موقف المسلم من مصائب الأمّة (11)

موقف المسلم من مصائب الأمّة (11)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ٢١ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ - ٨ أيار ٢٠٢٦
182

بواعث موالاة أعداء الملة
أجل إنه سؤال يطرح نفسه بإلحاح. ما الذي يحمل المسلم على اقتحام تلك المخالفات والتجاوزات، علمًا بأنها على خلاف مقتضى الشرع والطبع جميعًا؟!
والجواب أنّ الباعث على ذلك أحد أمرين:


الباعث الأول: دنيوي مصلحي.
وهو أن يرى ذلك المسلمُ الموالي للكافرين المعادين للمؤمنين، أن له في موالاتهم مصلحة أو مصالح خاصة أو شخصية، فهو يحرص عليها، كتجارة يخشى كسادها، أو وجاهة يخشى فواتها، أو قرابة يحب صلتها، أو هوى نفس يحرص على تحقيقه، أو غير ذلك من الرغائب والأهواء والمصالح الخاصة التي يؤْثرها على مصلحة الأمة والملة والدين.
ولا شكّ أن ذلك يدل على خلل في الدين، يكبر أو يصغر بحسب حجم الضرر الذي تجره تلك الموالاة على الأمة والملة، لأن موالاة أهل الدين والملة، والبراءة من أعدائهم، واجب ديني صريح واضح، ليس متروكًا للأهواء الشخصية والميول التلقائية، وإنما هو لازم شرعي يتعلق بأصل الإيمان لا بفروع الأحكام، وإلا فأين نذهب بقوله تعالى في آخر المجادلة: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}.

نماذج وأمثلة:
وإليكم نماذج وأمثلة من أحوال الأمة، ماثلة للعيان، يراها قاصٍ ودان، تـُمَثـِّل هذا الباعث الأول على خرق مبدأ الولاء والبراء:

