موقف المسلم من مصائب الأمّة (12)

موقف المسلم من مصائب الأمّة (12)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ - ١٥ أيار ٢٠٢٦
163

المثال الثالث: عالَم المال.
ما أكثر ما يوالي المسلمون - مِن حيث يشعرون أو لا يشعرون - مَن أوجب الله معاداتَهم والبراءة منهم، مِن الذين يقاتلون المسلمين في الدين، ويخرجونهم من ديارهم، ولا يألونهم خبالاً!، ما أكثر ما يتجاوز المسلمون هذا المبدأ في مجالَي المال والأعمال!
فأما في مجال المال، فأين فائض أموال رجال المال والأعمال، التي حباهم الله إياها وتفضل عليهم بها؟!
لماذا تكون وجهتها دائمًا بلاد الغرب، إلى أيدي وخزائن أساطين العداوة على الدين والأمة والثروة؟!
لقد كشفت الأحداث الهائلة، العسكرية والأمنية التي هزّت استقرار الغرب وأمنه، والأزمة المالية الكارثية التي أعقبت ذلك، كشفت عن حقائق مذهلة ومحزنة ومحبطة، عن حجم الأموال الإسلامية المستثمرة في بلاد أعداء الإسلام، والتي بها تدار عجلة اقتصادهم ومصانعهم ورفاهيتهم.
ويَحزن المسلمُ حقاً ويكتئب، وهو يسمع عن آلاف المليارات من أموال المسلمين أفرادًا ومؤسسات ودولاً، التي تستوطن بلاد الغرب، وتـُحرَم منها ومن عوائدها الأمة، وهي أحوج ما تكون إليها.
وإن الباحث المتتبع لإحصاءات وأرقام أموال المسلمين في الدول الغربية ليصل إلى قناعة جازمة بأن كل ما نراه في الغرب من تقنية الصناعة، وتقنية القوة، وتقنية الخدمات، والبراعة في العمران، وغير ذلك مما يبهر الناظرين إنما هو حسن إدارتهم واستثمارهم لتلك الأموال الطائلة الهائلة من أموال المسلمين التي تتدفق إلى بنوكهم طواعية أو شبه طواعية.
إن حضارة الغرب اليوم هي - في جانب كبير منها - ثمرة التقاء الأموال الإسلامية والخامات والثروات الإسلامية، مع العقلية العلمية الغربية؛ بل أقول بعبارة أدق: مع العقلية العلمية التي تستوطن الغرب.
ولو كان المسلمون شركاء في المنافع كما كانوا شركاء في الخامات والتمويل، لو كانوا شركاء في المغنم كما أنهم شركاء في المغرم لهان الخطب، وكان لهم في ذلك عزاء.
فأما أن يشترك المسلمون بهذا الشكل الفعال والمؤثر في الحضارة الغربية، ثم يستقل الشركاء الغربيون بجني منافعها والتباهي بروائعها، وينفرد الشركاء المسلمون بدفع ضريبتها، وتحمل مساوئها وتبعاتها، فهذا إجحاف وغَبنٌ مقيت.
أن يكون نصيب الغرب من القوة النووية بناء مفاعلاتها والاستئثار بطاقاتها، ويكون نصيب المسلمين دفن نفاياتها في أحشاء أرضهم وديارهم، فهذا افتئات لا يرضى به من كان عنده أدنى قدر من أنفة أو كرامة.
أن يشترك المسلمون بالأموال التي لا تقدر بعدد، والخامات التي لا تقدر بثمن، في تقنية القوة وإنتاج السلاح وغزو الفضاء، ثم ينفرد الشركاء الغربيون بحق امتلاك السلاح واستخدامه ضد مَن شاؤوا مِن إخواننا، وإمدادِ مَن شاؤوا مِن أعدائنا، وينفرد الشركاء المسلمون بدفع ضريبة ذلك من دمائهم وأوطانهم وأمنهم وأقواتهم، فهذا ظلم وإجحاف وقهر وعدوان، يشترك فيه كل من يودع قرشاً في البنوك الغربية، أو يستثمر قرشاً في الصناعات والاستثمارات الغربية، أو يشارك بقليل أو كثير، في نمو اقتصاد أولئك الظلمة المجرمين.

فهل آن للمسلمين أن يدركوا خطر الموالاة بالأموال لمن أمر الله تعالى بالبراءة منهم؟
ألم يأنِ لأرباب الأموال المسلمين أن يستردوا أموالهم إلى أوطانهم، ويستثمروها في تنمية أمتهم وقوة ملتهم ونفع إخوتهم، ويَحْرموا منها أعداء دينهم ودنياهم؟ .
ولهم على كل فعل طيب من ذلك، بل وعلى كل نية، أجر وخير في الدنيا والآخرة.

