آية المباهلة والملاعنة في شأن عيسى عليه السلام
قوله تعالى: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) [ آل عمران :61 ]
السؤال الأول:
إنّ الفئة المجادِلة من وفد نجران كانت من الرجال البالغين، فلِمَ جمع في المباهلة الأبناء والنساء ودُعوا إليها، وكان يكفي أن يُقال: (وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ)؟
الجواب:
إنّ من ظهرت مُكابرتُه في الحق وحُبِ الدنيا علِم أنّ أهله ونساءه أحبُّ إليه من الحق، وأنه يخشى سوءَ العيش وفقدان الأهل ولا يخشى عذابَ الآخرة، لذلك طالبهم الله تعالى بإحضارهم، وهذا يزرع الخوفَ في قلوبهم من إلحاق الأذى واللعنة بهم.
السؤال الثاني:
ما دلالة رسم كلمة (لَعْنَتَ) بالتاء المفتوحة في الآية، علماً أنها جاءت بالتاء المربوطة (لَعْنَةَ) في آية آل عمران (87 ) وفي مواطن أخرى من القرآن الكريم؟
الجواب:
وردت كلمة (لَعْنَةَ) بالتاء المربوطة (11) مرة في القرآن الكريم، ومنها قوله تعالى : ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [آل عمران: 87]
بينما وردت كلمة (لَعْنَتَ) بالتاء المفتوحة مرتين فقط، في الآيتين:
(فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) [آل عمران: 61].
(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) [النور: 6-7].
ونلاحظ أنه حينما تأتي (لَعْنَةَ) بالتاء المربوطة فهي تعني اللعنة بصفة عامة وتعني الطردَ والإبعادَ عن رحمة الله ، أمّا حين تأتي (لَعْنَتَ) بالتاء المفتوحة فهي لموقف خاص له دلالته وتأثيره، لتعطي قارئ القرآن إشارة كي يتدبر الأمر بشكل أعمق ويستخلص النتائج، ولتدل على حضور معنى هذه الكلمة وظهورها في الحياة الدنيا، وتدل على استعمال هذه الكلمة في الحياة الدنيا.
وقد جاءت الكلمة بالتاء المفتوحة (لَعْنَتَ) مخالفة للأصل في موضعين اثنين :
الموضع الأول: هو آية آل عمران (61 ) وفيها معنى لطيف هو أنّ اللعنة فيها تدل على غضب الله الذي سيحل على الكاذب في الحال ، أي الطرد العاجل والعقوبة العاجلة في حال وقوع الابتهال .
الموضع الثاني: فهو في آية النور (7) التي فصّلت أحكام اللعان بين الزوجين إذا اتهم الزوج زوجته بالزنى ولم يكن لديه شهود إلا نفسه ، وما يترتب على ذلك من حلول (لَعْنَتَ اللَّهِ) على الكاذب في الحالِ قبل المآل وفي الدنيا قبل الآخرة ، فكتبت التاء مفتوحة في الموضعين للدلالة على الفعل في الواقع والوجود . وهذا يعم كلَّ مدلولات الكلمات التي جاءت على رسمين مختلفين في القرآن الكريم . والله أعلم.
بقلم: مثنى محمد هبيان
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


