مَن يقود مَن؟

مَن يقود مَن؟

التصنيف: ركن الشباب
الاثنين، ١٧ رمضان ١٤٤٦ هـ - ١٧ آذار ٢٠٢٥
207

أذكر حين كنت صغيراً؛ أنّ والدتي، رحمها الله، كانت حريصةً على اقتناء مجموعةٍ من الدجاج في حديقة منزلنا باللاذقية، وكانت الحديقة تحيط بالمنزل من جهاته الأربع.


كان لدينا إحدى عشرة دجاجةً وديكٌ واحد، وكنّا، حين يأتي موعد إطعامهنّ، ننثر لهنّ الحبّ عشوائياً، هنا أو هناك. وشيئاً فشيئاً بدأنا نلاحظ ظاهرةً غريبة، وهي أنّنا حين ننثر الحَبّ أمام الدجاجة فإنّها تلتهمه بسرعةٍ، غير آبهةٍ ببقيّة الدجاجات المتوزّعة في كلّ مكانٍ حول البيت. وكانت في كثيرٍ من الأحيان تأتي على كلّ ما كان أمامها من الحَبّ قبل وصول زميلاتها ومشاركتهنّ لها.


وحدث في إحدى المرّات، وبمحض المصادفة، أن رمينا الحَبّ أمام الديك، ولكنّه لم يمدّ منقاره إلى حبّةٍ واحدة، بل اشرأبّ برأسه وراح يصيح بأصواتٍ مرتفعة، وإذا بالدجاجات من كلّ جوانب الحديقة تستجيب لندائه مندفعةً بقوّةٍ باتّجاه موقعه، وحالما وصَلْنَ إليه؛ بدأن بالتهام الحبّ بشراهةٍ غير عابئاتٍ بانتظار زميلاتهنّ المتأخّرات، وهو ينظر إليهنّ باعتزازٍ وثقةٍ وشموخ، من غير أن يحاول أن يمدّ منقاره إلى حبّةٍ واحدة، ورأسه ما تزال مشرئبّةً إلى أعلى وكأنّه يبحث عن الأخريات. كان يبدو وكأنّه يحصيهنّ واحدةً واحدة، مصرّاً على التأكّد من حضور آخر فردٍ من الأسرة. ومع وصول الدجاجة الحادية عشرة؛ كان ينظر إليهنّ جميعاً، ومن غير أن يحاول التقاط حبّةٍ واحدةٍ لنفسه، متفقّداً لهنّ، ومستمتعاً بمراقبتهنّ وهنّ يأكلن بنهمٍ غير عابئاتٍ بأيّ شيءٍ آخر، ولا بالديك أيضاً. وحين يطمئنّ إلى أن كلّ "الرعيّة" قد أكلت وشبعت؛ يهبط برأسه ليتناول بكبرياء بعض ما تبقّى من حبوب، وهو قليل، ثمّ ما يلبث أن يمسح منقاره بالأرض معلناً انتهاء الوجبة وكأنّي به يقول: الحمد لله، اكتفينا واكتفت العائلة!


كان مشهداً عجيباً ما يزال محفوراً بذاكرتي إلى الآن، وتعلّمنا منذ ذلك اليوم ألّا نرمي بالحبوب إلّا حيث يكون الديك!


ومن منّا لم يشاهد ذلك الفيديو الأمريكي السائر (موقع الجزيرة 21.3.2019) لمجموعةٍ من الديوك الروميّة وهي تعبر طريقاً سريعاً وعريضاً، وخطِراً جدّاً، للسيارات، وقد وقف قائدها، الذَّكَر، في وسط الطريق، غير آبهٍ بالسيّارات التي توقّفت خلفه مرغمةً، ريثما تمرّ أمامه "قافلةُ زوجاته" بهدوءٍ واعتزازٍ وأمان، واثقاتٍ بحماية (رَجُلِهنّ) القويّ، وقد احتشد خلفه صفٌّ لا نهاية له من المركبات المشدوهة بهذا المنظر الفريد، وهي تنتظر الإشارة من "الشرطيّ الروميّ" كي يسمح لها بالمرور، إلى أن انتهت المهمّة المستحيلة، وسمح لها "سيادته" أخيراً بالتحرّك، وغادر مكانه بهدوءٍ وثقةٍ وكبرياء، لاحقاً بإناثه على الجانب الآخر من الطريق؟


تُرى، هل سنجد غداً من يتّهم هذا "الشرطيّ" الأمين، والمصرّ على المجازفة بحياته من أجل حماية إناثه، بالذكوريّة والقوامة؟


وهل سنجد من يتّهم بالذكوريّة والقوامة، أيضاً، ذلك الديك الذي يظهر في فيديو آخر وهو يقترب بإشفاقٍ من خلف دجاجةٍ تقف في أرضٍ موحلة، والمطر يهطل فوقهما بغزارةٍ غير عاديّة، وما أن يصبح بمحاذاتها حتّى يَفرد جناحَه فوقها ليحميها من المطر؟


إنها الفطرة التي زرعتها السماء في داخل كل ذكر، وفي داخل كلّ أنثى، إنساناً أو حيواناً، ولكنْ وحده الإنسان هو الذي حاول "بذكائه الشيطانيّ" أن يتمرّد على وظيفة هذه "الشريحة" أو "التطبيق الإلهيّ" المزروع في داخلنا، من أجل أن يتوقّف الرجل عن الإحساس برجولته، وبمسؤوليّته كرجلٍ عن المرأة، ومن أجل أن تتوقّف المرأة عن الإحساس بأنوثتها، وثقتِها بمسؤوليّة الرجل تجاهها!


