موقف المسلم من مصائب الأمّة (10)

موقف المسلم من مصائب الأمّة (10)

التصنيف: فقه الدعوة
الجمعة، ١٤ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ - ١ أيار ٢٠٢٦
52

المبحث الثالث: الولاء والبراء.
القضية التي نتناولها في هذا العنوان، تعتبر عنصرًا بالغ الأهمية في العناصر المكونة للموقف المثالي الذي يجب أن يقفه المسلم الذي يَنشد التغيير ليستنقذ الأمة من المصائب والفتن التي تحيق بها.
قضية ذات أصل قلبي ومظهر عملي، إنها قضية الولاء والبراء، قضية وجوب موالاةِ الملة وأهلها، ولو تباعدت الأعراق والأقطار؛ ومعاداةِ أعداء الأمة، وتحريمِ وتجريم موالاتهم، ولو كانوا من الأدْنـَيْنَ نسبًا ودارًا.
والموالاة قد تكون بالمودة القلبية، وقد تكون بالنصرة والمساندة العملية، وقد تكون بهما معًا.

وإن نظرة عابرة إلى حال الأمة اليوم، تقفنا على خلل كبير وتفريط خطير في هذا المبدأ، يقتضينا أن نذكِّر به وبضرورة إحيائه في الأمة، إبقاءً على هويتها، واتقاءً لسخط ربها، وتوفيرًا لركن من أركان قوتها وعُدّتها في مواجهة الهجمات العدوانية الشرسة المتوالية.
إن التفريط في مبدأ الولاء والبراء واقع على نطاق واسع في الأمة، حيث تحس الميل القلبي والولاء الشعوري والسلوكي لأعداء الملة والدين عند السواد الأعظم من الناشئة والشباب، بل وعند بعض الكهول من المسلمين والمسلمات.
تجده في كثير من الألبسة والهيئات وطرائق الأكل والشرب والكلام والمشي، وغير ذلك من الأحوال والعادات التي يحاكي فيها المسلم حال من يدينون بعداوته وأذيته.
وهذا أمر سيئ الدلالة على دين المرء ودخيلة نفسه، إذ كيف نجد شعورًا من الميل نحو أعدائنا، ونحن نتأوه تحت سياطهم؟!
كيف نشهد هجمتهم الفكرية والثقافية المنظمة على ثقافتا وديننا وفكرنا، ثم تجد فينا من يُعجب بفكرهم وثقافتهم، وأظهر شيء فيها العنصرية والعُنجُهية والجنس والرجس؟!
كيف نجدهم يغزون ديارنا ويغلبوننا على بلداننا، ثم لا يمنع ذلك الواحد منا أن يكون قصارى أمله أن يجد الفرصة والمُكنة ليطير إلى بلادهم ويأنس في ربوعهم، ويساكنهم ويخالطهم ويُخالِلهم؟!

أين إذاً روح البراء من أعداء الدين، بل ألد أعداء الدين والدنيا جميعًا؟!
أين نحن يا مسلمون من نصوص القرآن الصريحة التي تنهانا عن موالاة الكافرين؟! بل تغرينا بعداوتهم من خلال تذكيرنا بأنهم أعداؤنا، وأعداء ربنا ورسولنا وديننا، وأنهم لا يرقبون فينا إلًّا ولا ذمة، وأنهم يَسخرون من ديننا ويستهزئون بصلاتنا، كالذي نقرؤه في قوله تعالى في المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (58)}.
وقوله تعالى في غرة الممتحنة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2)}
أجل، إنَّ آيات القرآن تغرينا بعداوة من ناصبونا العداء من غير أهل ديننا، وتدعونا إلى مفارقتهم والبراءة منهم.

