بقلم : محمد السيلاوي
إن عطايا شهر رمضان لا تحد بحدود ، ولا تحصى بعدد .
في هجعة الليل ودجى الأسحار ، حينما يخلدُ الناس إلى النوم .. إلى الفراش الوطيد .. إلى الراحة .. يقوم المحبون العابدون ، والطائعون الساجدون ، والقائمون الراكعون ، يستحضرون عظمة ربهم ، فيأنسون بحضرته ، وتطيبُ قلوبهم بذكره ، وتفرح نفوسهم بفضله ورحمته ، ويشتاقون إلى عطائه وجنته ، يحدوهم قول الله عزّ وجلّ : " تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً " [ السجدة:16]، ويهتف بهم قوله سبحانه وتعالى : " كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون " [ الذاريات : 17-18 ] .
فما أحلى هذه الأوقات ، والمؤمن بين يدي مولاه واقف ، وفي رحابه عاكف ، يدعوه بقلب واجف ، ولسان خائف ، ودمع واكف .. يستمطر رحماته ورضوانه ، ويرغب في أعطياته وهباته .. يقول سبحانه وتعالى : " أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ " [ الزمر : 9 ].
أخي الحبيب الأريب : إن قيام الليل دأب الصالحين ، وأنس الصائمين ، وتجارة الفائزين ، وشرف المؤمنين ، وقربة إلى ربِّ العالمين ، وهاهو سيد القائمين والعابدين صلى الله عليه وسلم يقول : " {عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم ، وقربة إلى الله تعالى، ومكفرة للسيئات ، ومنهاة عن الإثم ، ومطردة للداء عن الجسد } [رواه أحمد والترمذي ]. ويقول صلى الله عليه وسلم : " { في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها } فقيل: لمن يا رسول الله؟ قال: { لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائماً والناس نيام } [رواه الطبراني والحاكم وصححه ].
وقد رغب القرآن في قيام الليل ، قال سبحانه وتعالى : " لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ , الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ , الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ ". [ آل عمران : 15-17 ]. وقال جلّ جلاله : " إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ, تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ , فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " [ السجدة : 15-17 ].
ومن جميل ما قاله ابن عطاء الله يصف فيه الصلاة وما فيها من أسرار بين العبد وربه حيث يقول : الصلاة طهرة للقلوب من أدناس الذنوب ، واستفتاحٌ لبابِ الغيوب . الصلاة محلُّ المناجاة ، ومعدنُ المصافاة ، تتّسعُ فيها ميادين الأسرار ، وتُشرق فيها شوارق الأنوار . ويقول الحافظ ابن رجب : ( واعلم أن المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه: جهاد بالنهار على الصيام، وجهاد بالليل على القيام، فمن جمع بين هذين الجهادين وُفِّي أجره بغير حساب ).
فالحرص الحرص – أخي – على صلاة الليل ، واقتدِ بسلفك الصالح ، فهذا شداد بن أوس كان إذا أوى إلى فراشه كأنه حبة على مقلى، ثم يقول: اللهم إن جهنم لا تدعني أنام، فيقوم إلى مصلاه.
وكان طاوس يثب من على فراشه، ثم يتطهر ويستقبل القبلة حتى الصباح، ويقول: طيَّر ذكر جهنم نوم العابدين !!
اللهم لا تحرمنا شرف الوقوف بين يديك في جوف الليل .
والحمد لله رب العالمين
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