المثال الأول: الاغتراب
أين رعاية مبدأ الولاء والبراء عندما يعمِد المسلم لإلقاء فِلـْذة كبده في أتـُّون شبهات أعداء الدين وشهواتهم، بحجة الدراسة وإحراز الشهادات العلمية، دون تحصين ولا تأهيل؟!
ونبادر فنقول: لسنا ضد طلب العلم الذي ينفع الأمة في دينها ودنياها، ولو كان ذلك في بلاد الكفار، ولكنا نذكر بشرط ذلك، وهو: أن يكون الدارس أو المبتعث مُعَدًا ومحصناً، خلقاً وديناً وفكرًا، بحيث لا يُفتن بشبهة، ولا يَضعف أمام شهوة، بل يكون من القوة والتمكن بحيث يؤثِّر في الوسط الذي يحيط به، ولا يتأثر، وما أروع وأنفع أن يجعلَ الدارس المغترب من مهمته الدراسية مهمة دعوية، ويقيمَ من نفسه سفيرًا لدينه وأمته في وسطه السكني، أو وسطه العلمي في الجامعة، أو في حيه الذي يعيش فيه أو المدينة التي ينزلها، أو حيثما حل وارتحل في مدة الاغتراب، فلنعم السفير إذاً، ولنعمت السفارة.
ولقد شهدت عواصم الاغتراب ومُدُنه الكبرى وغير الكبرى، نماذجَ رائعة ناصعة من هؤلاء الدارسين الدعاة، الذين يحملون رسالة الدين وهَمَّ الدعوة، والذين جعلوا من أنفسهم ملاذاً لزملائهم وبني جلدتهم، فكَونوا لهم بيئة نقية طاهرة، تجعلهم في حصن من أن ينالهم رجس ذلك المجتمع الضال الفاسد.
فأمَّا أن يُرسل الشاب إلى الدراسة في تلك البلاد المفتوحة، خالي الوفاض من الفكر، رقيق الدين، وهو في عنفوان الهوى وسَوْرة الشهوة، لينغمس في ذلك المجتمع حتى الأعماق، ويجازف بدينه وخلقه وثقافته وانتمائه وكل شيء ذي بالٍ عنده، ثم يرجع بعد ذلك - إن رجع - بالشهادة العلمية المبتغاة، إن نالها، فإنّ هذا ينطوي على مخاطر وخسائر ونتائج لا تحمد عقباها.
أجل، حسنٌ أن يرجع الدارس وقد حقق هدفه العلمي، أو نال الشهادات العليا، ولكن السؤال الأهم: ماذا كلّفه ذلك؟
دع عنك خسارة الدراهم على كـِبَرها، ولكن انظر هل كلفته تلك الشهادة شيئاً من دينه أو فكره أو انتمائه أو خلقه وسلوكه؟
فلئن كان كذلك، فلقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فهو المغبون الذي فوت النفيس لينال الخسيس، فأهوِنْ به من منال.
إنّ إلقاء المسلم ولده في تلك المهالك، على هذا النحو من إهمال التحصين، هو بمثابة هدية نفيسة يقدمها إلى أعدائه.
إنه بمثابة سلاحك ذي الحدة والمضاء والفتك، إذا سلمته لعدوك ليشحذه على طريقته ثم يحاربك به.
فهل ترون في هذا شيئاً من تحقيق مبدأ البراء ممن أوجب الله تعالى البراءة منهم؟ أم أنه خروج صارخ على هذا المبدأ، وتجاهل له من أصله؟!
وإلا فكيف نزعم أننا نتوجع من عدوان أعدائنا، ونشفق على أمتنا من حقدهم وكيدهم، في الوقت الذي نجود لهم فيه بأعز شيءٍ لدينا، وأحب شيء إلينا، وأنفس ثروة لأمتنا، وهم هؤلاء الشباب المبتعثون، وفيهم صفوة من الدارسين والمثقفين؟!
ولا يخفى على من نظر في التاريخ الفكري للمجتمع المسلم عبر القرن الماضي، أن دعاة العلمنة، ودعاة ما يسمى بالتحرر الفكري وتحرير المرأة، الذين هدّدوا بل هدّموا حصون الإسلام من داخلها، لم يكونوا من المستشرقين الغربيين، وإنما كانوا من المستغربين من أبناء الأمة، الذين تتلمذوا على المستشرقين في جامعاتهم، ثم رجعوا إلى شرقهم الإسلامي، لم يبق فيهم من شرقيتهم وإسلامهم إلا أسماؤهم.
أما فعالهم وخِلالـُهم وقلوبهم فلا تقِلُّ سوادًا عن قلوب وفعال أساتذتهم الذين فرَّغوهم من معاني وقيم دينهم - وربما كان بعضهم ذا منبت صالح ونشأة دينية - ثم شحنوهم بما يريدون، وجندوهم ليحاربوا بهم ديننا وقِـيَمنا وملتنا.

