مهاجرون لا لاجئون

مهاجرون لا لاجئون

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الأحد، ٧ ذو القعدة ١٤٣٨ هـ - ٣٠ تموز ٢٠١٧
715

 

*ولكن هجرة غير هجرة* 

أصبح السوريون اليوم يشكّلون النسبة الأكبر عالميا في معدلات اللجوء والهجرة، وقد تبدو اليوم مفردة لاجئ سائغة نوعا ما، لكنني لا أراها تفي بالأبعاد الإنسانية والشرعية لكلمة مهاجر، مع أن مفهوم الهجرة طرأ عليه مدلول عصري مايز بينه وبين اللجوء، فالقانون الدولي الإنساني يحرص اليوم على التفرقة بين فئتي (Refugee/Migrant) واللتان ترجمتا بالمهاجرين واللاجئين، فاللاجئ Refugee  في العرف القانوني هو شخص فارّ من صراع مسلح أو اضطهاد، ويعيش في ظرف لا يُحتمل يدفعه إلى عبور الحدود الوطنية بحثاً عن ملاذ آمن في الدول المجاورة، وبالتالي يحصل على المساعدة من الدول والمفوضية ومنظمات أخرى. ويتم الاعتراف بهم كلاجئين بشكل خاص لأن عودتهم إلى وطنهم خطيرة جداً 

وينصّ القانون الدولي على وجوب عدم طرد اللاجئ أو إعادته إلى أوضاع تهدد حياته وحريته، واستفادته من إجراءات اللجوء العادلة والفعالة؛ والتدابير التي تضمن احترام حقوقه الإنسانية الأساسية للسماح له بالعيش بكرامة وتساعده على إيجاد حلول طويل الأمد. 

أما المهاجر Migrant في العرف القانوني فهو شخص يختار السفر لتحسين حياته بشكل أساسي من خلال إيجاد العمل أو في بعض الحالات من أجل التعليم أو لمّ شمل العائلة أو أسباب أخرى. 

غير أن هذا المفهوم التاريخي والفقهي للهجرة لا يلتقي مع المفهوم المعاصر، بل هو أقرب لكثير من مضامين اللجوء، مع قيمة مضافة باصطلاح الهجرة، يجعل الفعل إراديا، فهو يهجر داره، وهذا يربطه بداره، ويذكره بقضيته، بينما اللجوء يربطه لفظيا بملاذه لا بداره، فهو لاجئ إلى دار كذا!

الهجرة بالمفهوم الفقهي هجرتان: قلبية وحسّية، فالقلبية هجر المنكر والآثام والظلم والحرام، والحسيّة هجر الديار والأوطان فراراً بالدين، أو فرارا من الفتنة والظلم. وهي واجبة لمن تحقّق ظلمه وفتنته بإقامته، ولم تتحقّق له سلامة العبادة والدين، ولا سلامة النفس. {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا}، إلا أن يعجز عن الهجرة  بعذر من أسر أو مرض أو غيره. 

وإذا كانت سلامة الدين والنفس هي أهم مقاصد الهجرة، فثمّة من ينحرف مقصده، ويهاجر لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه، غير أنه ليس مهاجرا بالمفهوم الرسالي، وهو ألصق بالتعريف المعاصر للهجرة كما أسلفت..

في معاني الهجرة النبوية تبرز قيمة الأنصار بإزاء قيمة المهاجرين، فالهجرة تحتاج صدقا، وإخلاصا في النيّة، لذلك وصفهم الله سبحانه بالصادقين: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون)، وضيافة المهاجرين تحتاج تزكية نفس تنفي عنها الأثرة والشحّ والحسد والضغينة، وهذا سرّ الفلاح: (والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون).

ما أحوج المهاجرين في كل عصر ومصر لهؤلاء الأنصار المفلحين، وما أحوجهم في أنفسهم لذلك الصدق والإخلاص في استحضار مقصد هجرتهم، فيتعاملوا مع الآخرين بأدب الضيف على مضيفه..

غير أن عليهم أن يستحضروا مفهوم الهجرة لا اللجوء، حتى لا يبقوا عالة يتكففون الناس مخيماتها وإحسانها، بل يسعون جاهدين مجتهدين لكفاية أنفسهم ومن يعولوا بعزّة وكرامة وتعاون وحب، فثقافة الكراهية والعنصرية تعيش في مستنقعات اللجوء الاضطرارية، وسرعان ما سيخرج رؤوس النفاق في كل مجتمع عقيرتهم تشكيّا من منافسة المهاجرين لهم في سكنهم وطعامهم، كما قالها رأس النفاق في الصدر الأول: (إنما مثلنا ومثلهم كقول القائل سمّن كلبك يأكلك، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منا الأذلّ) غير أن مجتمع الفلاح لم يسمح لهؤلاء السفهاء أن يشوهوا صورة أخوته وإحسانه وإيمانه، فحفظ لهؤلاء المهاجرين كرامتهم، وصان حقوقهم، وقاسمهم آمالهم وآلامهم، وهكذا ينبغي أن يكون كل مفلح، كما على المجتمع المهاجر أن يحفظ قيم الصدق حتى لا يخسر مقصده الأعظم، مبتغيا فضلا من الله ورضوانا، ناصرا لله ورسوله إن كان مؤمنا، ولكل القيم الإنسانية الحضارية التي هاجر من أجلها إن لم يكن بمؤمن، أما من هاجر لما هو دون ذلك، فهجرته إلى ما هاجر إليه، لا يزاود على غيره، ولا يدّعي ما ليس له، فما هو بالمهاجر إلى ربه، تلك الهجرة الرسالية، بل لعله واحدا من متسلقي الثورات الذين يريدون حصد الغنم بلا غرم، فيفرحون بما أتوا، ويحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا، ويكثرون عند الطمع، ويقلّون عند الفزع، جسده بينكم، وقلبه رغبه ورهبه هناك، (ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كلما رُدّوا إلى الفتنة أُركسوا فيها). صورتهم صورة ثائر، وثقافتهم ثقافة شبّيحة، خرجوا في ركاب الهجرة  بأطماعهم وهواجسهم، فما زادوها إلا خبالا وأوضعوا خلالها يبغونها الفتنة  والتشويه، حتى ينصرف الناس عنها!

هؤلاء المندسين في بعض صفوف الهجرة ليسوا هم سواد المهاجرين، ولا تلك العصابات القميئة التي تحارب المهاجرين تمثّل الأنصار، غير أن قدرنا أن يكون في صفوفنا القلّة المندسّة هنا لمواجهة القلة الموجودة هناك، ويصنع هؤلاء المتطرفون المنحرفون هنا وهناك صورة غير حضارية لصراع عنصري طائش لا يليق بين الأشقاء، ويشمت الأعداء، ويصدّ ويفرّق الأصدقاء! غير أنه بيقين لا يمثّل السواد الأعظم  لا هنا، ولا هناك!  شكرا لكل من أطفأ الفتنة العنصرية في لبنان وغيرها ولو بشقّ كلمة!

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...