موقف المسلم من مصائب الأمّة (13)

موقف المسلم من مصائب الأمّة (13)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ٦ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ - ٢٢ أيار ٢٠٢٦
153

علاج القرآن لهذا الباعث:
وقد عالج القرآن الكريم هذا النوع من موالاة الكافرين، أو هذا الباعث على موالاتهم، في غير موضع من سُوَره، على نحو من التوبيخ على هذه الموالاة، والتسفيه لها، والتضليل بسببها، والوعيد الشديد عليها، كالذي نقرؤه في قول الله عز وجل في التوبة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)}.
ولم يكن المخاطبون بهذا منافقين ولا شاكِّين، وإنما كانوا مؤمنين، بدليل خطابهم بالإيمان في أولى الآيتين، ولكنهم لما وجدوا أن الإيمان يقتضيهم أن يهاجروا، رعاية لمصلحة العقيدة والدعوة والجماعة المؤمنة، رأوا أنَّ الهجرة تكلفهم فراق أهليهم، والنأي عن ديارهم وأوطانهم، وخسارة أموالهم وأمتعتهم، وفوات مصالحهم الدنيوية.
فجاء القرآن يحذرهم أن يؤثروا مصلحة دنياهم وأرزاقهم وأهليهم على مصلحة دينهم وأمتهم.
فكانت الهجرة تجسيدٍا لمبدأ البراء والمفاصلة بين المؤمنين وبين أعداء الدين، ليس في الدين فحسب، بل حتى في المحبة والمعايشة والمساكنة في الدور والأوطان.

وفي مناسبة أخرى، وفي خلال تكوين البُنـْية الإيمانية والسلوكية للمؤمنين عَبْر عُمُر الوحي، جاء التحذيرُ من تقديم المسلم مصالحه الخاصة على المصلحة العامة لأمته ودينه، بل والتحريضُ على معاداة ومجافاة أعداء الملة، ومكافأتهم بنحو صنيعهم، وذلك في قوله سبحانه في مطلع الممتحنة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3)}.
وفي الآيات كما هو واضح، عتاب شديد ونهي أكيد عن موالاة أعدائنا، ولهجة قوية صارمة، تدعونا بإلحاح إلى أن نتقرب إلى الله تعالى بمعاداة الكافرين الذين يعادوننا، بأن نبغضهم بقلوبنا، وندفع ونقاوم عداوتهم بقوتنا وعُدتنا.
جاء في الصحيحين في سبب نزول صدر سورة الممتحنة، أن الصحابي البدري حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، لما أحس بأن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يغزو مكة غزوة الفتح، كتب في السر كتابًا أرسله إلى أهل مكة مع امرأة من أهل مكة كانت خارجة إليها من المدينة، فجاء الوحي يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بخبر كتاب حاطب.
وهذا أحد ألفاظ البخاري، عن علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها) قال: فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا لها: أخرجي الكتاب. قالت: ما معي كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. قال: فأخرجته من عقاصها، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا حاطب ما هذا؟). قال: يا رسول الله لا تعجل عليّ، إني كنت امرأً ملصقاً في قريش - يقول: كنت حليفا - ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدًا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما إنه قد صدقكم). فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله قد اطلع على من شهد بدرًا فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فأنزل الله السورة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ - إلى قوله: - فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ}.(1)
وانظروا إلى هذا الزجر والوعيد على تلك الموالاة، بقوله: {ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل}، هذا مع أن حاطبًا رضي الله عنه لم يفعل ذلك بباعث كفر ولا نفاق، كما شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث المتقدم: (أما إنه قد صدقكم) بل قد شهد له الحق سبحانه حين صدر الخطاب بلفظ الإيمان، فقال: {يا أيها الذين آمنوا}.
قال القرطبي في تفسيرها: وذُكر أن حاطبًا لما سمع {يا أيها الذين آمنوا} غشي عليه من الفرح بخطاب الإيمان. اهـ.(2)
وإنما فعله حاطب من أجل مصلحة خاصة رآها فحسبْ، وليس وراء تلك المصلحة المظنونة شيء من مَيْل ولا مودة حقيقية، وذلك أنّ الله تعالى قال: {تلقون إليهم بالمودة} يعني أنّ ظاهر ما في كتاب حاطب يوهم المشركين أنه يوادّهم، وأما حقيقة ما في قلبه فلا.
وذلك أنّ الله تعالى لم يقل[ توادّونهم] وإنما قال:{تلقون إليهم بالمودة} قال القرطبي في تفسيرها: يعني بالظاهر، لأن قلب حاطب كان سليمًا بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: (أما صاحبكم فقد صدق) وهذا نص في سلامة فؤاده وخلوص اعتقاده. اهـ.(3)
بل قد أورد بعض المفسرين أن نص كتاب حاطب رضي الله عنه: [أما بعد، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إليكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، وأقسم بالله لو لم يَسِرْ إليكم إلا وحده لأظفره الله بكم وأنجز له موعده فيكم، فإن الله وليه وناصره].(4)