والقضية قد تبدو لأول وهلة قضية بدهية لا تحتاج إلى تقرير وتأكيد، واضحة لا تحتاج إلى توضيح، لأن البداهة تقتضي أن تميل عمّن يميل عنك، وأن تكره من يكرهك، وأن تقاتل من يحرص على قتلك، وأن تعادي من يجاهر بعداوتك، فكيف إذا كان يمارس العداوة في أبشع وأفظع صُوَرها ؟!
نعم، قد يُتصوَّر أن يقهر المسلم نفسه على خلاف هذا، وذلك في مرحلة ما قبل الإذن بالجهاد، وعليه تـُحمَل آيات الأمر بالصفح والإعراض، من مثل قوله تعالى في الحِجْر: {فاصفح الصفح الجميل (85)}.
قال الحافظ ابن كثير في تفسيرها: [أمَرَه صلى الله عليه وسلّم بالصفح الجميل عن المشركين في أذاهم له وتكذيبهم ما جاءهم به، كقوله: {فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون(1) وقال مجاهد وقتادة وغيرهما: كان هذا قبل القتال. وهو كما قالا، فإن هذه مكيَّة، والقتال إنما شرع بعد الهجرة]. (2)
وقد يُتصور أن يقهر المسلم نفسه على خلاف ذلك، إذا كان يحتسب على ذلك الأجر، فيعطي من يَحرمه، وينصف من يَظلمه، ويحسن إلى من أساء إليه.
وإنما يُتصور ذلك إذا كان ذلك المسيء الشانئ مسلمًا، إذ قد رغـَّبك الشرع عندئذٍ في أن تدفع السيئة بالتي هي أحسن، رعاية لحق الأخوة وحرمة الإسلام ووحدة الصف والكلمة، ووعَدَك الحق سبحانه على ذلك الأجر العظيم والحظ الجسيم في الدنيا والآخرة، وذلك كما في قوله تعالى في سورة فصلت: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)}
قال القرطبي في تفسيرها: [قال ابن عباس: أي ادفع بحلمك جهل من يجهل عليك. وعنه أيضا: هو الرجل يسب الرجل، فيقول الآخر: إن كنتَ صادقا فغفر الله لي، وإن كنتَ كاذبًا فغفر الله لك. وكذلك يُرْوى في الأثر أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال ذلك لرجل نال منه.] (3)

ففي حمل النفس على خلاف مقتضى الطبع، وفي قهر النفس على مقابلة الإساءة بالإحسان في مثل هذه الحالة، ترغيب شرعي واحتساب أجر، وارتقاء إلى منزلة الصبر، وأنعم بها من منزلة.
فأما إذا كان المسيء عدوًا كافرًا فاجرًا غادرًا، وكان مع ذلك حاقدًا معاندًا، أفاكاً للكذب، سفاكاً لدماء المسلمين، لا يألو جهدًا في النيل من الأمة ومن دينها ومن أرضها ومن ثرواتها، فإن مقتضى البداهة والطبع والفطرة يوجب على المسلمين معاداة ذلك العدو، فكيف إذا كان هذا - قبل ذلك - هو مقتضى الشرع أيضاً ؟!.
إن الشرع الذي يأمر بالموالاة والصفح والعفو في حق المسلمين المسيئين، قد أمر بالبراءة والمعاداة والمفاصلة في حق الكافرين المعادين، فقال سبحانه في آل عمران: {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)}
وقال في غرة الممتحنة - كما أسلفنا -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ}.
فلم يَعُدْ هنالك ما يقتضي أن يحمل المسلم نفسه على خلاف مقتضى العداوة، لأن ذلك سيكون عندئذ على خلاف مقتضى الشرع والطبع جميعًا، والأصل أنه إذا جاء الشرع على وفق الطبع كان الالتزام بالشرع من أيسر اليسر.
إلا أنّ اللافت أن القرآن عندما يتناول هذه القضية، فإنه يتناولها على نحو من التأكيد والإلحاح والتكرار المشفوع بالتهديد والوعيد الشديد، مما يدل على أن هنالك من يُصِرّ على مخالفة هذه القضية البدهية، والتجاوز على هذه الحدود والأحكام الشرعية.
تـُرى، فما الباعث على ذلك؟!

بواعث موالاة أعداء الملة.
أجل إنه سؤال يطرح نفسه بإلحاح. ما الذي يحمل المسلم على اقتحام تلك المخالفات والتجاوزات، علمًا بأنها على خلاف مقتضى الشرع والطبع جميعًا؟!


