من هدي النبوة... الإسلام دين الحياة

من هدي النبوة... الإسلام دين الحياة

التصنيف: ركن الشباب
الاثنين، ١٠ جمادى الأولى ١٤٤٦ هـ - ١١ تشرين الثاني ٢٠٢٤
253

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


لعلنا قرأنا وسمعنا مرات ومرات حديث النفر الثلاثة الذين حوصروا في جبل في ليلة ممطرة؛ وطالما تحدث خطباء المنابر والوعاظ في شرح هذا الحديث الصحيح الذي خرجه البخاري ومسلم كما خرجه غيرهما من أهل الحديث. محور الحديث هو أنّ ثلاثة أنفار قد ضاقت بهم الحيل وقت سدت صخرة باب الجبل أو الغار الذي أوَوا إليه احتماء من مطر شديد في ليلة مظلمة فأشاروا على بعضهم أن يدعو كل أحد منهم ربه بما يرجو أن يكون عملا صالحا متقبلا خالصا لله سبحانه وتعالى لعل الله سبحانه يفرج عنهم كربتهم. فتحدث أحدهم عن أبويه الشيخين الضعيفين وكيف أبى أن يسقي أبناءه الجوعى اللبن قبل أن يستيقظ والديه من النوم من نفسيهما. وذكر الآخر ابنة عم له أحبها حبا كبيرا وساعة اضطرت في سنة عسرة أن تخضع للحظة ضعفه ذكّرته ابنة عمه الله سبحانه فاستجاب وامتنع عن الفعل المشين. وتحدث ثالثهما عن عامل استقلّ الأجر الذي دفعه له صاحب العمل وهجره إلى حين. ثم لما عاد يطلب أجره وجده أضعافا مضاعفة لما كان صاحب العمل قد استثمر ذلك المال القليل.


لعل مما يلفت في هذا الحديث الشريف هو طبيعة الأعمال التي ذكرها الرجال الثلاثة توسلا إلى الله سبحانه أن يزيح عنهم همّ الصخرة التي سدت عليهم المنافذ. لم يتحدث أحدهم عن كثرة صلاة وعبادة أو كثرة صوم وتنسك أو انقطاع عن الدنيا وأنشطتها أو غير ذلك من أعمال فردية تنفع الشخص دون غيره، على أهمية ذلك وعظمته وأثره. لكنّا نرى كل أحد منهم قد ذكر عملا دنيويا مباشرا يخص الفرد وعلاقته بالمجتمع الذي يعيش فيه. يلاحظ أيضا أنهم جميعا ذكروا أعمالا وثيق الصلة بنوازع النفس البشرية من أثرة فطرية أو شهوة جسدية أو حب الخير والمتاع. ثلاثة أصناف من الأنشطة البشرية قد لا ينفك عنها الإنسان طوال حياته الدنيوية. الحياة العائلية الفطرية ضمن أسرة صغيرة تضم الوالدين والأولاد إلى أسرة كبيرة ممتدة تشمل الجيل الأول والثاني والثالث- الجدان والأبوان والأولاد (الحفدة). ثم الميل الفطري الطبيعي بين الرجل والمرأة وما يشكله من فتنة قد تودي بالفرد وبالمجتمع على السواء. ثم العمل من تجارة أو زراعة أو صناعة. ولعل هذه الحالات الثلاثة والاثنتان الأوليتان على الخصوص هي الجهة التي تصوب نحوها اليوم سهام المفسدين في الأرض ويحاربون من خلالها لا المسلمين فحسب بل الإنسانية عموما. فها نحن نسمع ونرى كيف يحاربون بناء الأسرة الصغيرة والكبيرة على حد سواء. بل تمادوا في غيهم وطغيانهم إلى حد يدفعون البشر إلى نكران الفروق الفطرية الطبيعية بين الذكورة والأنوثة وتقنين الزواج بين أفراد النوع الجنسي الواحد ليقتلوا بذلك البذرة الأولى في تكوين العلاقة الصحيحة القويمة بين الزوجين ومن ثم تكوين أسرة مترابطة مسؤولة هي عماد المجتمع على ما خبرته البشرية حتى يومنا هذا. تماما مثلما يحاربون الفضيلة والمثل والأخلاق ويقدمون الأنثى سلعة رخيصة بينما عرفتها البشرية -والمسلمون خصوصا-أمّا حنونا أو ابنة محبة أو أختا عطوفة أو زوجة مصونة في منزلة عالية راقية. أما الحرب على البشرية من جهة العمل والتجارة والصناعة فقد تكون تجلّت في أبشع صورة وأكثرها وضوحا في افتراء تعطيل اقتصادات المجتمعات أثناء أزمة كورونا المزعومة المشهورة؛ وما نتج عن ذلك من إفقار للشعوب عموما بينما ازداد ثراء الأثرياء الكبار على نحو خطير.


