مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 53)

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 53)

التصنيف: واحة التفسير
الأحد، ٢ شوال ١٤٤١ هـ - ٢٤ أيار ٢٠٢٠
951

﴿ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَأَنَّهُمۡ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 46]

السؤال الأول:

ما دلالة قوله تعالى (ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ) [البقرة:46] في الآية ؟

الجواب:

لا شك أنّ قوله تعالى: (ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ) في هذه الآية تعني اليقين والجزم والإيمان المطلق باليوم الآخر , وهذا من الأمور الرئيسية والأساسية للإيمان لكل مؤمن ,وبدون هذا اليقين لا يوجد إيمان , وهذا ما عليه إجماع المفسرين دون استثناء . 

وما سوف نناقشه هنا وفي السؤال الذي يليه هومناقشات لغوية لموضوع الظن والرجحان واليقين للفعل ( ظنّ ) حيث يمكن أن يكون له أكثر من معنى وحسب السياق . 

وعندما يجزم شخص بأمرٍ وهو ليس له وجود فهذا هو الجهل, والجاهل شر من الأمي؛ لأنّ الأمي لا يعلم، ومتى علم فإنه يؤمن .

فإذا كانت القضية غير مجزوم بها ومتساوية في النفي والوجود، فإنّ ذلك يكون شكاً, فإنْ رجحت إحدى الكفتين على الأخرى يكون ذلك ظناً .

والله سبحانه يقول في الآية: (ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ) [البقرة:46] ولم يقل مثلاً: الذين تيقنوا أنهم ملاقوا ربهم , فلماذا؟

الجواب: إن مجرد الظن أنك ملاقٍ الله سبحانه وتعالى يجعلك تلتزم بالمنهج الرباني، فما بالك إذا كنت متيقناً !! بل المطلوب للمؤمن أن يكون متيقنا بشكل كامل .

ومثال ذلك: هب أنك سائر في طريق وجاء شخص يخبرك أنّ هذا الطريق فيه لصوص، فمجرد هذا الكلام يجعلك لا تمشي في هذا الطريق إلا إذا كنت مسلحاً أو معك أشخاص آخرون , فأنت تفعل ذلك للاحتياط , إذن فمجرد الظن دفعنا للاحتياط .

وهذا ما نفهمه من قوله تعالى: (ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ) [البقرة:46] فمجرد رجحان القضية في الذهن يدفعك لليقين يجعلك تلتزم بمنهج الله، فتقي نفسك من عذاب عظيم , لذلك لا بدّ من اليقين في هذا الأمرلأنه من أسس الإيمان , وبدون ذلك ينتفي الإيمان .

قيل أن الشاعر المعري قال في آخر حياته:

زعم المنجّم والطبيب كلاهما=لا تحشر الأجساد قلت إليكمـا

إنْ صح قولكما فلست بخاسر=أو صح قولي فالخسار عليـكما

فكل مكذب بالآخرة خاسر , والنفس البشرية لا بدّ لها أن تعترف وتوقن أنّ هناك حشراً أمامها وتعمل لذلك , وإلا فالخسارة ـ كل الخسارة ـ ستلاقيه.

ثم يقول الله تعالى: (وَأَنَّهُمۡ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ) [البقرة:46] فالرجوع إلى الله تعالى أمر يقيني، فما دمت قد جئت للدنيا مخلوقاً من الله, فأنت لا محالة سترجع إليه , وهذا اليوم يجب أنْ نحتاط له حيطة كبرى لأنه يوم عظيم؛ قال تعالى: (فَكَيۡفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرۡتُمۡ يَوۡمٗا يَجۡعَلُ ٱلۡوِلۡدَٰنَ شِيبًا١٧) [المزَّمل:17] .

ونحن نحتاط لأمور دنيوية لا تساوي شيئاً بالنسبة لأهوال يوم القيامة . فكيف لا نتمسك بمنهج الله تعالى , ونوقن بأننا سنلاقي الله تعالى وأنْ نعمل لذلك ألف حساب !!!!.