والجواب أنّ الباعث على ذلك أحد أمرين:


الباعث الأول: دنيوي مصلحي.
وهو أن يرى ذلك المسلمُ الموالي للكافرين المعادين للمؤمنين، أن له في موالاتهم مصلحة أو مصالح خاصة أو شخصية، فهو يحرص عليها، كتجارة يخشى كسادها، أو وجاهة يخشى فواتها، أو قرابة يحب صلتها، أو هوى نفس يحرص على تحقيقه، أو غير ذلك من الرغائب والأهواء والمصالح الخاصة التي يؤْثرها على مصلحة الأمة والملة والدين.
ولا شكّ أن ذلك يدل على خلل في الدين، يكبر أو يصغر بحسب حجم الضرر الذي تجره تلك الموالاة على الأمة والملة، لأن موالاة أهل الدين والملة، والبراءة من أعدائهم، واجب ديني صريح واضح، ليس متروكًا للأهواء الشخصية والميول التلقائية، وإنما هو لازم شرعي يتعلق بأصل الإيمان لا بفروع الأحكام، وإلا فأين نذهب بقوله تعالى في آخر المجادلة: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}.

نماذج وأمثلة:
وإليكم نماذج وأمثلة من أحوال الأمة، ماثلة للعيان، يراها قاصٍ ودان، تـُمَثـِّل هذا الباعث الأول على خرق مبدأ الولاء والبراء:


المثال الأول: الاغتراب
أين رعاية مبدأ الولاء والبراء عندما يعمِد المسلم لإلقاء فِلـْذة كبده في أتـُّون شبهات أعداء الدين وشهواتهم، بحجة الدراسة وإحراز الشهادات العلمية، دون تحصين ولا تأهيل؟!
ونبادر فنقول: لسنا ضد طلب العلم الذي ينفع الأمة في دينها ودنياها، ولو كان ذلك في بلاد الكفار، ولكنا نذكر بشرط ذلك، وهو: أن يكون الدارس أو المبتعث مُعَدًا ومحصناً، خلقاً وديناً وفكرًا، بحيث لا يُفتن بشبهة، ولا يَضعف أمام شهوة، بل يكون من القوة والتمكن بحيث يؤثِّر في الوسط الذي يحيط به، ولا يتأثر، وما أروع وأنفع أن يجعلَ الدارس المغترب من مهمته الدراسية مهمة دعوية، ويقيمَ من نفسه سفيرًا لدينه وأمته في وسطه السكني، أو وسطه العلمي في الجامعة، أو في حيه الذي يعيش فيه أو المدينة التي ينزلها، أو حيثما حل وارتحل في مدة الاغتراب، فلنعم السفير إذاً، ولنعمت السفارة.
ولقد شهدت عواصم الاغتراب ومُدُنه الكبرى وغير الكبرى، نماذجَ رائعة ناصعة من هؤلاء الدارسين الدعاة، الذين يحملون رسالة الدين وهَمَّ الدعوة، والذين جعلوا من أنفسهم ملاذاً لزملائهم وبني جلدتهم، فكَونوا لهم بيئة نقية طاهرة، تجعلهم في حصن من أن ينالهم رجس ذلك المجتمع الضال الفاسد.
فأمَّا أن يُرسل الشاب إلى الدراسة في تلك البلاد المفتوحة، خالي الوفاض من الفكر، رقيق الدين، وهو في عنفوان الهوى وسَوْرة الشهوة، لينغمس في ذلك المجتمع حتى الأعماق، ويجازف بدينه وخلقه وثقافته وانتمائه وكل شيء ذي بالٍ عنده، ثم يرجع بعد ذلك - إن رجع - بالشهادة العلمية المبتغاة، إن نالها، فإنّ هذا ينطوي على مخاطر وخسائر ونتائج لا تحمد عقباها.
أجل، حسنٌ أن يرجع الدارس وقد حقق هدفه العلمي، أو نال الشهادات العليا، ولكن السؤال الأهم: ماذا كلّفه ذلك؟
دع عنك خسارة الدراهم على كـِبَرها، ولكن انظر هل كلفته تلك الشهادة شيئاً من دينه أو فكره أو انتمائه أو خلقه وسلوكه؟
فلئن كان كذلك، فلقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فهو المغبون الذي فوت النفيس لينال الخسيس، فأهوِنْ به من منال.
إنّ إلقاء المسلم ولده في تلك المهالك، على هذا النحو من إهمال التحصين، هو بمثابة هدية نفيسة يقدمها إلى أعدائه.
إنه بمثابة سلاحك ذي الحدة والمضاء والفتك، إذا سلمته لعدوك ليشحذه على طريقته ثم يحاربك به.
فهل ترون في هذا شيئاً من تحقيق مبدأ البراء ممن أوجب الله تعالى البراءة منهم؟ أم أنه خروج صارخ على هذا المبدأ، وتجاهل له من أصله؟!
وإلا فكيف نزعم أننا نتوجع من عدوان أعدائنا، ونشفق على أمتنا من حقدهم وكيدهم، في الوقت الذي نجود لهم فيه بأعز شيءٍ لدينا، وأحب شيء إلينا، وأنفس ثروة لأمتنا، وهم هؤلاء الشباب المبتعثون، وفيهم صفوة من الدارسين والمثقفين؟!
ولا يخفى على من نظر في التاريخ الفكري للمجتمع المسلم عبر القرن الماضي، أن دعاة العلمنة، ودعاة ما يسمى بالتحرر الفكري وتحرير المرأة، الذين هدّدوا بل هدّموا حصون الإسلام من داخلها، لم يكونوا من المستشرقين الغربيين، وإنما كانوا من المستغربين من أبناء الأمة، الذين تتلمذوا على المستشرقين في جامعاتهم، ثم رجعوا إلى شرقهم الإسلامي، لم يبق فيهم من شرقيتهم وإسلامهم إلا أسماؤهم.
أما فعالهم وخِلالـُهم وقلوبهم فلا تقِلُّ سوادًا عن قلوب وفعال أساتذتهم الذين فرَّغوهم من معاني وقيم دينهم - وربما كان بعضهم ذا منبت صالح ونشأة دينية - ثم شحنوهم بما يريدون، وجندوهم ليحاربوا بهم ديننا وقِـيَمنا وملتنا.

