في باطنه، منهم ثلاثة ممن كان يطب كسرى بن هرمز، فعجزوا عن رد القدر المحتوم والأمر المحموم، ودفن بالثوية خارج الكوفة، وقد كان برز منها قاصدا إلى الحجاز أميراً عليها، فلما بلغ خبر موته عبد الله بن عمر قال: اذهب إليك يا ابن سمية، فلا الدنيا بقيت لك، ولا الآخرة أدركت.(24)

ونظائر ذلك كثير في كل عصر وجيل، ولا مطمع في استقصائه، ومن أراد أن يستزيد فليقرأ شيئاً من ذلك في (الفتاوى لابن تيمية)، عند كلامه على كرامات الأولياء،(25)
وليقرأ في كتاب (حياة الصحابة للكاندهلوي ) باب الدعاء.(26)
وفي كتاب ( سُبُل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد) لمحمد بن يوسف الصالحي الشامي، المعروف بـ: (السيرة الشامية).(27)
فقد جاء في هذه الكتب وفي غيرها من عجائب إجابة الدعاء في هذه الأمة ما تهون عنده العجائب التي تروى عن بني إسرائيل.
وكل ذلك مما يحفز المسلم على الدعاء، ويغريه بالإقبال عليه إقبال الموقن، لا إقبال المتردد الذي يجرب ربه سبحانه، ولا إقبال الملول الذي لا يلبث أن يستبطئ الإجابة فيدع الدعاء، فيحرم نفسه بركة الإجابة كما يحرمها أجر الدعاء.
وقد نهينا عن كلا الأمرين، دعاء المتردد ودعاء الملول.
روى مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِذا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلا يَقُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ. وَلَكِنْ لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ وَلْيُعَظِّمْ الرَّغْبَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ لا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ).(28)
وروى مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أيضاً، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ( لا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: ( يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ).(29)
ومن المعلوم أن الإلحاح على الله بالدعاء من أسباب الإجابة، فإذا رأى العبد أن دعاءه لم يستجب فليحفزه ذلك على المزيد من الدعاء، متحرياً من نفسه شروطه القولية والقلبية.
وما أحسن قول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني لا أحمل هم الإجابة ولكن أحمل هم الدعاء.!

المبحث السادس: أمل، لا قنوط.
لعل من أهم عناصر موقف المسلم من المصائب المتتالية على الأمة، ومن تراجع الأمة المتواصل بخـُطاً واسعة متسارعة، من أهم عناصر الموقف الإيجابي المثالي الذي يجب أن يتحلى به المسلم أن لا يُـشرع أروقة نفسه لرياح القنوط وعواصف اليأس والإحباط لتسكن في صدره وتستعمر نفسه.
أجل، إن اطـّراح القنوط ومدافعة الإحباط من أهم مقومات موقف المسلم في هذه الأزمان.
وذلك أننا نرى من سرعة الانحدار في هاوية الهوان ما لا يكاد يُصدق، إن كان في المجال الاقتصادي والعسكري، أو كان في مجال الفكر والتصور والانتماء، بل حتى على مستوى كينونة الأمة وذاتيتها، واستقلالها في هويتها ووجودها، مما لم يكن المرء يتصوره قبل قليل من الزمان.
وأحيانا ترى من جديد الهوان ما لم تكن تتصوره قبله ببضعة أيام، فكيف إذا ما قارنا الحال بما قبل عقد من الزمان؟!
وإن الانحدار في دركات الهزيمة على هذا النحو من السرعة الذي نرى ونسمع شواهده في كل نشرة أخبار لمِمَّا يُمهد ويوطد لجيوش اليأس والقنوط أن تغزو نفوس المسلمين من خلال أسلحة الإعلام الموجه، المتمثل في الدراسات والتحليلات والتحقيقات التي ترسخ روح اليأس والهزيمة والإحباط .
ولذلك فإننا وفي هذا الظرف بالذات نقول بملء أفواهنا، وملء نفوسنا وقلوبنا: لا لليأس والإحباط.
ولا نقول هذا بمنطق المكابرة أو تجاهل الواقع أو القفز على الحقائق، وإنما نقوله بمنطق اليقين الراسخ بقوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)} [الشرح]
وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: (..... وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا).(30)
هذه حقيقة معروفة ملموسة، لها حضور لافت في ثقافة الأمة وأدبياتها، وقد عبَّر عنها الحكماء بعبارات شتى، فقال بعضهم:

ما بين طرفة عين وانتباهتها ** يغيِّر الله من حال إلى حال.