مديرٌ من غير سكرتيرة، وسكرتيرة من غير مدير!
يَصرخ المدير الجديد: أين سكرتيرتي، كيف لمؤسّسةٍ أن تتحرّك من غير سكرتيرة؟
وتأتي السكرتيرة.
في العام الأوّل؛ تنظِّم أعمالَ المدير، مِلفّاته، مراسلاته، مواعيده.. كلّ شيء. وتتحرّك المؤسّسة.
في العام الثاني؛ تبدأ بمناقشة مديرها في قراراته، فتُغيّر بعضها، وتُلغي بعضها، وتضيف إليها مِن عندها. وتتباطأ المؤسّسة.
في العام الثالث؛ تَنْقُل كرسيّها إلى مكتبه وتقول بصوتٍ أجشّ: أنا مديرةٌ أيضاً! وما الذي ينقصني؟
ماذا تتوقّعون أن يحلّ بمثل هذه المؤسّسة في العام الرابع؟
ما الذي يمكن أن يحدث لمؤسّسة، أيّة مؤسّسة، لو عيِّن لها سكرتيرتان من غير مدير؟
وما الذي يمكن أن يحدث لها لو عُيِّن لها مديران من غير سكرتيرة؟


ليس عيباً في السكرتيرة أن تكون سكرتيرة، ولكن العيب في أن تخلط عملها بعمل مديرها، وألّا تقوم بالعمل الذي أسند إليها خير قيام.


ولا فضل للمدير في أن يكون مديراً إذا لم يكن عند مستوى العمل الذي أسند إليه، وأخفق في أن يحمل على عاتقه مسؤوليّة كلّ العاملين تحت إمرته، ولم يكن على تفاهمٍ واتّصالٍ مستمرٍّ ومباشرٍ مع سكرتيرته، أقربهم إليه، وأكثرهم إحاطةً وعلماً بتفاصيل ما يجري في مؤسسته.


نحن نفهم أن يكون لكلّ سفينةٍ ربّانٌ، ومساعدٌ للربّان، ومهندسون، وبحّارة، كلٌّ في اختصاصه، ولكن ماذا يمكن أن نتوقّع من سفينة يديرها ربّانان، أو يديرها البحّارة جميعاً؟


حتّى السموات والأرض؛ سيكون مصيرها إلى الفساد والفوضى والانهيار؛ لو شارك في إدارتها وتسييرها أكثر من إلهٍ واحد:

- لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلّا اللَّـهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّـهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [الأنبياء: 22]


هذا بالضبط ما يجري الآن في الأسرة الغربيّة، وفي من يهرول وراءها من المجتمعات الأخرى أيضاً. لم يعد هناك شيءٌ اسمه (ربّ الأسرة) بل (ربّا الأسرة)، وإذا أصرّ الزوج على ممارسة صلاحيّته على أنه (ربّ الأسرة) انتهى الأمر بالزوجة إلى التمرّد والعصيان، وتمّ إنهاء هذه المؤسّسة/الأسرة، والشروع في إجراءات (الطلاق). ثمّ، وتبعاً للقانون، تبدأ إجراءات انتقال ملكيّة نصف المؤسّسة/البيت إلى السكرتيرة/الزوجة، فضلاً عن نصف أموال مدير المؤسّسة/الزوج، المنقولة وغير المنقولة، حتّى تلك التي لا علاقة لها بعمل هذه المؤسّسة.


ترى، من سيجرؤ بعد هذا على التقدّم للزواج من أيّة فتاة؟! وهل هناك طريقةٌ أدهى من هذه الطريقة للقضاء على نظام الزواج، ومن ثمّ القضاء على فكرة الأسرة من أساسها، بل انقراض الأمّة بالكامل؟


لقد شاءت حكمة الله أن يكون في هذه الأرض مؤسّسةٌ اسمها العائلة، ثمّ شاءت حكمته أن يكون لها مديرٌ مؤهَّلٌ لإدارتها اسمه الزوج، ثمّ شاءت حكمته أن يكون لها سكرتيرةٌ مؤهّلةٌ اسمها الزوجة. فماذا يمكن أن يحدث لهذه العائلة إذا هبّ أحد الطرفين مطالباً بأن يتولّى مسؤوليّة الطرف الآخر؟


لنقرّب الصورة أكثر. إنّه ليس عيباً في عالِم التاريخ أو عالِم الاجتماع أن يكونا كذلك، وليس عيباً في عالِم الفلك أو عالِم الذرّة أو عالِم الأرض أن يكونوا كذلك، فكلٌّ منهم عالِمٌ متبحّرٌ في تخصّصه، وليس لأحدهم أن يتفاخر على الآخر بأهمّية اختصاصه، فالبشريّة بحاجةٍ ماسّةٍ إلى كلّ تخصّصاتهم. ولكنّ خراب العلم والعالم معاً سيكون في أن يصرّ أحد المختصِّين على أن يقوم بعمل المختصِّين الآخرِين!


المرأة والرجل بمثابة عالِمين مختصَّين، كلٌّ متبحّرٌ في اختصاصه، ومهيّأٌ عقليّاً وجسديّاً من السماء لممارسة هذا الاختصاص، وسيواجه المجتمع نتائج كارثيّةً عندما يحاول أيٌّ منهما أن ينازع الآخر عملَه، ويصرّ على أن يبادله، أو يشاركه، أو يزيحه عن تخصّصه؟


إنّنا سنخسر كلا التخصّصين، وسيخسر العالم معهما هذه المؤسّسة العريقة التي نسمّيها "الأسرة"، والتي يقوم على إدارتها وتشغيلها هذان العالِمان المتخصّصان، وقد كانت دائماً الأساس الأوّل لقيام، أو سقوط، أيّة حضارةٍ في هذه المعمورة.


بقلم: د. أحمد بسام ساعي

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...