أقول: فإذا كان كل هذا التأنيب والوعيد على فعل حاطب، مع حسن نيته وصلاح طويته وعلو رتبته، لأنه من البدريين، فكيف بمن يفعل مثل ذلك وأكثر، ولكن ليس بباعث منفعة دنيوية فحسب، ولكن بسبب فساد الطوية وخبث النية، وإضمار الكراهية للدين والأمة، وإضمار المودة لكل عدو لله ورسوله ودينه. وهو موضوع العنوان التالي:

الباعث الثاني: قلبيٌ عقديٌ.
وذلك بأن تكون مودة الكافرين وموالاتهم ومناصرتهم على المسلمين ناشئة عن بغض للحق وأهله، يفضي بصاحبه إلى كراهية الإسلام، وإلى السرور بانكسار وانحسار المسلمين، والامتعاض والغيظ من ظهورهم وانتصارهم.
ولا شك أن هذا الباعث شر من الموالاة المنكورة بالباعث الأول.

وهلم فلنتناول ذلك من خلال النقاط الآتية:

أولاً: حكمه:
الأخطر في هذا الباعث أنه يكون ناشئاً عن ردة صريحة، أو عن نفاق اعتقادي مستحكم في القلب، يُسره صاحبه ويكتمه، ولكن دلائله تبدو بين الحين والحين على فلتات اللسان أو قسمات الوجه، أو في القرارات والمواقف.
وهذه أيضاً ردة، وإن لم تكن معلنة.
وقد ظهر هذا النوع من الولاء الخطير أول ما ظهر، من المنافقين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، الذين ضاقت صدورهم ذرعاً بالإسلام، وضعفت قوتهم عن المجاهرة بذلك، خوفاً منهم على دمائهم أن تهدر، وعلى أموالهم أن تغنم، إن هم استعلنوا بالوقوف في صف قريش وأعوانها ممن حاربوا النبي صلى الله عليه وسلم وناصبوه العَداء.
فما كان منهم إلا أن أظهروا إسلامًا يستظلون بمظلته، ويعصمون به دماءهم وأموالهم، ويحلفون على ذلك الأيمان الكاذبة في العلن، في الوقت الذي كانوا فيه يبنون في الخفاء جبهة داخلية وقوة خفية تصد الناس عن الحق بالتلبيس وبث التشكيك والتثبيط وإثارة الشبهات، وتنسق سراً مع كل عدو للمسلمين، إن كان من أهل الشرك في مكة، أو من اليهود في المدينة، أو من النصارى في الشام، يستعدُونهم على الإسلام، ويُغرونهم بغزو المدينة واستئصال شأفة الإسلام منها، ويَعِدونهم الموالاة والإمداد بالمال والرجال والعتاد.
وما فتئت تلك الطائفة المنافقة الضالة المضلة تدبر الكيد والمكر في الخفاء، وتوجه إلى الأمة الإيذاء تلو الإيذاء كلما سنحت الفرصة.
فمرة بإغراء العداوة والبغضاء فيما بين المهاجرين والأنصار، ومرة باستهداف حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ومرة بخذلان المسلمين في أحرج الساعات والمواقف حين ينسحبون من الصف ويتولون يوم الزحف، ومرة، بل مراراً بموالاة أعداء الأمة، وتحريض أولئك الأعداء على الفتك بالمسلمين مع الوعد بالنصرة، والدلالة على الثَّغرة والعورة، يبتغون بذلك برد أكبادهم وشفاء غيظهم من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ودعوته التي غدت شجىً في حلوقهم ومِرجلاً يغلي في صدورهم، وكم قد هموا بما لم ينالوا.
وحسبك هذا دليلاً على كفر من كان هذا شأنه.
أجل إنه الكفر الصريح، فمن كان يظن أنه يستطيع أن يجمع بين الإسلام وبين كره المسلمين وكره دينهم، وموالاة عدوهم عليهم، فهو في الحقيقة يريد أن يجمع بين كفر وإيمان، وهو محال، لأنهما نقيضان، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، فإما كفر وإما إيمان.
ومن كان يحرِص على أن يُعَدَّ من جماعة المؤمنين، فليتحرر من تلك المشاعر المعادية للأمة ودينها، والموالية لأعدائها وظالميها، فإن تلك المشاعر لا تجتمع مع الإيمان في قلب واحد.