وألطف منه قول آخر:

ولرُب نازلة يضيق بها الفتى ** ذرعاً وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ** فـُرجت وكنت أظنها لا تفرج


وألطف منهما قول ثالث(31):

وكمْ للّهِ من لطفٍ خفيِّ ** يَدِقُّ خفاه عن فهمِ الذكيِّ
وكم يُسْرٍ أتى من بعدِ عُسْرٍ ** ففرج كُربة القلبِ الشجيِّ
وكم أمرٍ تـُساءُ به صباحاً ** وتأتيكَ المَسرةُ بالعشيِّ
إِذا ضاقَتْ بكَ الأحوالُ يوماً ** فثقْ بالواحدِ الفردِ العليِّ
تشفـَّعْ بالنبي فكل عبدٍ ** يُجار إذا تشفع بالنبي
وَلاَ تَجْزَعْ إذا ما نابَ خَطْبٌ ** فكم للهِ من لُطفٍ خفي


القنوط من رحمة الله ضلال ومأثم عظيم، لما جاء فيه من الوعيد، ولما يورثه من القعود وترك العمل، وترك الأخذ بالأسباب المشروعة.
فأما الوعيد، فلأن الله تعالى قال في حكاية قول إبراهيم عليه السلام: {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ} [الحجر: 56]
وقال سبحانه في حكاية قول يوسف عليه السلام: {إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87]
وناهيك بهذا وعيداً
وأما أن القنوط يورث القعود، فلأن الإنسان إذا فقد الأمل في التصحيح والتغيير الإيجابي، رأى أن المحاولة عبث ومضيعة وقت، وأن من العقل أن لا يحاول، ولا يعمل على إصلاح أو تغيير.
وهذا هو أخطر ما في الأمر، وهذا الذي يحبه العدو ويتمناه، ويجهز له كتائب الدعاية والإعلام والفكر المضلل.
ثم إنّ ما يساند هذه الدعوة إلى نبذ اليأس واطـّراح الإحباط، كثير من الوقائع التي يرى فيها المسلم الفرَج العظيم بعد الشدة الخانقة، أو الرحمة الغامرة بعد اليأس المطبق، أو النصر المبين بعد الهزيمة المنكرة والعجز المهين.
وقد ذكر الله تعالى لنا في الذكر الحكيم نماذج من ذلك، منها ما هو على مستوى الأفراد ومنها ما هو على مستوى الجماعة والأمة، كما نقلت لنا كتب التاريخ وقائع من الفرج بعد الكرب ومن كشف الغمة على مستوى الأمة، مما لا يدع لليأس موطئ قدم في النفوس المؤمنة.