المثال الرابع: عالَم الأعمال.
وأما في مجال الأعمال، فإن هنالك أيضاً صُوَرًا مرفوضة من صور الموالاة للكافرين على حساب المسلمين، وذلك عندما يَعْمِد رجل الأعمال المسلم لاستقطاب العمال أو الموظفين أو السائقين، فلا يكترث أن يكون ذلك العامل أو الموظف مسلمًا أو غير مسلم، بل ربما حَرَصَ أن يكونوا من غير المسلمين.
ولو كان ذلك من أجل الكفاءة والاختصاص، فالأمر يقدر بقدره، ولكن عندما يكون الأمر لا يتطلب شيئاً من المؤهلات ولا التخصص، ثم يفضل غير المسلم على المسلم، ففي ذلك ما فيه من حرمان المسلمين من فرص العمل، على ما هم عليه من العوز وعظيم الفاقة في كثير من الأقاليم والبلدان، بالإضافة إلى ما في ذلك من ائتمان غير الأمين، وتقريب مَن أمَر الله بإبعاده، وقطع من أمر الله به أن يوصل.
وإنه لتناقض عجيب عندما يستعلن المسلم ببغض وذم الكفار وهم وراء البحار، في الوقت الذي نجده يقربهم في شؤون حياته ويدنيهم حتى ليكاد يجعلهم بين ثوبه وبدنه، ففي مكتبه الموظف الكافر، وفي متجره العامل الكافر، وفي سيارته السائق الكافر، وفي منزله الخادم الكافر والخادمة الكافرة.

واستطرادًا على ذكر الخادمة المنزلية أقول: أحب ألَّا تفهم الدعوة إلى استبدال الخادمة المسلمة بالكافرة، على أنها إقرار بشرعية وجود الخادمة المسلمة في منزل المسلم وليس معها زوج ولا محرم.
معاذ الله؛ ولكننا ندعو إلى الاستغناء عن الخادمة أصلاً ما أمكن السبيل إلى ذلك، فإن كان ولا بد فإن الشرع الحنيف يشترط أن تكون بصحبة زوجها أو ذي محرمها، إن كان في سفرها من بلدها وإليها، أو في إقامتها في بيت مخدومها، وذلك حتى لا تتحول تلك الظاهرة الاجتماعية التي هي من إفرازات حياة الرفاهية واليسار، إلى ثغرة أخلاقية واسعة الخرق بعيدة الغور، ولكنها مستورة بملاءة اسمها: خادمة. والله لا تخفى عليه من الخلائق خافية، كيف وهو القائل: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ} التوبة:78
والقائل: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} غافر:19
والقائل: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَار(10)} الرعد.
إذاً، فمطلوب من كل مسلم، ومن صاحب العمل بوجه خاص، أن يكون له موقف ولاء لأمته، موقف له فيه نية صالحة وأجر عظيم، وهو أن يستبدل بهؤلاء العمال والموظفين، غيرهم من المسلمين الأكفاء.
ولا يقولن قائل: صحيح أن هذا العامل كافر، ولكنه بوذي أو سيخي لا علاقة له باليهودية ولا النصرانية. أو وثني لا علاقة له بالأديان السماوية. أو كافر شرقي لا علاقة له بكفار الغرب. أو أفريقي لا علاقة له بالمعتدين علينا من الأوربيين والأمريكيين.
فنقول: إن الكفر في مواجهة الإسلام وأهله ملة واحدة، ولو أجرينا نظرة سريعة على أحداث العالم في هذه العقود القليلة المتأخرة لرأينا مصداق ذلك في كشمير والفلبين ونيجيريا والصومال وغيرها، وما مسجد البابري عن أذهاننا ببعيد.
والله سبحانه يقول في آل عمران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118)}
قال القرطبي عند تفسير هذه الآية: نهى الله عز وجل المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء، دُخلاء ووُلجاء، يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أمورهم.
وقال القرطبي أيضاً: قدم أبو موسى الأشعري على عمر رضي الله عنهما بحساب - وكان واليًا له على البصرة - فرفعه إلى عمر فأعجبه، وجاء عمرَ كتابٌ، فقال لأبي موسى: أين كاتبك يقرأ هذا الكتاب على الناس؟ فقال: إنه لا يدخل المسجد. فقال لم؟! أجنب هو؟ قال: إنه نصراني. فانتهره عمر وقال: لا تـُدْنِهم وقد أقصاهم الله، ولا تكرمهم وقد أهانهم الله، ولا تأمنهم وقد خوّنهم الله.
واحتج عمر على أبي موسى بهذه الآية من آل عمران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً}. اهـ (1)
هذا مع العلم أن كاتب أبي موسى لم يكن أجيرًا، وإنما كان غلامًا مملوكاً.

