مختارات من كتاب (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 317)

مختارات من كتاب (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 317)

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ - ١٥ أيار ٢٠٢٦
68

(القسم الثاني)

قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [ آل عمران :59 ]


السؤال الثالث:
في الآية إشكالٌ لنا في بنيتها، وهو أنه تعالى قال: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [آل عمران: 59] فهذا يقتضي أن يكون خَلْقُ آدم متقدماً على قول الله (كن) وذلك غير جائز؟


الجواب:
الجواب هو من وجوه:


آـ الخلق هو التقدير والتسوية، ويرجع معناه إلى علمِ الله تعالى بكيفية وقوعه على الوجه المخصوص، وكلُ ذلك متقدمٌ على وجود آدم عليه السلام تقدماً من الأزل إلى الأبد.
وأمّا قوله تعالى: (كُنْ) فهو عبارة عن إدخاله في الوجود، فثبت أنّ خلق آدم متقدمٌ على قوله: (كُنْ).


ب ـ أنه تعالى خلقه من الطين، ثم قال له: (كُنْ) أي: أحياه، لذلك فالضمير في قوله تعالى: (خَلَقَهُ) راجع إلى آدم حين كان تراباً، وهذا الهيكل سيصير (آدم) تسميةً لما سيقع بالواقع.


ج ـ (خَلَقَهُ) بتقدير صيّره الله خلقاً سوياً، ثم يخبرنا الله: أني إنما خلقته بأنْ قلتُ له: (كن).


د ـ تأويل قوله تعالى: (كُنْ فَيَكُونُ) أي: فكان بشراً كاملاً روحاً وجسداً، وعبّر بصيغة المضارع المقترن بالفاء في (فَيَكُونُ) حكايةً للحال وتصويراً لها، وإشارة إلى أنه كان مع الأمر من غير تخلف، وتنبيهاً على أنّ هذا الشأن يتجدد مع كل مرادٍ ولا يتخلف عن مراد الآمر أصلاً. والله أعلم


السؤال الرابع:
ما دلالة استعمال لفظة (تُرَابٍ) في آية آل عمران (59)، واستعمال لفظة (طين) في آية آل عمران (49) ؟


الجواب:
إنما عَدَلَ عن (الطين) الذي هو مجموع الماء والتراب إلى ذِكرِ (التراب) فقط في الآية (59) لمعنى لطيف، وذلك أنه أدنى العنصرين وأكثفهما لمّا كان المقصودُ مقابلة من ادّعى في المسيح الألوهية فأتى بما يُصغر أمر خلقه عند من ادّعى ذلك، فلهذا كان الإتيان بلفظة (التراب) أمسّ في المعنى من غيره من العناصر.


ولمّا أراد الله سبحانه الامتنان على بني إسرائيل، أخبر الله سبحانه عيسى عليه السلام أنْ يخلقَ لهم من الطين كهيئة الطير، تعظيماً لأمر ما يخلقه بإذنه، إذ المطلوب الاعتداد عليهم بخلقه ليعظموا قدر النعمة به.


وفي قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ...) إنْ قلتَ: كيف قاله وآدمُ خُلق من التراب، وعيسى من الهواء، وآدمُ خُلق من غير أب وأم، وعيسى خُلق من أم؟ قلتُ: المرادُ تشبيهه به في الوجود بغير أبٍ، والتشبيهُ لا يقتضي المماثلة من جميع الوجوه. والله أعلم .


ملحوظة : تتمة الأسئلة عن الآية في الحلقة القادمة بإذن الله .


بقلم: مثنى محمد هبيان

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...