المثال الثاني: المدارس الأجنبية
وهذه صورة أخرى تعتبر خرقاً لمبدأ الولاء والبراء - بالباعث الأول - وهي صورة موجودة في المجتمع المسلم، ولو كان ذلك على مستوى بعض أفراده، بل إنها في اتساع ونمو مطّرِد، بسبب التنافس المقيت في المظاهر والقشور، والتباهي بالبهرج ولو على حساب المبدأ والمنهج.
وهي صورة تؤذي قلب كل مسلم غيور، وإني لأدعو كل مسلم معني بهذه الصورة المشار إليها أن ينظر إليها بعين الدين لا بعين العاطفة، ولا بعين المصلحة العاجلة المظنونة، ولا بعين الدنيا ومفاتنها والمباهاة فيها، وإنما بعين الدين التي تؤثر الآخرة على الأولى، وتؤثر مرضاة الله على مرضاة الزوجة والولد والوسط الاجتماعي، وعلى كل زينة الدنيا ومصالحها الموهومة التي يُظن أنها مصالح.
تلكم الصورة هي صورة الأسرة المسلمة التي وهبها الله سبحانه، الذرية من البنين والبنات، وحباها أيضاً العافية في هؤلاء البنين والبنات، فجعلهم أسوياء في الخلقة والعقل، نجباء في التفكير والفهم.
وبدلاً من أن تشكر تلك الأسرة ربها على جليل هبته، فتنبت هؤلاء الأطفال نباتاً حسناً على وفق ما يحب واهبهم سبحانه، مِن حفظ القرآن، وتعلم لغته التي هي لغة الدين القويم، والتعريف بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبسنته وسيرته وسيرة أصحابه رضي الله عنهم، والتعرف إلى تاريخ أمتهم وثقافتها وقادتها وأعلام رجالها، فإن هؤلاء الآباء والأمهات يزدرون هذا النوع من التعليم ويزهدون فيه، ويحبون أن يتميزوا ويتميز أولادهم، فيقتادونهم إلى المدارس الأجنبية.
إلى أين؟! إلى المدارس الأجنبية؟! ومنذ أول سنة في الدراسة الابتدائية! بل ويذهب بعض هؤلاء الوالدِينَ إلى أبعد من ذلك فيلحقونهم بالمدارس الأجنبية حتى في مرحلة رياض الأطفال.