المثال الخامس: التجارة.
معلوم أن التجارة من أشرف المكاسب وأحلها، إذا كانت عن تراض، واجتـُنِبتْ فيها محاذير الربا والغرر والغش والخديعة وغيرها من المخالفات الشرعية، وأن التبادل التجاري جائز مع الكفار غير المحاربين.
فأما الكفار المحاربون، فإن في الاتجار معهم ما فيه من الترويج لتجاراتهم وبضائعهم بين المسلمين، وتنمية اقتصادهم وقدراتهم المالية، التي تساند مجهودهم العسكري الذي يعيث خرابًا ودمارًا في بلاد المسلمين، وقتلاً وترويعًا للرجال والنساء والأطفال المستهدفين بتلك الحرب، ومن المقرر في الفقه الإسلامي أنه لا ينبغي بيع السلاح زمن الفتنة، حتى لا يكون عوناً للمتقاتلين على الإثم والعدوان.
قال ابن القيم في [إعلام الموقعين]: قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ السِّلاحِ فِي الْفِتْنَةِ.) وَلا رَيْبَ أَنَّ هَذَا سَد لِذَرِيعَةِ الإِعَانَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ. اهـ (2)

أقول: هذا في الفتنة بين المسلمين، فهل يُعقل أن يعمل المسلم على مساندة حرب الكفار على المسلمين بذريعة التجارة؟!
ولو كان المستهدفون بالحرب الظالمة من غير المسلمين، لما جاز مساندة الظالمين على المظلومين، لأن الله تعالى يقول: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} المائدة:2
فكيف وضحايا الحرب هم إخواننا في الملة وأخواتنا، وبلادهم وذراريهم ومساكنهم؟!
قال السيوطي رحمه الله في [الأشباه والنظائر]: قَاعِدَةٌ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ: لا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدْفَعَ مَالاً إلَى الْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ إلا فِي صُوَرِ: إذَا أَحَاطَ الْعَدُوُّ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَلا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ. وَإِذَا كَانَ فِي أَيْدِيهمْ أَسْرَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ، يَجِبُ افْتِدَاؤُهُمْ. وَإِذَا جَاءَتْ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ فِي زَمَنِ الْهُدْنَةِ، وَجَبَ دَفْعُ مَهْرٍ إلَى زَوْجهَا، فِي قَوْلٍ ضَعِيفٍ. اهـ (3)
فاتق الله أيها التاجر المسلم، ولا يغلبنك حب المال والاستكثار من أرباحه، على دِينك وبصيرتك ومبادئك.
وتعففْ عن الكسب الحرام ولو كان وفيرًا، إشفاقًاً على نفسك من تبعته.
وثِقْ بأنَّ الله تعالى يعوضك عما تعففت عنه ما هو أوفر كمًا وأعظم بركة، مصداق الحديث الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلا بَدَّلَكَ اللَّهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ) (4)
واعلم أيها التاجر المسلم أن الله تعالى قد يبتلي العبد بمثل هذه المطامع ليبلو دينه، ويظهر مكنونه، هل هو ممن يؤثر المطامع على المبادئ؟ أم ممن يؤثر المبادئ ولو على حساب التخلي عن النفس والنفيس من حلال المال، فضلاً عن حرامه وسُحته.
وعندما حرَّم الله تعالى دخول المشركين مكة والحرم، في السنة التاسعة من الهجرة، خاف من خاف من المسلمين من تبعات ذلك على الشأن الاقتصادي، لأن حضور المشركين يحرك ويثري الأسواق التجارية التي تقام في الموسم، ومنعُهم يفضي إلى ضعف الحركة التجارية وقلة الأرباح.
فعالج الحق سبحانه هذه الهواجس والمخاوف، بالتذكير بقناعة إيمانية لا شك فيها ولا ريب، وهي أن الرزق من عند الله وحده سبحانه، لا من تجارات الكافرين، ولا من تبادل السلع التجارية مع المعتدين الظالمين، فأنزل سبحانه يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة : 28].

فيا ليت وزراء السياحة أيضا في الدول الإسلامية، يتذكرون هذه الحقيقة، ويُخضعون سياستهم وإدارتهم لهذه الآية المحكمة، إذاً لما آثروا صناعة وتنمية السياحة الداعرة الفاجرة طمعًا في عوائدها الاقتصادية. وتبًا لها من عوائد.
فلا يتهاوننَّ المسلم بهذه الصور من الولاء لمن أوجب الله منهم البراء، بدعوى أنه مطمئن القلب بالإيمان ولكنها مطامع تغلبه عليها النفس، فإن الأمر خطير، خصوصًا في هذه الأعصار العصيبة التي تحتاج فيها الأمة إلى مؤازرة كل أبنائها، والتخلي عن كل صور الموالاة لأعدائها.

