من نفحات رمضان ـ الجهاد في سبيل الله

من نفحات رمضان ـ الجهاد في سبيل الله

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الجمعة، ١٥ رمضان ١٤٣٣ هـ - ٣ آب ٢٠١٢
1219

بقلم : محمد السيلاوي
      الجهاد في سبيل الله من أعظم القُربات ، وأجلِّ الطاعات ، وأسمى الغايات ، وأعلى المرتبات ، به تقوى الأمة وتسود ، وعن حياضها تدافع وتذود ، وللأمم تسود وتقود ، به يعزّ الإسلام وينصر ، ويذل سيف الكفر ويكسر ، فهو ذروة سنام الإسلام ، وسلعة الله الغالية ، والتجارة الرابحة ، يقول تعالى : } إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ والإنجيل وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [التوبة: 111].
      وقد وعد الله عز وجل الأمة - إن هي استمرت على نهج الجهاد - بالنصر والتمكين ، قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ " [ محمد : 7]. وقال سبحانه وتعالى : " وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ " [ الحج : 40 ].
      ولا بدّ من الاستمرار بالتذكير بالجهاد وإحيائه في نفوس الشباب المسلم ، كي تبقى جذوته مُتَّقدة في عقولهم وقلوبهم ، ولا بدّ للأمة التي تُعدّ نفسها للقيادة والريادة والخلافة الراشدة ؛ أن تجهز وتُعد هؤلاء الشباب ، بدئاً بالتحفيز والتحريض والتوجيه ، ثم بالتعليم والتدريب ، يقول الله عز وجل : " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ " [ الأنفال : 65 ].
      ومن القصص في التحريض على القتال : ما حكاه مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي عن أبي المظفر سبط ابن الجوزي أنه جلس في سنة ستمائة وسبع من الهجرة في مسجد دمشق يحرض الناس على قتال التتار ، الذين عاثوا في الأرض فساداً .
      قال سبط ابن الجوزي : إنّ الذين حضروا درسه كانوا حوالي ثلاثينَ ألفاً ، وكان يوماً مشهوداً بدمشق ، وكثُر فيه التائبون الراغبون في الجهاد ، وتبرعت فيه كثيرٌ من النساء بشعرهنّ ، ليكون لِجَاماً وعِقَالاً لخيل المجاهدين . وصنعوا من شعر النساء ثلاثمائة عقال لخيل المجاهدين .
     وخرج الناس للجهاد من دمشق ، وتوجَّهوا جنوباً نحو " الكسوة " ، وانضمَّ إليهم المتطوعون للجهاد في " الكسوة " و " زملْكا " وغيرها .
   وتوجهت ألوف المجاهدين نحو الجولان ، ونزلت عقبة " أفيق " من الجولان إلى غور الأردن ، ثم قطعوا الغور ، وتوجّهوا نحو مدينة " نابلس " . واجتمعنا بالملك العظيم في نابلس ، ورحّب بنا ، وجلستُ في جامع نابلس أحرضُ الناس على الجهاد .
     وخرج الآلاف من المجاهدين من مدينة نابلس ، وهاجموا البلاد التي يحتلها الفرنج ،وقتلوا منهم جماعة ، وأسروا جماعة ، وعادوا سالمين أ.ه .
     وقد خاض المسلمون الأوائل من السلف الصالح المعارك الضارية ضدّ الكفر وأهله جهاداً في سبيل الله ، ففتحوا به بلادَ الدُّنيا شرقًا وغربًا، حتى وصلوا إلى الصين، ودخلوا بلادَ الأندلس، ودخلوا بلادَ السند والهند ، وكان النصر والظفر حليفهم ، وفتح الله عليهم خيرات الأرض وكنوزَها، يومَ أن كانوا أعِزَّةً بهذا الدين .
      أيها الشباب المسلم : أخلص نيتك ، وحقق عزمك ، وقوِّ إرادتك ، وصحح قصدك ، وطهر قلبك ، واعزم همتك ، وجهّز عُدتك ، فقد حدا بكم حادي الشوق ، ونادى بكم منادي الحق : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ " [ الصف : 10 – 13 ].
     روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " يا رسولَ الله : ما يعدلُ الجهادَ في سبيل الله ؟
قال صلى الله عليه وسلم : لا تستطيعونه !
فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثاً ، كل ذلك يقول : لا تستطيعونه .
ثم قال : مثلُ المجاهد في سبيل الله كمثلِ الصائم القائم القانت بآيات الله ، لا يَفْتُرُ من صلاةٍ ولا صيام حتى يرجعَ المجاهدُ في سبيل الله " .
      يقول ابن النحاس رحمه الله : هؤلاء الصحابة لا يستطيعون أن يعملوا عملاً يعدل الجهاد ، مع أنهم أولو الهمم العلية ، والنفوس الأبية ، والشهامة الدينيّة ، وأجورهم مضاعفة لصحبتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم سبَّاقون إلى كل كمال ، وحائزون من رتب الجهاد كلّ مقامٍ عال .
     فإذا كانوا كذلك ولا يجدون عملاً يعدل الجهاد ، فكيف تقرُّ أعين أمثالنا من غير اجتهاد ؟ وكيف تسكن نفوسنا إلى الأعمال اليسيرة بالهمم الدنية الحقيرة ؟ مع ما يشوبها من الرياء وعدم الإخلاص ، ومن الدسائس التي لا يكاد يرجى معها خلاص ؟ .
اللهم أيقظنا من هذه الغفلة ، ووفقنا للجهاد في سبيلك قبل حلول النقلة ، فأنت المرجوّ لكل خير ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...