موقف المسلم من مصائب الأمّة (19)

موقف المسلم من مصائب الأمّة (19)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ٢٥ محرم ١٤٤٨ هـ - ١٠ تموز ٢٠٢٦
55

نماذج من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، وإجابة الله تعالى له:

دعاؤه صلى الله عليه وسلم بالنصر في الحرب.
وأول ما يطالعنا من ذلك دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنصر يوم بدر، كما أخرجه مسلم في صحيحه بسنده عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَة عَشَرَ رَجُلا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَة، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَة مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ لا تُعْبَدْ فِي الأَرْض. فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ} فَأَمَدَّهُ اللَّهُ بِالْمَلائِكَةِ.
قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ - وهُوَ سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ، أحد رجال سند الحديث -: فَحَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذ سَمِعَ ضَرْبَة بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ. فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ. فَجَاءَ الأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: (صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ) فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ(1)

ويوم الأحزاب الذي انجلى عن نصر رباني باهر دون أن يكون للمسلمين فيه كر ولا فر، وإنما هو الدعاء الذي جاء خبره في الصحيحين وغيرهما، عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما قال: دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم الأحزاب على المشركين فقال: (اللهم منزل الكتاب سريع الحساب، اللهم اهزم الأحزاب اللهم اهزمهم وزلزلهم)(2)
وفي مسند الإمام أحمد من حديث جَابِرِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا فِي مَسْجِدِ الْفَتْحِ ثَلَاثًا؛ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَيَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، فَاسْتُجِيبَ لَهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، فَعُرِفَ الْبِشْرُ فِي وَجْهِهِ. قَالَ جَابِرٌ فَلَمْ يَنْزِلْ بِي أَمْرٌ مُهِمٌّ غَلِيظٌ إِلَّا تَوَخَّيْتُ تِلْكَ السَّاعَةَ فَأَدْعُو فِيهَا فَأَعْرِفُ الْإِجَابَةَ. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والبزار ورجال أحمد ثقات. اهـ
فهزم الله الأحزاب بجند من عنده، دون أن يباشر المؤمنون قتالاً، وإنما كان نصراً ربانياً بادياً غير مستور بشيء من أعمال البشر وأسبابهم، اللهم إلا الدعاء.
ولقد امتن الله سبحانه على المؤمنين بذلك النصر والفرج الجلي من تلك الشدة الخانقة المطبقة، فقال سبحانه في الأحزاب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا (11)} [الأحزاب]
وفي موضع آخر من السورة يبين سبحانه كيف أنه تولى النصر بنفسه، وتولى بنفسه سبحانه رد المشركين من الأحزاب، وتولى بنفسه سبحانه إذلال بني قريظة بالأسر، وإذعانهم للقتل، وتولى بنفسه سبحانه تمليك المسلمين حصن بني قريظة وأراضيَهم، فقال سبحانه: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (27)}
إن اليقين الراسخ بهذه الحقيقة من أهم حيثيات الحث على الدعاء والتحريض عليه.

دعاؤه صلى الله عليه وسلم، على المشركين بمكة:
وكان الله قد عَوَّد رسوله صلى الله عليه وسلم إجابة دعائه من قبل منذ كان في مكة. فكان ربما يثقل عليه البلاء ويشتد الإيذاء، ويتجاوز المعتاد، فيدعو رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فيستجيب الله الدعاء، ويكشف البلاء والإيذاء.
روى الشيخان عَنْ عبد الله بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالأَمْسِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلى جَزُور بَنِي فُلانٍ فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ على ظهر مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ [وَهُوَ عُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْطٍ، كما جاء مصرحا به في موضع آخر في الصحيحين] فَأَخَذهُ. فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفيْهِ. قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ - وفي رواية البخاري: (فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) - وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ. لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَة، فَجَاءَتْ وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تشتمُهُمْ. فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ؛ وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلاثًا وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلاثًا؛ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ. ثَلاثَ مَرَّاتٍ. فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمْ الضِّحْكُ وَخَافُوا دَعْوَتَهُ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَة، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ ابْنِ أَبِي مُعَيْطٍ. [قال التابعي أبو إسحاق السَّبِيعي أحد رواته] وَذكَرَ السَّابِعَ وَلَمْ أَحْفَظْهُ. قال ابن مسعود: فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ.(3)

وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش مرة أخرى جاء ذكرها في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قريشا إلى الإسلام فأبطؤوا عليه، فقال: (اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف). فأخذتهم سَنة، فحصَّتْ(4) كل شيء حتى أكلوا الميتة والجلود، حتى جعل الرجل يرى بينه وبين السماء دخاناً من الجوع. قال الله عز وجل {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين . يغشى الناس هذا عذاب أليم}. قال: فدعَوا: {ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون}. قال: فكُشِف. ثم عادوا في كفرهم، فأخذهم الله يوم بدر.(5)

هذا، ومن عجائب إجابة الله رسوله صلى الله عليه وسلم في دعائه على بعض من أفحش عليه في العداوة والأذى، ما ذكره جُلُّ أهل التفسير والمصنفون في الخصائص والمعجزات النبوية، وبعض أهل السنن، وأهل الغريب وشراح الحديث، بل وأهل المصنفات الفقهية، أن عتبة بن أبي لهب - وكانت تحته ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم - أراد الخروج إلى الشام، فقال: لآتين محمدا فلأوذِينـَّه. فأتاه فقال: يا محمد، هو كافر بالنجم إذا هوى وبالذي دنا فتدلى. ثم تفل في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردَّ عليه ابنته وطلقها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم سلط عليه كلبا من كلابك) فرجع عتبة إلى أبيه فأخبره.
ثم خرجوا إلى الشام فنزلوا منزلاً، فأشرف عليهم راهب من الدير فقال لهم: إن هذه أرض مَسبَعة. فقال أبو لهب لأصحابه: أعينونا يا معشر قريش، فإني أخاف على ابني دعوة محمد. فجمعوا جمالهم وأناخوها حولهم وأحدقوا بعتبة.
فجاء الأسد يشتمُّ وجوههم حتى ضرب عتبة فقتله.(6)
وقد كان ابن أبي لهب هذا يكنى: أبا الواسع.
وفي تلك الحادثة قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:

سائل بني الأصفر إن جئتهم ** ما كان أنباء أبي الواسع
لا وسع الله له قبره ** بل ضيق الله على القاطع
رحم نبي جده جده ** يدعو إلى نور هدى ساطع
فاستوجب الدعوة منه بما ** بُيِّن للناظر والسامع
أن سلط الله بها كلبه ** يمشي الهُوينى مشية الخادع
حتى أتاه وسط أصحابه ** وقد علتهم سِنة الهاجع
فالتقم الرأس بيافوخه ** والنحر منه فغرة الجائع
أسلمتموه وهو يدعوكم ** بالنسب الأدنى وبالجامع
والليث يفريه بأنيابه ** منعفرًا وسط الدم الناقع
لا يرفع الرحمن مصروعكم ** ولا يوهِّن قوة الصارع
من يرجع العام إلى أهله ** فما أكيل السبع بالراجع
قد كان فيه لكم عبرة ** للسيد المتبوع والتابع
من عاد فالليث له عائد ** أعظم به من خبر شائع.
(7)

دعاؤه صلى الله عليه وسلم لأعدائه.
هذا، وكما قد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض من أوغل وبالغ في العداوة والأذى فاستجيب له، فقد دعا صلى الله عليه وسلم لبعض أعدائه ومناوئيه فاستجيب له أيضاً.
فمن المعلوم في السيرة أنَّ ثقيفاً آزرت هوازن ضد النبي صلى الله عليه وسلم في حنين، فلما هزمهم الله عز وجل، دخلتْ ثقيف حصن الطائف. وتعقبهم النبي صلى الله عليه وسلم بجيشه فوجدهم قد تحصنوا بحصونهم، فضرب عليهم الحصار نحوًا من عشرين ليلة ولم يؤذن له بالفتح، وكانت ثقيف قد أعدوا من المؤن ما يكفيهم سنة، وأقاموا الرماة على أسوار الحصن يرمون المسلمين.
فلما لم يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم انصرف عنهم، فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله، أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم. قال: (اللهم اهد ثقيفا). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. (8)
وقد جاء الخبر في طبقات ابن سعد بلفظ: (اللهم اهد ثقيفا وائت بهم.) (9)
فاستجاب الله تعالى دعاءه لثقيف، فجاء بهم سبحانه، وأخذ بنواصيهم إلى الحق طائعين ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أهل السير: قدم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بنحو من عشرة أشهر، وذلك في رمضان من السنة التاسعة، بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من تبوك، جاؤوا فبايعوا على الإسلام، وأنزلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ليكون أرق لقلوبهم؛ كما جاء في سنن أبي داود وغيرها.(10)

وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك لقبيلة دوس قوم أبي هريرة رضي الله عنه.
وكان قدم منهم الطفيل بن عمرو الدوسي، على النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم، ثم بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى قومه داعياً إلى الإسلام، فقال الطفيل للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل لي آية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم نوِّر له. فسطع له نور بين عينيه فقال: أخاف أن يقولوا: مُثلة. فتحول النور إلى طرف سوطه وكان يضيء في الليل المظلم. وكان يقال للطفيل: ذو النور. كما ذكره الحافظ في الفتح.(11)
فذهب الطفيل إلى قومه بتلك الآية البينة، فأسلم أبوه ولم تسلم أمه، وأجابه من قومه أبو هريرة وحده.
فرجع الطفيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو قومه ويستعديه عليهم، فقال: إن دوسا قد هلكت، عصت وأبت فادع الله عليهم . فقال صلى الله عليه وسلم: (اللهم اهد دوساً وائت بهم). متفق عليه(12)
ثم استجاب الله دعاء رسوله صلى الله عليه وسلم، فجاءه وفد دوس في عام الوفود، وهو العام التاسع، فبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام.
وقد أورد البخاري رحمه الله، حديث وفد دوس في كتاب الجهاد والسِّيَر من صحيحه تحت باب قال فيه: [ باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم]. وهو الباب التاسع والتسعون من كتاب الجهاد والسِّيَر.
وكان قد قال في الباب السابع والتسعين: [باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة]. وقد سبقت الإحالة إلى ذلك الباب في ثنايا الصفحات القليلة الماضية.
قال الحافظ ابن حجر: [وقوله: (ليتألفهم) من تفقه المصنف، إشارة منه إلى الفرق بين المقامين، وأنه صلى الله عليه و سلم كان تارة يدعو عليهم وتارة يدعو لهم، فالحالة الأولى حيث تشتد شوكتهم ويكثر أذاهم، كما تقدم في الأحاديث التي قبل هذا بباب، والحالة الثانية حيث تؤمَن غائلتهم ويُرجى تألفهم كما في قصة دوس] اهـ.(13)

هذا، ومعلوم من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كما دعا على أناس من قومه لشدة أذاهم فاستجيب له كما سبق، فإنه صلى الله عليه وسلم قد دعا لعامة قومه فقال: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون). وقد استجاب الله له ذلك، فدخلوا يوم فتح مكة في دين الله أفواجاً.

وأما وقائع استجابة دعائه صلى الله عليه وسلم لأصحابه، فموعدها الجزء التالي إن شاء الله.



هوامش:
(1) صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسِّيَر، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر.
(2) البخاري في مواضع، منها: كتاب الجهاد والسِّيَر، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة . ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو.
(3) البخاري. كتاب الوضوء، باب إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته.... ومسلم. كتاب الجهاد والسير، باب مَا لَقِي النَّبِي صلى الله عليه وسلم مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ.
(4) أي أذهبت كل شيء. وأصل الحَصّ: إذهاب الشعر عن الرأس بحلق أو مرض.
(5) البخاري في مواضع من كتاب التفسير من صحيحه، منها تفسير سورة الدخان. ومسلم، في كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب الدخان.
(6) رواه أبو نعيم في دلائل النبوة، الباب السادس والعشرين. والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الحج، باب ما للمحرم قتلهُ مِنْ دَوَابِّ الْبِرِّ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ. والطبراني في معجمه في ترجمة رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه الحاكم في المستدرك في تفسيره سورة المسد، وسماه: لهب بن أبي لهب، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وانظر مختلف التفاسير في تفسير سورة المسد، أو أول النجم، أو الكهف(18) أو المائدة (4).
(7) ديوان حسان بن ثابت، وانظر: إمتاع الأسماع بما للنبي صلى الله عليه وسلم من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع. للمقريزي
(8) سنن الترمذي، كتاب المناقب، مناقب ثقيف وبني حنيفة.
(9) انظر طبقات ابن سعد، غزوة رسول الله، صلى الله عليه وسلم الطائف
(10) انظر سنن أبى داود، كتاب الخراج باب مَا جَاءَ فِي خَبَرِ الطَّائِفِ. وسنن البيهقي الكبرى، كتاب الحيض. باب المشرك يدخل المسجد غير المسجد الحرام، ومسند أحمد، مسند الشاميين، حَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
(11) انظر فتح الباري لابن حجر، جـ8، ص101
(12) البخاري، كتاب الجهاد والسِّيَر، باب الدعاء للمشركين بالهدى ليتألفهم، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب مِنْ فَضَائِلِ غِفَارَ وَأَسْلَمَ وُجُهَيْنَةَ ...
(13) فتح الباري، جـ6 ص108


بقلم: إبراهيم يوسف منصور

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...