المثال الثاني: المدارس الأجنبية
وهذه صورة أخرى تعتبر خرقاً لمبدأ الولاء والبراء - بالباعث الأول - وهي صورة موجودة في المجتمع المسلم، ولو كان ذلك على مستوى بعض أفراده، بل إنها في اتساع ونمو مطّرِد، بسبب التنافس المقيت في المظاهر والقشور، والتباهي بالبهرج ولو على حساب المبدأ والمنهج.
وهي صورة تؤذي قلب كل مسلم غيور، وإني لأدعو كل مسلم معني بهذه الصورة المشار إليها أن ينظر إليها بعين الدين لا بعين العاطفة، ولا بعين المصلحة العاجلة المظنونة، ولا بعين الدنيا ومفاتنها والمباهاة فيها، وإنما بعين الدين التي تؤثر الآخرة على الأولى، وتؤثر مرضاة الله على مرضاة الزوجة والولد والوسط الاجتماعي، وعلى كل زينة الدنيا ومصالحها الموهومة التي يُظن أنها مصالح.
تلكم الصورة هي صورة الأسرة المسلمة التي وهبها الله سبحانه، الذرية من البنين والبنات، وحباها أيضاً العافية في هؤلاء البنين والبنات، فجعلهم أسوياء في الخلقة والعقل، نجباء في التفكير والفهم.
وبدلاً من أن تشكر تلك الأسرة ربها على جليل هبته، فتنبت هؤلاء الأطفال نباتاً حسناً على وفق ما يحب واهبهم سبحانه، مِن حفظ القرآن، وتعلم لغته التي هي لغة الدين القويم، والتعريف بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبسنته وسيرته وسيرة أصحابه رضي الله عنهم، والتعرف إلى تاريخ أمتهم وثقافتها وقادتها وأعلام رجالها، فإن هؤلاء الآباء والأمهات يزدرون هذا النوع من التعليم ويزهدون فيه، ويحبون أن يتميزوا ويتميز أولادهم، فيقتادونهم إلى المدارس الأجنبية.
إلى أين؟! إلى المدارس الأجنبية؟! ومنذ أول سنة في الدراسة الابتدائية! بل ويذهب بعض هؤلاء الوالدِينَ إلى أبعد من ذلك فيلحقونهم بالمدارس الأجنبية حتى في مرحلة رياض الأطفال.
وعندما تسأل: لماذا يا أخي؟ لماذا يا أيتها الأسرة المسلمة؟ لماذا تحرمون هذه النسمة المسلمة من المعرفة الدينية، وتعلُّم العربية، والاطلاع على تاريخ الإسلام الذي هو دين هذا الطفل، وعلى ثقافة وحضارة المسلمين الذين هم أمته؟!
ستجد الجواب: من أجل أن يُحْكِم الطفل اللغة الأجنبية، فتسهلَ عليه الدراسة في الجامعات الغربية.
يا سبحان الله! وهل الذين لم يدرسوا منذ نعومة أظفارهم في المدارس الأجنبية، عجزوا عن تعلم اللغة الأجنبية وعن البراعة فيها؟!
وهل تستحق هذه البراعة المنشودة أن يُحرم الناشئ مِن أجلها عِلمَ الدين، وقراءة القرآن، وغرس مبادئ الاعتقاد الصحيح، ومعرفة القدر المناسب من السنة والسيرة والأحكام الشرعية؟!
ثم لا يفوتنا أن نذكـِّر بأن الأسرة التي تسوِّغ لنفسها هذا الأمر العجيب أسرة مسلمة، أسرة ترى وتسمع بمرارة ما تفعله أمم الغرب الذين تنتمي إليهم تلك المدارس الأجنبية لغة وثقافة ورسالة.. من التنكيل بأبناء المسلمين وديارهم وثرواتهم، إن كان بشكل سافر مباشر، أو كان من خلال المؤازرة الظالمة للكيان اليهودي المجرم الذي زرعوه في المنطقة شجاً في حلق كل مسلم.
أسرٌ مسلمة، يمتعض أفرادها ويتأذون مما يرون من مذابح المسلمين على أيدي اليهود والنصارى وأشياعهم، وربما تجدهم يسألون في خلال تلك المصائب والمذابح: ترى ما موقفنا؟ وما الذي يمكن أن نعمله في نصرة أمتنا؟
ونقول لهم في الجواب: إنه ليس المطلوب منكم أن تعملوا، ولكن المطلوب أن لا تعملوا على تسهيل تنصير أولادكم منذ الصغر، المطلوب منكم أن لا تهيؤوا أولادكم فكريًا وتعليميًا للعلمانية، بسبب الفجوة والجفوة التي يحْدثها التعليم الأجنبي بينهم وبين دينهم منذ نعومة أظفارهم.
وإذا كان الشاب الذي درس في مدارس التعليم العام حتى نهاية المرحلة الثانوية، وعرف القرآن واللغة والتاريخ الإسلامي ومحاسن الشريعة، وعرف الولاء والبراء.. لا يؤمَن أن يرسَل للدراسة مغتربًا في غير بلده، إلا بتهيئة وتحصين ومتابعة، حتى ولو كان اغترابه في البلاد الإسلامية؛ فضلاً عن بلاد ليس لها حظ من دين ولا عفاف ولا قيم.
فكيف بمن يفقد حتى معنى الانتماء؟!، وهو ذلك الطفل الذي ألِفَ معاشرة من ليسوا من ملته ولا من ثقافته، من المعلمين والمعلمات، والطلاب والطالبات، حتى أصبح يستوحش ممن سواهم ولو كانوا من أبناء ملته وجلدته، وهل هناك صورة أبلغ في تنشئة الأطفال على موالاة أعداء الدين أبلغ من هذه الصورة؟