السؤال الثاني:

ما دلالة الفعل ( ظنّ) في القرآن الكريم ؟

الجواب:

1ـ الظن هو التردد بين طرفي الاعتقاد غير الجازم , وقال الراغب : الظن اسم لما يحصل من إمارة , ومتى قويت أدتْ إلى العلم , ومتى ضعفت لم تتجاوز حد الوهم , ولذلك :

آ ـ فإنّ الفعل ( ظنّ ) قد يستعمل للشك أو للاعتقاد الراجح المظنون, كما في قوله تعالى : ﴿ٓ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ ﴾ [البقرة:230] .

ب ـ وقد يأتي الفعل ( ظنّ ) بمعنى : اليقين , لأنّ الظنّ فيه طرف من اليقين , ولولاه كان جهلاً , كما في قوله تعالى : 

(ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ) [البقرة:46] .

(إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَهۡ﴾ [الحاقة:20] .

والفرق بينهما في القرآن ضابطان :

آ ـ أنه حيث وُجِدَ الظنُ محموداً مثاباً عليه , فهو اليقين , كما في قوله تعالى : ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَهۡ٢٠ فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ٢١ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ﴾ [الحاقة: 20ـ22] , وحيث وُجدَ مذموماً متوعّداً بالعقاب عليه , فهو الشك , كما في قوله تعالى : ﴿بَلۡ ظَنَنتُمۡ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِلَىٰٓ أَهۡلِيهِمۡ أَبَدٗا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمۡ وَظَنَنتُمۡ ظَنَّ ٱلسَّوۡءِ وَكُنتُمۡ قَوۡمَۢا بُورٗا﴾ [الفتح:12]. 

ب ـ وكل ظن اتصل به ( أنّ) المشددة ,أو(أنْ) المخففة منها, فالمراد به اليقين والتأكيد :

* شواهد على ما اتصل به ( إنّ) المشددة: قوله تعالى :

(إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَهۡ) [الحاقة:20].

﴿وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلۡفِرَاقُ﴾ [القيامة:28] .

* شواهد على ما اتصل به ( أنْ) المخففة : قوله تعالى :

﴿وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ﴾ [التوبة:118], أي بتقدير : ( أنّه لا ملجأ). 

﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعۡجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَن نُّعۡجِزَهُۥ هَرَبٗا﴾ [الجن:12] أي بتقدير : ( أنّه لن نعجز).

وللعلم فإنّ ( أنْ) المخففة في الآيتين السابقتين قد خففت من (أنّ) المشددة بتقدير ( إنّه) وضمير الشأن محذوف . 

كما أنّ كل ظنٍ اتصل بـه ( إنْ) الخفيفة فهو شك , كقوله تعالى :

(إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ) [البقرة:230] .

2 ـ ومثل ذلك أيضاً فعل (عَلِمَ ) , فما اتصل بـ(إنّ) المشددة فذلك يفيد التوكيد , كما في قوله تعالى : ﴿ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفٗاۚ﴾ [الأنفال:66] .

﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ ۡ﴾ [محمد:19] .

3ـ ما ذهب إليه بعضهم من أنّ كل ظنٍّ ورد بعده (أنْ ) الناصبة فالمراد به الشك، فهذا يردّه قوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذِۢ بَاسِرَةٞ٢٤ تَظُنُّ أَن يُفۡعَلَ بِهَا فَاقِرَةٞ﴾ [القيامة:24-25] وهذا موطن يقين لا موطن شك.

4ـ قال بعضهم : إنّ الظن ليس بيقين عيان , وإنما هو يقين تدبر , وهذا يرده قوله تعالى : ﴿وَرَءَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمۡ يَجِدُواْ عَنۡهَا مَصۡرِفٗا﴾ [الكهف:53], وهذا يقين عيان . 

5ـ يظهر مما سبق أنّ الأصل في الظن أن يكون شكاً , وهذا الشك يتردد بين القوة والضعف , فقد يكون ضعيفاً قريباً من الوهم , وقد يقوى حتى يكون يقيناً .

والله أعلم .

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...