المثال السادس: مثال من السيرة.
وهذا مثال تاريخي من وقائع السيرة النبوية، على الولاء للأعداء بباعث المنفعة الضيقة، والمكاسب الشخصية على حساب المصلحة المِلَّية العظمى.
مثال فيه مزدجر لكل مسلم عن التساهل ولو بأقل القليل من موالاة من حادّ الله ورسوله، فإن قليل الموالاة كثير.
لقد بدر من صحابي يومًا موالاة بإشارة لصالح اليهود. إشارة، ليست عبارة، ولا مؤازرة بالمال والعتاد، ولا إمدادًا بالغذاء والسلاح، ولكنها إشارة في لحظة ضعف بشري، ورحمةٍ وُضِعتْ في غير موضعها، عدَّها ذلك الصحابي من نفسه خيانة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
فكيف بمن يواليهم بالتبادل التجاري والتعاون الاقتصادي والموقف السياسي، ومحاولة تذويب العداوة الشرعية لأعداء الدين، المجرمين في حق الملة والأمة، عن طريق ما يعرف بالتطبيع؟!
كانت تلك الإشارة من الصحابي الأنصاري أبي لبابة بن عبد المنذر رضي الله عنه، وذلك في السنة الخامسة من الهجرة، في حصار المسلمين ليهود بني قريظة، الذين غدروا ونقضوا العهد حين أعلنوا مؤازرة المشركين يوم الأحزاب على المسلمين ... ثم كان ما كان من خدعة نـُعيم بن مسعود رضي الله عنه، وسعايته بين المشركين المعسكِرين وراء الخندق، وبين بني قريظة، مما أوقع الخـُلف بين قلوبهم، وأساء كل فريق ظنه بحليفه، حتى جاءت الريح فأجْلت الأحزاب عن مواقعهم، ويمموا بلدانهم لا يلوون على شيء، ليفرُغ النبي صلى الله عليه وسلم لبني قريظة الذين كان لا بد من تأديبهم والتأديب بهم، ليروا عاقبة غدرهم وخيانتهم، كما قال سبحانه في الأحزاب: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا(25)وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا(26)}.
ضرب النبي صلى الله عليه وسلم الحصار على بني قريظة وهم في حصنهم المنيع، ولكن لا يمتنع على الله منيع. {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد:11]
ولما طال على بني قريظة الحصار، قلَّبوا وجوه الأمر، فوجدوا أن الأسلم لهم أن ينزلوا من حصنهم مستأسرين للنبي صلى الله عليه وسلم، ليحكم فيهم حكمه.
ولكنهم أحبوا أن يعرفوا حكمه صلى الله عليه وسلم، قبل أن ينزلوا، فأبى عليهم إلا أن ينزلوا ثم يحكم فيهم حكمه، أو يواجهوا الحصار وعواقبه.
فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يرسل إليهم رجلاً من أصحابه هو أبو لبابة بن عبد المنذر ليستشيروه في أمرهم، وكان أبو لبابة من حلفائهم من الأوس في الجاهلية، وكانت أمواله وولده بناحيتهم.
فأتاهم أبو لبابة، فلما رأوه قام إليه الرجال، وأسرع النساء والصبيان إليه يبكون، مما أثار فيه رقة خادعة في غير موضعها، وقالوا له: يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمد؟ فقال: نعم. وأشار بيده إلى حلقه، يعني أنهم مذبوحون.
ثم علم من فوره أنه خان الله ورسوله، فمضى على وجهه ولم يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أتى المدينة فدخل المسجد وربط نفسه بسارية من سواريه، وحلف أنه لا يَحُل نفسه حتى يحله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه لن يدخل أرض بني قريظة بعد اليوم أبدًا.
واستبطأ النبي صلى الله عليه وسلم عودته، فلما أُخبر خبرَه قال: أما إنه لو جاءني لاستغفرت له، أمَّا وقد فعل ما فعل فما أنا بالذي يطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه.
ولقد كان لإشارة أبي لبابة أثرها في تردد اليهود في الاستسلام، وقد كان المسلمون على وشك أن يرتاحوا من طول الحصار، فلما عادوا إلى التحصن قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فنادى: يا كتيبة الإيمان، والله لأذوقن ما ذاق حمزة أو لأفتحن حصنهم.
فقذف الله الرعب في قلوبهم، فبادروا بالاستسلام، وألقوا أيديهم في القيود طائعين ينتظرون حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم.
وقام رجال من الأوس الذين كانوا حلفاء بني قريظة في الجاهلية يكلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يعاقبهم بغير القتل، أسوة بما فعل ببني قينقاع عندما كلمه فيهم حلفاؤهم من الخزرج. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا بلى. قال فذاك إلى سعد بن معاذ. قالوا: قد رضينا.