أولاً: نماذج قرآنية:
1- إبراهيم عليه السلام.
فمن النماذج التي حكاها القرآن في ترسيخ مبدأ منافاة الإيمان للقنوط، ما كان من خبر إبراهيم عليه السلام، وقد بشرته الملائكة بولد على كِبَر سنه وعقم امرأته وعجزها، بشرتهما الملائكة بغلام، وسمَّوْه لهما، وبغلام يولد لذلك الغلام، وسمَّوْه لهما.
قال تعالى في حكاية ذلك:
{وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73)} [هود]
وأقل ما قيل في عُمُر إبراهيم عليه السلام وقت البشارة أنه كان ابن مائة سنة. وقيل: كان ابن مائة وعشرين.
وأقل ما قيل في عمر زوجه سارة أنها كانت بنت تسعين سنة. وقيل كانت بنت تسع وتسعين.
ولم تكن سارة وحدها التي تعجبت من تلك البشارة، كما سبق ذكره في الآيات المتقدمة من سورة هود، بل قد أظهر إبراهيم التعجب أيضاً، كما حكت آيات سورة الحجر:
{وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) قَالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (53) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ (56)} [الحجر]
ولم يكن سيدنا إبراهيم عليه السلام قانطاً، حاشاه وهو أبو الحنفاء وأحد أولي العزم، ولكنه تعليم لكل مؤمن أن لا يكون قانطاً من الرحمة والفرج ولو كانت الأسباب ضعيفة أو بعيدة أو معدومة.
ولذلك فإن إبراهيم عليه السلام قد بيَّن بجلاء أنه لم يسأل عن قنوط، بل عن استغراب وتعجب من هذه القدرة الربانية المطلقة.
ولنستمع مرة أخرى: {قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ (56)} [الحجر]
فالقنوط ضلالة تدل على مدى جهالة العبد بقدرة ربه ورحمته سبحانه.
والخليل عليه السلام منزه عن ذلك ولا بد.

2- يعقوب عليه السلام.
وواقعة أخرى من وقائع الفرَج بعد طول الكرب مما ذكره القرآن الكريم، وهي قصة يعقوب عليه السلام وقد فقد ابنه يوسف في واقعة كيدٍ كاده فيها إخوته الذين حملتهم الغيرة من يوسف على أن يلقوه في الجب لتخلص لهم مودة أبيهم - بزعمهم - بعد أن كان يستأثر بها يوسف وأخوه بنيامين.
ثم فقـَد يعقوبُ عليه السلام من بعد يوسف ابنـَه الثاني الأثير لديه (بنيامين) وذلك في واقعة كيد أخرى كادها الله ليوسف هذه المرة بعد أن صار عزيز مصر وصاحب الأمر والنهي فيها.
وبمقتضى ذلك الكيد احتجز يوسف أخاه بنيامين في مصر، مما حال دون عودته إلى أبيه في الشام.
وقد عظـُم حزن يعقوب على ولديه وطال شوقه وبكاؤه حتى فقد بصره. {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف: 84]
ولكنه عليه السلام لم ييأس حتى بعد أن مرت عقود على فقد يوسف.
فكان عليه السلام مدرسة في التمسك بأهداب الأمل ومقاومة القنوط.
قال سبحانه في حكاية قول يعقوب يخاطب أبناءه، بعد أن أبلغوه بفقد ابنه الثاني بنيامين:
{يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87]
ومعنى قوله: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ} أي لا تقطعوا الأمل بالفرَج.
وذلك أن المؤمن في الشدة ما ينفك يرجو الفرَج من الله، في حين يسرع إلى الكافر القنوط.
وقد تحقق ليعقوب عليه السلام مأموله، فقد جمع الله شمله بيوسف وأخيه بعد أن مضى على غيبة يوسف اثنتان وعشرون سنة - على أقل ما جاء في أقوال المفسرين - وقيل: بعد فقد يوسف بست وثلاثين سنة. وقيل: بأربعين سنة. وقيل بثمانين. وقيل بأكثر من ذلك.(32)
ففي هذا القصص الحق ما يرسخ مبدأ التحرر من القنوط واليأس دينياً، وذلك لأن القرآن جعل القنوط من صفات الضالين، كما سبق في قصة إبراهيم: {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ} [الحجر: 56]
وجعل اليأس من صفات الكافرين، كما في قصة يوسف: {وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف



هوامش:
(1) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، بَاب الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ قَطْعًا.
(2) شرح النووي على مسلم، جـ1، ص101
(3) الفرث: هو ما في كرش الذبيحة.
(4) السنن الكبرى للبيهقي، وصحيح ابن خزيمة، والمستدرك للحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، وانظر السيرة الشامية "الجامعة" وسير ابن كثير ومختلف كتب السيرة في وقائع غزوة تبوك، وانظر تفسير ابن كثير والقرطبي والزمخشري وابن الجوزي وسائر التفاسير عند الآية: 117 من سورة التوبة.
(5) مسند أحمد، باقي مسند الأنصار، مُسْنَدُ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وصحيح ابن حبان، كتاب السير، باب الخيل. وانظر السيرة الشامية، أبواب المغازي، الباب الثلاثون في غزوة تبوك.
(6) البخاري، كتاب الجمعة، بَاب تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ فِي الاسْتِسْقَاءِ. ومسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدُّعَاءِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ.
(7) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، بَاب هَلاكِ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ.
(8) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، بَاب قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ.
(9) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام.
(10) صحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب بَيْعِ الْبَعِيرِ وَاسْتِثْنَاءِ رُكُوبِهِ. وانظر صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع ....
(11) دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، رقم الحديث: 372
(12) سنن النسائي، كتاب الجنائز، باب غَسْلُ الْمَيِّتِ بِالْحَمِيمِ. وانظر الأدب المفرد، كتاب الأذكار، باب من دعا بطول العمر، والمعجم الكبير للطبراني، رقم الحديث: 446، ومسند أحمد رقم الحديث: 25756 .
(13) السنن الصغرى للبيهقي، كتاب النفقات، باب أي الوالدين أحق بالولد. وانظر سنن أبي داود، كتاب الطلاق، باب إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الأَبَوَيْنِ مَعَ مَنْ يَكُونُ الْوَلَدُ؟ وسنن النسائي الكبرى، كتاب الفرائض، باب الصبي يسلم أحد أبويه.
(14) البداية والنهاية لابن كثير، جـ7 ص97
(15) سنن الترمذي، كتاب المناقب، مناقب البراء بن مالك رضي الله عنه.
(16) انظر الإصابة، ترجمة البراء رضي الله عنه، ومثله في الاستيعاب، وفي أسْد الغابة. والفتاوى لابن تيمية جـ11، ص77. والخبر رواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.
(17) هي جزيرة دارين المعروفة على الخليج العربي قرب سواحل القطيف، كما ذكره ابن كثير في مواضع من تاريخه.
(18) المراد بالغيلة هنا: الخدعة في الحرب.
(19) انظر فتاوى ابن تيمية، جـ11، ص278، والبداية والنهاية لابن كثير، السنة الحادية عشرة، وكتاب دلائل النبوة فيها، جـ6، ص536 و ص646 ط دار المعرفة
(20) البداية والنهاية لابن كثير، أحداث سنة ست عشرة جـ7، ص69 ط دار المعرفة.
(21) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب فضل من شهد بدراً.
(22) فتح الباري لابن حجر، ط: دار المعرفة، جـ7، ص383.
(23) هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، جميعهم من حديت أبي هريرة رضي اللّه عنه.
(24) البداية والنهاية لابن كثير، جـ8، ص455
(25) الفتاوى، جـ11، ص276 وما بعدها.
(26) حياة الصحابة، الباب الخامس عشر، باب دعوات الصحابة. جـ3، ص325 وما بعدها.
(27) السيرة الشامية، جماع أبواب معجزاته صلى الله عليه وسلم بإجابة دعواته.
(28) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء، بَاب الْعَزْمِ بِالدُّعَاءِ
(29) صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء، بَاب بَيَانِ أَنَّهُ يُسْتَجَابُ لِلدَّاعِي مَا لَمْ يَعْجَلْ .
(30) مسند الإمام أحمد، بِدَايَة مُسْنَد عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، الحديث رقم 2666
(31) الأبيات في الديوان المنسوب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ونسبها الحافظ ابن حجر في (الدرر الكامنة) إلى ابن البصيص نجم الدين المجود، حموي توفي سنة 716هـ . قلت: وهو أشبه. والله أعلم .
(32) انظر تفسير الطبري والقرطبي وابن كثير، سورة يوسف، الآية: 100


بقلم: إبراهيم يوسف منصور

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...