وأما من كان أحرص على شفاء غيظه وحقده على المسلمين أو بعضهم، بموالاة عدوهم عليهم ظلماً وعدواناً، غير آبه بحق الدين وحق الأخوة فيه وحق الموالاة بين المسلمين، فقد حكم على نفسه بمفارقة الجماعة، ونزع نفسه من الملة أو كاد.
ولسنا إذ نقرر ذلك مغالين ولا متطرفين ولا متشددين، وإنما نقرر ما قرره القرآن بصريح البيان، وواضح الإشارة وصريح العبارة، من كـُفـْر الذين يوالون غير المسلمين هذه الموالاة على طريقة المنافقين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.
وهلم فلننظر في أدلة هذا الحكم من خلال الفقرة التالية.

ثانياً: الاستدلال على الحكم:
لقد قرر القرآن وكرر أن الموالاة لا تبذل من المسلم إلا للمسلم، وأما غير المسلم فلا موالاة بينه وبين المسلمين بحال، وهذا من مسلّمات الدين كما أنه من بدائه العقول، لأن موالاة الفريقين جمع بين النقيضين، لا يقره العقل، ولا النقل.
ولذلك فقد كثر في القرآن، الوعيد والتشنيع على موالاة غير المسلمين، والتصريحُ أو التلميحُ إلى كفر من يفعل ذلك، في كل من سورة النساء والأنفال والتوبة والعنكبوت والمجادلة والحشر والممتحنة والمائدة وغيرهن.
قال تعالى في النساء: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139)}
وقال فيها أيضاً: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144)}
وقال في الأنفال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ...( 72)}
وقال فيها أيضاً: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73)}
وقال في التوبة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23)}}.
وقال فيها أيضاً: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)}
وقال في العنكبوت: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42) وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ (43)}

وقال في المجادلة: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)}
وقال في الحشر: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11)}
ثم ضرب لهؤلاء المنافقين وأوليائهم من الكافرين مثلا سيئاً فقال في نفس سورة الحشر: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17)}
وقال في المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)}
ولأن هذه الآيات من المائدة من أطول الآيات في هذا الموضوع، وأكثرها بسطاً وتفصيلاً لهذه القضية، فإننا نحب أن نقف عندها لنرى دلالتها على كفر مَن وَالَى غير المسلمين، وذلك من أربعة وجوه:

الوجه الأول: في صريح قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ، بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}. فإنها صريحة في أن تلك الموالاة المحظورة نقلت صاحبها من هؤلاء إلى هؤلاء.

الوجه الثاني: في قوله تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ}. يعني في موالاتهم. ومرضُ القلوب المشار إليه هو مرض النفاق، والنفاق القلبي كفر لا شك فيه. كيف لا وقد قال الله سبحانه عن أهله: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [التوبة: 68]
بل إن المنافق المستتر بإيمان مزعوم، شرٌّ على أهل الإسلام من الكافر المجاهر، ولذلك كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار، لأنهم جمعوا بين سيئتين، الكفر والنفاق.