وانظروا وقارنوا بين موقف سيد الأوس سعد بن معاذ، الذي اهتز لموته عرش الرحمن، وبين موقف أبي لبابة المتقدم، رضي الله عنهما جميعا.
أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ، وكان في المدينة مريضاً بالجرح الذي أصابه به المشركون في حصار الخندق، فأركِب على حمار، وجيء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأحاط به قومه الأوس من جانبيه، وهو على حماره وهم يقولون: يا سعد أجمل في مواليك، يا سعد أحسن فيهم، يا سعد إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حكَّمك فيهم لتحسن إليهم.
وسعد رضي الله عنه ساكت لا يرجع إليهم شيئا، فلما أكثروا عليه أجابهم بكلمة تجسد كل ما صنفه العلماء ودبجه الخطباء من عقيدة الولاء والبراء، قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم.
سيقول سعد ما يمليه عليه ولاؤه لله ورسوله ودينه، وعَداؤه لأعداء الله ورسوله ودينه، لا يأبه في ذلك لملامة قرابة ولا مجتمع، ولا شرعة دولية ولا منظمات حقوق إنسان، ولا يخشى في ذلك ما يسمونه حكم التاريخ ولا شهادة التاريخ، وإنما هو الولاء والبراء في الله ولله سبحانه، على أصل من الدين متين.
فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: يا سعد، إن هؤلاء القوم نزلوا على حكمك.
قال سعد: وإنَّ حكمي نافذ عليهم؟ قالوا: نعم. قال: وعلى المسلمين؟ قالوا: نعم. قال: وعلى مَنْ هاهنا؟ - وأعرض بوجهه، وأشار إلى الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالاً وتعظيمًا له - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم وعليَّ.
فقال سعد: فإني أحكم فيهم أن يُقتل الرجال، وتـُسبى الذرية، وتقسم الأموال.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَحُكْمِ رَسُولِهِ. صلى الله عليه وسلم.
ونفذ حكم سعد في يهود بني قريظة، جزاءً وفاقاً لغدرهم ونكثهم وخيانتهم، فقـُتل رجالهم في يوم واحد، وهم بين الستمائة إلى السبعمائة، وسُبيت ذراريهم وقسمت أموالهم.

هكذا يكون الولاء تحقيقاً وواقعاً على الصفة التي مدحها الله في قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)} [المائدة].
هذا، وأما أبو لبابة رضي الله عنه، فأقام مرتبطاً بسارية المسجد ست ليال، تأتيه امرأته في كل وقت صلاة فتحله للصلاة ثم يعود فيرتبط، حتى نزلت توبته على النبي صلى الله عليه وسلم سَحَراً وهو في بيت أم سلمة رضي الله عنها.
فقامت أم سلمة رضي الله عنها على باب حجرتها ونادت: يا أبا لبابة، أبشر فقد تاب الله عليك، فثار الناس ليطلقوه، فأبى أن يطلقه أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صلاة الصبح أطلقه، بعد أن جعل أبو لبابة من نفسه درساً وعبرة لكل مسلم في ألَّا يتساهل في موالاة أعداء الدين في قليل ولا كثير، ولا عبارة ولا إشارة. فرضي الله عنه وأرضاه.

كل هذا والباعث على هذه الموالاة المذكورة آنفاً شهوات لا شبهات، ومطامع ومنافع دنيوية متوهمة، لا زيغ قلبي ولا نفاق اعتقادي.
وقبل أن نتحدث عن الباعث الثاني وهو الأخطر والأنكر، فإننا نحاول التعرف على كيفية تعامل القرآن مع الباعث الأول، وكيف عالجه؟ وذلك في الجزء التالي إن شاء الله.



هوامش:
(1) تفسير القرطبي، جـ 4 ص179
(2) إعلام الموقعين عن رب العالمين، جـ 3 ص370
(3) الأشباه والنظائر، جـ 2 ص466
(4) مسند الإمام أحمد، مسند الأنصار، رقم الحديث: 21996 ورواه بنحوه البيهقي في السنن الكبرى.


بقلم: إبراهيم يوسف منصور

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...