المثال الثالث: عالَم المال
ما أكثر ما يوالي المسلمون - مِن حيث يشعرون أو لا يشعرون - مَن أوجب الله معاداتهم والبراءة منهم، مِن الذين يقاتلون المسلمين في الدين، ويخرجونهم من ديارهم، ولا يألونهم خبالاً!، ما أكثر ما يتجاوز المسلمون هذا المبدأ في مجالَي المال والأعمال!
فأما في مجال المال، فأين فائض أموال رجال المال والأعمال، التي حباهم الله إياها وتفضل عليهم بها؟!
لماذا تكون وجهتها دائمًا بلاد الغرب، إلى أيدي وخزائن أساطين العداوة على الدين والأمة والثروة؟!
لقد كشفت الأحداث الهائلة، العسكرية والأمنية التي هزّت استقرار الغرب وأمنه، والأزمة المالية الكارثية التي أعقبت ذلك، كشفت عن حقائق مذهلة ومحزنة ومحبطة، عن حجم الأموال الإسلامية المستثمرة في بلاد أعداء الإسلام، والتي بها تدار عجلة اقتصادهم ومصانعهم ورفاهيتهم.
ويَحزن المسلمُ حقاً ويكتئب، وهو يسمع عن آلاف المليارات من أموال المسلمين أفرادًا ومؤسسات ودولاً، التي تستوطن بلاد الغرب، وتـُحرَم منها ومن عوائدها الأمة، وهي أحوج ما تكون إليها.
وإن الباحث المتتبع لإحصاءات وأرقام أموال المسلمين في الدول الغربية ليصل إلى قناعة جازمة بأن كل ما نراه في الغرب من تقنية الصناعة، وتقنية القوة، وتقنية الخدمات، والبراعة في العمران، وغير ذلك مما يبهر الناظرين إنما هو حسن إدارتهم واستثمارهم لتلك الأموال الطائلة الهائلة من أموال المسلمين التي تتدفق إلى بنوكهم طواعية أو شبه طواعية.
إن حضارة الغرب اليوم هي - في جانب كبير منها - ثمرة التقاء الأموال الإسلامية والخامات والثروات الإسلامية، مع العقلية العلمية الغربية؛ بل أقول بعبارة أدق: مع العقلية العلمية التي تستوطن الغرب.
ولو كان المسلمون شركاء في المنافع كما كانوا شركاء في الخامات والتمويل، لو كانوا شركاء في المغنم كما أنهم شركاء في المغرم لهان الخطب، وكان لهم في ذلك عزاء.
فأما أن يشترك المسلمون بهذا الشكل الفعال والمؤثر في الحضارة الغربية، ثم يستقل الشركاء الغربيون بجني منافعها والتباهي بروائعها، وينفرد الشركاء المسلمون بدفع ضريبتها، وتحمل مساوئها وتبعاتها، فهذا إجحاف وغَبنٌ مقيت.
أن يكون نصيب الغرب من القوة النووية بناء مفاعلاتها والاستئثار بطاقاتها، ويكون نصيب المسلمين دفن نفاياتها في أحشاء أرضهم وديارهم، فهذا افتئات لا يرضى به من كان عنده أدنى قدر من أنفة أو كرامة.
أن يشترك المسلمون بالأموال التي لا تقدر بعدد، والخامات التي لا تقدر بثمن، في تقنية القوة وإنتاج السلاح وغزو الفضاء، ثم ينفرد الشركاء الغربيون بحق امتلاك السلاح واستخدامه ضد مَن شاؤوا مِن إخواننا، وإمدادِ مَن شاؤوا مِن أعدائنا، وينفرد الشركاء المسلمون بدفع ضريبة ذلك من دمائهم وأوطانهم وأمنهم وأقواتهم، فهذا ظلم وإجحاف وقهر وعدوان، يشترك فيه كل من يودع قرشاً في البنوك الغربية، أو يستثمر قرشاً في الصناعات والاستثمارات الغربية، أو يشارك بقليل أو كثير، في نمو اقتصاد أولئك الظلمة المجرمين.

فهل آن للمسلمين أن يدركوا خطر الموالاة بالأموال لمن أمر الله تعالى بالبراءة منهم؟
ألم يأنِ لأرباب الأموال المسلمين أن يستردوا أموالهم إلى أوطانهم، ويستثمروها في تنمية أمتهم وقوة ملتهم ونفع إخوتهم، ويَحْرموا منها أعداء دينهم ودنياهم؟ .
ولهم على كل فعل طيب من ذلك، بل وعلى كل نية، أجر وخير في الدنيا والآخرة.

بقلم: إبراهيم يوسف منصور

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...