وعندما تسأل: لماذا يا أخي؟ لماذا يا أيتها الأسرة المسلمة؟ لماذا تحرمون هذه النسمة المسلمة من المعرفة الدينية، وتعلُّم العربية، والاطلاع على تاريخ الإسلام الذي هو دين هذا الطفل، وعلى ثقافة وحضارة المسلمين الذين هم أمته؟!


ستجد الجواب: من أجل أن يُحْكِم الطفل اللغة الأجنبية، فتسهلَ عليه الدراسة في الجامعات الغربية.
يا سبحان الله! وهل الذين لم يدرسوا منذ نعومة أظفارهم في المدارس الأجنبية، عجزوا عن تعلم اللغة الأجنبية وعن البراعة فيها؟!
وهل تستحق هذه البراعة المنشودة أن يُحرم الناشئ مِن أجلها عِلمَ الدين، وقراءة القرآن، وغرس مبادئ الاعتقاد الصحيح، ومعرفة القدر المناسب من السنة والسيرة والأحكام الشرعية؟!
ثم لا يفوتنا أن نذكـِّر بأن الأسرة التي تسوِّغ لنفسها هذا الأمر العجيب أسرة مسلمة، أسرة ترى وتسمع بمرارة ما تفعله أمم الغرب الذين تنتمي إليهم تلك المدارس الأجنبية لغة وثقافة ورسالة.. من التنكيل بأبناء المسلمين وديارهم وثرواتهم، إن كان بشكل سافر مباشر، أو كان من خلال المؤازرة الظالمة للكيان اليهودي المجرم الذي زرعوه في المنطقة شجاً في حلق كل مسلم.
أسرٌ مسلمة، يمتعض أفرادها ويتأذون مما يرون من مذابح المسلمين على أيدي اليهود والنصارى وأشياعهم، وربما تجدهم يسألون في خلال تلك المصائب والمذابح: ترى ما موقفنا؟ وما الذي يمكن أن نعمله في نصرة أمتنا؟
ونقول لهم في الجواب: إنه ليس المطلوب منكم أن تعملوا، ولكن المطلوب أن لا تعملوا على تسهيل تنصير أولادكم منذ الصغر، المطلوب منكم أن لا تهيؤوا أولادكم فكريًا وتعليميًا للعلمانية، بسبب الفجوة والجفوة التي يحْدثها التعليم الأجنبي بينهم وبين دينهم منذ نعومة أظفارهم.
وإذا كان الشاب الذي درس في مدارس التعليم العام حتى نهاية المرحلة الثانوية، وعرف القرآن واللغة والتاريخ الإسلامي ومحاسن الشريعة، وعرف الولاء والبراء.. لا يؤمَن أن يرسَل للدراسة مغتربًا في غير بلده، إلا بتهيئة وتحصين ومتابعة، حتى ولو كان اغترابه في البلاد الإسلامية؛ فضلاً عن بلاد ليس لها حظ من دين ولا عفاف ولا قيم.
فكيف بمن يفقد حتى معنى الانتماء؟!، وهو ذلك الطفل الذي ألِفَ معاشرة من ليسوا من ملته ولا من ثقافته، من المعلمين والمعلمات، والطلاب والطالبات، حتى أصبح يستوحش ممن سواهم ولو كانوا من أبناء ملته وجلدته، وهل هناك صورة أبلغ في تنشئة الأطفال على موالاة أعداء الدين أبلغ من هذه الصورة؟
وللحديث إن شاء الله تعالى صلة عن أمثلة أخرى من الموالاة في مجال المال والأعمال.


هوامش:
(1) سورة الزخرف، 81
(2) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، سورة الحجر، 85
(3) تفسير القرطبي، سورة فصلت، 34


بقلم: إبراهيم يوسف منصور

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...