من هدي القرآن.. وقفات مع سورة المزمل

من هدي القرآن.. وقفات مع سورة المزمل

التصنيف: ركن الشباب
الجمعة، ١٤ جمادى الأولى ١٤٤٦ هـ - ١٥ تشرين الثاني ٢٠٢٤
230

الحمد الله رب العالمين حمدا يليق بجلاله وعظمته وسلطانه؛ والصلاة والسلام على إمام المتقين سيدنا وقدوتنا ومولانا وحبيبنا محمد النبي الكريم وآله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.



تبدأ السورة الكريمة بنداء تحبب وتلطف. (يا أيها المزمل)..


ثم المطلوب. (قم الليل).. هكذا نداء فأمر ثم يأتي البيان والسبب.. وكأن الرسول الكريم وقد اعتاد على الاختلاء بغار حراء للتعبد قد علم ربه أنه تهيأ للحمل العظيم والواجب الكبير فيأتي النداء والأمر دون مقدمات ودون شروحات وتفسيرات..


لماذا يا رب قيام الليل! (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) هذا القرآن العظيم المشتمل على مهمة عظيمة توجب قيام الليل.. صلة خاصة خالصة لله تعالى تكون هي الزاد على الطريق.


وماذا في القيام! ذكر للرب سبحانه ولاحظ كلمة الرب.. الرب هو الخالق المالك المدبّر السيد المعبود المصلح.. (وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلۡ إِلَيۡهِ تَبۡتِيلٗا)


ولما كان سبحانه هو الرب فهو الوكيل الحق.. الكافي خلقه بما يحتاجون والمتكفل بتدبير شؤونهم. الرقيب الحفيظ القائم بأرزاق خلقه وهو سبحانه نعم من يتوكل عليه وتفوض إليه الأمور.. (فَٱتَّخِذۡهُ وَكِيلٗا)


والقيام لله تعالى والالتجاء إليه والتوكل عليه وتفويض الأمر له لأن هناك قوم سيقولون قولا


(تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا) [مريم: 90 - 92].


وسيقولون عنك أيها الرسول أقوالا ويصفونك أوصافا يلزمها الصبر والتصبر..


(أَمۡ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيۡبَ ٱلۡمَنُونِ) [الطور: 30].


(وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزۡلِقُونَكَ بِأَبۡصَٰرِهِمۡ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكۡرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجۡنُون) [القلم: 51].


إذن المحنة قادمة والأيام الصعاب تنتظر واللجوء إلى الله هو السبيل.


ومهما قالوا وزعموا فدعهم.. فهناك يوم ينتظرهم. يوم الرجوع إلى الرب سبحانه.. يوم العقاب والحساب والغصة..


ثم تربط الآيات الكريمة هذه الدعوة بسلسلة دعوات الأنبياء السابقين وتكفي الإشارة إلى نبي الله موسى عليه السلام وما عاناه من قومه.. وقصص قوم موسى متعددة السرد، متعددة المعاني، متعددة الصور في القرآن الكريم.


وهذا الربط يفيد وحدة الرسالات ووحدة المعاناة وإن اختلفت وتعددت صورها..


وفي الإشارة إلى النبي موسى عليه السلام، تشير الآيات على قصرها إلى الأخذ الأليم للكفار في الدنيا (أخذا وبيلا)؛ يوم تشيب الولدان وتنفطر السماء!! يوم الحساب والجزاء..


ثم على رسلك أيها الإنسان.. صحيح أن الرب الوكيل قد أرسل الآيات المنذرة وترك لك حرية الاختيار.. لكن بعد آيات الوعيد والتحذير وآيات القول الثقيل ومثله النداء الحنون الرقيق يا أيها المزمل ثم نعمة الصلة الأخص بين العبد وربه في قيام الليل هل يبقي للعاقل الرشيد الذي يدرك أن مآله إلى الله سبحانه في يوم تنفطر السماء وتشيب الولدان إلا أن يتخذ سبيل الهدى سبيلا وطريق الإيمان والطاعة طريقا..


(إنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٌۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًا)


تعود الآيات بعدها لتربط الحبيب المصطفى- الذي تنتظره وأصحابه والمسلمين الصعاب والمحن إلى يوم الدين- بالله سبحانه في آية واحدة فيها الربوبية والعلم والهيمنة؛ والألوهية والرحمة والتوبة والإرشاد الرباني القويم


(إِنَّ رَبَّكَ يَعۡلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدۡنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيۡلِ وَنِصۡفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَۚ)


تحنان وتلطف ورحمة ورعاية، وثناء.. إنّ الله ربك مطلع على أحوالك والمؤمنين ويعلم ويحيط بما تجهد له من قيام الليل الموصوف في أول السورة (إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيۡلِ هِيَ أَشَدُّ وَطۡـٔٗا وَأَقۡوَمُ قِيلًا). ولنلحظ ما في كتب التفسير أنّ قيام الليل في أول السورة كان قد ابتدأ في العهد المكي، بينما هذه الآية في السنة السابعة أو الثامنة من الهجرة.


ربّك عليم ومطلع على عبادتك وقيامك وصحبُك الليلَ أو بعضه ولما كان هو خالق الخلق ومدبر أمرهم والعالم بحقيقتهم وقدراتهم واستطاعاتهم وحاجاتهم الدنيوية المعيشية قد يسّر لك ولهم أمر العبادة..


ولنلاحظ كيف تشير الآيات إلى أعمال العباد وأحوالهم.. فهناك المرضى وهناك من يسعى إلى رزقه ورزق أهله وهناك من يجاهد في سبيل الله.. ولعل هذا مجمل أحوال العبيد ما بين من يعمل لكسب الرزق أو يعمل لدعوته أو مريض أتعبه الطريق!! لكن الأمر ميسر ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها..


لتنتهي الآيات الكريمة بتذكير النبي الكريم والمؤمنين من بعده بفروض تعبدية من صلاة وزكاة ثم ما تقدموا لأنفسكم من خير.. فأبواب الخير كثيرة ومتنوعة ولكل أن يختار حسب حاله الموصوف قبلُ.. (المرض أو الجهاد أو السعي في طلب الرزق)


وفي الختام.. (واستغفروا الله إنّ الله غفور رحيم)


ربك سبحانه قد وكل إليك يا محمد (صلى الله عليه وسلم) وللمؤمنين معك وبعدك أمر تبليغ الرسالة والذود عنها وهو أمر عظيم وطريقه طويل فيه الأذى والتعب والنصب؛ وأحوال العبد، أي عبد، ليست على سوية واحدة فينتابه ضعف بدني كما ينتابه ضعف معنوي نفسي سواء كان في قيام ليل أو جهاد دعوة أو سعي في رزق، فلا بد في نهاية المطاف ودائما وأبدا من اللجوء إلى الله (ولنلاحظ هنا ورود لفظ الجلالة الله، وليس لفظ الربّ سبحانه) والتوبة إليه وطلب المغفرة منه..


عبد المعين سليمان جداع


تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...