نعود فنقول، تصور الحالات الثلاثة الواردة في القصة حالات النزاع أو الصراع النفسي الداخلي أو حالات التجاذب بين الارتقاء نحو الملائكية أو النكوص إلى الحيوانية أو التدافع بين تطلع الإنسان إلى الكمال وطينيته التي تشده إلى أسفل. في الحالة الأولى أبوان شيخان كبيران وأولاد صغار وجميعهم لم ينالوا طوال اليوم طعاما ولمّا يحضر الطعام آخر الليل يكون الشيخان في نوم عميق بينما الصغار في جوع شديد والطعام هو هو؛ فهل يقدمه الرجل لأولاده الجوعى الذين ما ذاقوا النوم لجوع أصابهم وقد يأتون عليه كله ويحرم أبويه من سد رمقهما أم يفسد عليهما نومهما ويوقظهما! صراع عنيف ومقايسة دقيقة لكن الرجل، وما نسي فضل والديه عليه، يميل إلى أن يمنع الطعام عن أولاده لحين يطمئن سقاء والديه فجر اليوم التالي. في الحالة الثانية، والرجل يقارب حدا من حدود الله فتذكره المرأة المسكينة الله وتخوفه فيها فيأوي إلى رشده وتردعه تقواه ويرتقي في إنسانيته ويهجر طينيته ونوازعه الجسدية المادية خوفا من الله وطمعا في مرضاته. أما الثالثة ففتنة المال وما أشدّها. عامل عمل لك عملا بأجر لكن يرده مستقلا له ومستحقرا! لكن صاحب العمل يحافظ على ذلك الأجر ويربيه. حتى جاء يوم عاد الأجير وطالب بأجره القديم- ولنا أن نخمن أن حاجة أو فقرا أصابه- فأوفى له صاحب العمل أجره أجرا عجب له الأجير! هلّا كان أعطاه أجره وكفى أو زاد عليه قليلا! لكن تقواه علت به وارتقت فدفع إلى أجيره أصل أجرته وربحها عن جميع ما مضى من وقت وزمن.


ما أعظم هذا الدين وما أرقاه وما أحسن وأصدق واقعيته وإنسانيته. يعرف حقيقة النفس البشرية وتقلباتها وصراعاتها ويعرف حقيقة التعامل البشري وحقيقة الاجتماع البشري وما فيه من صعود وهبط ورقي ونكوص ويدرك هذه الحقائق ويعترف بها لكنه دائما يسعى بالإنسان والمجتمع والحياة إلى الأرقى والأحسن والأفضل.


ما أصدقك حديثا يا حبيبي وسيدي يا رسول الله- صلى عليك الله وسلم! كيف لا وأنت الذي لا ينطق عن هوى. ويوم يريد أن يمثل لنا الرسول الكريم ويقرب إلينا الحدث يمثله بما تدرك النفس البشرية وتختبره وتعرفه وتعانيه. يمثله لنا صورا من واقع الحياة العائلية والمجتمعية والتشاركية والتدافعية ندرك صدقها وحقيقتها ومعناها. يرسم لنا صورا حقيقية عن أناس حقيقيين يعيشون حياتهم بمشاكلها وصعابها وصراعاتها وتكابد أنفسهم عويص الأمور والأحوال والتقلبات.


إنه صلى الله عليه وسلم الرسول القدوة والرسول الأسوة يعلمنا حقيقة الحياة وصعابها وكيفية معالجتها معالجة راقية سامية. لا يمثل لنا الرسول القدوة بصور قد تكون خافتة أو باردة عن دعوى إيمان لا يمتحن في معترك الحياة بتعرجاتها والتواءاتها ومنحنياتها. أو صورة تقوى ذاتي داخل مسجد منعزل عن الحياة والأحياء.


هذا هو ديننا وهذه حقيقته دين الإنسان كما خلقه ربه بنوازعه الخيرة والشريرة؛ الراقية والدنيّة؛ العلوية والسفلية؛ السماوية والأرضية.. دين الحياة كما هي صعبة قاسية شائكة معقدة محيّرة ومستفزة.. لكنه يسمو بالإنسان والحياة سموا يليق بجلال الله سبحانه خالق الإنسان والحياة..


عبد المعين سليمان الجداع


تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...