الوجه الثالث: في قوله تعالى: {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} وإحباط جميع الأعمال الصالحة إنما يكون بالخروج من الملة وبطلان الإيمان، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة: 5]
وقال تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88]
فلما دلت الآية على أن موالاة غير المؤمنين التي يسارع إليها المنافقون، تحبط الأعمال، علمنا بأن ذلك النفاق وتلك الموالاة لاحقان بحكم الكفر.

الوجه الرابع: أنه سبحانه أتبع آيات النهي عن موالاة أعداء الله والتحذير منها، بالتحذير من الردة، مما يشير إلى أن تلك الموالاة إذا وقعت من المسلم كانت ردة محبطة للعمل، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ....} ثم شرع سبحانه في بيان صفات أولئك القوم الذين يحبهم ويحبونه، فإذا هي تحقيق لمبدأ الولاء والبراء. {.. فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ... }
وواضح أن في ذكر الردة في مقابلة الموالاة لله ورسوله والمؤمنين، إشارةً جلية إلى أن في التفريط في مبدأ الولاء والبراء من الخطورة ما يبلغ بصاحبه حد الردة. والعياذ بالله من ذلك.

ثالثاً: وقائع ومقارنات:
لقد كثر في القرآن تقرير قضية الولاء والبراء، والتحذير من موالاة الكافرين وخِذلان المؤمنين، ومن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين تحت طائلة الحكم بالردة والخروج من الملة، مما رسّخ في نفوس المؤمنين أن القضية من مسائل الاعتقاد وليست من فروع الأحكام، وأن المغامرة في مخالفتها مجازفة في الدين من أصله.
وماذا بقي من الدين لمن خذل المؤمنين في مواجهة الكافرين، بل وَالَى الكافرين المعتدين في قتال المسلمين، فضم سيفه إلى سيوفهم، ونبله إلى نبالهم ليرموا أمة الإسلام عن قوس واحدة؟!

ولسنا - إذ نقول ذلك - نسقط هذه الأحكام من الردة والتكفير على أحد بعينه. معاذ الله. ولكننا نقرر أحكاماً وقواعد عامة، يَعرض كل مسلم عليها نفسه وهو يتحرى موقفه مما يجتاح الأمة من شراسة الأعداء وتخاذل الأبناء، واحتدام الفتن واختلاط الرؤى واضطراب الولاءات، ليكون في مأمن من مخالفة عقدية بهذا الحجم وتلك الخطورة.
إن خطر الخلل في مبدأ الولاء والبراء، على الدين والعقيدة أمر معلوم وقناعة راسخة، ولقد رأينا أثر رسوخ هذه القناعة الإيمانية عند المؤمنين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وممن تبعهم بإحسان، وذلك من خلال الحظر المطلق والمنع التام من موالاة الكافرين على المسلمين، أو الاستنصار بالكافرين على المسلمين، حتى عندما تقع العداوة ويقع الاحتراب بين طائفتين من المؤمنين.
وبالمقابل، فإنه لا أثر لهذه القناعة عند المنافقين الذين لبسوا ظاهر الإسلام ليواروا باطن الكفر الذي ما يلبث أن يظهر خـَفِيّـُه وينكشف مستوره عندما يستشعر أولئك المنافقون الاستقواء بالأعداء على أهل الإسلام، وعندئذ تبدو العداوة في أقوالهم وأفعالهم، لتكون غيضاً من فيض العداوة التي تضطرم في صدورهم، كما وصفهم العليم الخبير وفضح دقائق خفايا نفوسهم وخواطرهم فقال سبحانه في سورة الحشر: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11)}
وقال سبحانه عنهم في آل عمران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)}

وقد أحببت هنا أن أورد وقائع متباينة، لنرى حال مبدأ الولاء والبراء عند كل من المؤمنين والمنافقين. وذلك في الجزء التالي إن شاء الله.


هوامش:
(1) البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الفتح، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أهل بدر.
(2) تفسير القرطبي، أول سورة الممتحنة.
(3) تفسير القرطبي، أول سورة الممتحنة.
(4) تفسير القرطبي، جـ18 ص50، وروح المعاني للألوسي، جـ28 ص66.


بقلم: إبراهيم يوسف منصور

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...