مختارات من كتاب (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 313)

مختارات من كتاب (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 313)

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٢٩ شوال ١٤٤٧ هـ - ١٧ نيسان ٢٠٢٦
148

( القسم الثاني)

قوله تعالى  (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [ آل عمران : 55 ]


السؤال الرابع:
هل نفهم من الآية أنّ عيسى عليه السلام حيّ عند قراءة هذا التعبير القرآني: (مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ


الجواب:
1ـ قد نفهم - خطأً- من هذا التعبير القرآني: أنه مات ورفعه، التَّوَفِّي: أخذ الروح، والرفع رفع للجسم الحيّ.


2ـ ونلاحظ قوله تعالى: (وَمُطَهِّرُكَ) التطهير للروح والبدن حتى لا يمسه أعداؤه بأذى أو بضرر أو بشيء يسيء إليه، فالرفع لجسمه كان لتطهيره من كل أدران الأرض ومن فيها.


3ـ وفي قوله تعالى في سورة المائدة: (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) هنا اقتصر على كلمة (تَوَفَّيْتَنِي) أي: أخذت روحي. وعندما توفّاه هل أخذ روحه وترك جسمه؟ القرآن يفسر بعضه بعضاً (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) فهذه تثبت أنها ليست مجرد وفاة، وإنما وفاة ورفع وتطهير.


4ـ ورد ذكر اسم عيسى أو المسيح أو ابن مريم حسب الإحصاء في القرآن الكريم في 35 آية، منها ثلاثة مواضع فقط تتعلق بالوفاة، وموضعان فيهما كلمة (تَوَفَّيْتَنِي) و (مُتَوَفِّيكَ) وموضع فيه (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) [النساء: 157] والقرآن يقول: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ) (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا) وأكّد: (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) وهذا إشارة إلى الرفع.


5ـ آية المائدة 117، فيها التوفي فقط، وآية النساء 158 فيها الرفع فقط، وآية آل عمران 55، فيها توفٍّ ورفع وتطهير.


السؤال الخامس:
لماذا جاء نداء الله تعالى لعيسى: (يَا عِيسَى) [آل عمران: 55] وليس: (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) كما في آية سورة المائدة [110و112و 116]؟


الجواب:
جاء النداء في القرآن الكريم لعيسى عليه السلام أربع مرات وعلى الشكل التالي:
ـ قوله تعالى: (يَاعِيسَى) مجردة مرة واحدة كما في آل عمران 55.
ـ قوله تعالى: (يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) كما في آيتي المائدة 110ـ 116.
ـ قوله تعالى: (يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) [المائدة: 112] كما في آية المائدة 112، على لسان الحواريين.
فالاسم المجرد له صورتان: (يَاعِيسَى) و (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ).


آية آل عمران 55:
النداء من الأعلى للأدنى، فيه نوع من التحبب والتقرب، كما في آية آل عمران 55، حيث مناسبة الوفاة تناسب الرفق بالكلام وتعطي معنى القرب وسيرفعه الله إليه، فناداه بالتقرب (يَاعِيسَى) ولا مجال لذكر أمه هنا.


آية المائدة 112:
آ ـ النداء من الأدنى إلى الأعلى، كما في آية المائدة 112، من الحواريين لعيسى عليه السلام فلا يناسب النداء باسمه المجرد، وإلا كان في ذلك قلة احترام وقلة مجاملة، كما تأتي إلى رئيس تناديه باسمه ولقبه، لا بالاسم المجرد فتقول مثلاً: يا صاحب الفخامة.


ب ـ في الآية: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) لماذا لم يقل الحواريون مثلاً: يا رسول الله؟ السبب كأنهم يقولون له: نعلم أنك آية من آيات الله، ولذلك قالوا: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ) ولم يقولوا: ربنا، ولمّا قال عيسى عليه السلام: (اتَّقُوا اللَّهَ) قالوا: (قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا) [المائدة: 113].
لذلك قولهم: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) ناسبه أن يقولوا: (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) أي: هو آية، وطلبوا عن طريقه آية.


آيتا المائدة 110ـ116:
1ـ في آيتي المائدة 110ـ 116 حيث وردت (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) جاء في الآيتين ذكر الأم، فناسب النداء باسم الأم.


2ـ الآيتان هما في الآخرة (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ) [المائدة: 109] والله يريد أنْ يقيم الحجة على من قالوا: إنه ابن الله أو إنه إله، فذكر أنه عيسى ابن مريم؛ لأنّ الكلام على رؤوس الأشهاد. والله أعلم.


السؤال السادس:
ما دلالة قوله تعالى: في الآية (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ)؟


الجواب:
1ـ التوفي هو قبض الروح، ومعنى الوفاة، أي: تمام الشيء، كاستيفاء المال أو قولك: توفيت مالي فلان، أي: قبضته، ووفَّى فلان عمله، أي: أتمه.


2ـ فقوله تعالى: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) أي: إني أنهي عملك عند هذه المرحلة، وإني طالبك إليّ تاماً، أي: جسداً وروحاً؛ لأنك في الأرض عرضة لأغيار البشر من البشر، لكني سآتي بك إلى مكان تكون خالصاً لي وحدي.
إذن فقول الحق: (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) يأتي مستقيماً مع قول الحق: (مُتَوَفِّيكَ) أي: أنّ الله أنهى عمله آنذاك، أي: بعد تمام مهمته ورفعه الله إليه ليطهره من خبث الذين كفروا.


3ـ والبعض يظن أن الرفع تبرئة من الموت، لا ؛ لأنّ عيسى عليه السلام سينزل إلى الأرض مرة أخرى في آخر الزمن، كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم» [صحيح البخاري 3449] وبعد نزوله سيموت مثل باقي البشر.
وسبحان الله القادر، كانت بداية حياته عجيبةً خارقة للنواميس، وسوف تكون نهاية حياته عجيبة كذلك.


السؤال السابع:
ما دلالة قوله تعالى: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ


الجواب:
لاحظ في الآية الفعل (اتَّبَعُوكَ) لأنها تدل على أنّ هناك متَّبَعاً، وهناك مُتَّبِعٌ يتلو مُتبِعاً، أي أنّ المتَّبِعَ هو الذي يأتي بعد، فمن الذي جاء من بعد عيسى بمنهجٍ من السماء؟ إنه محمدٌ صلى الله عليه وسلم وهو على نفس المنهج الذي بلّغه عيسى عليه السلام، لا على المنهج المحرف الذي قام أهل الكتاب بتحريفه.
لقد جاء الرسول الكريم ليصحح الوضع المحرّف ويبلّغ المنهج كما أراده الله، لذلك فالفوقية في الآية ليست هنا بمعنى (فوق) أي: الغلبة والنصر، ولكنها فوقية ظهور برهانٍ وحجةٍ ودليل، وهل هناك من فوقية أكثر !!!، وهناك في الآية كلمة (فَوْقَ) وكلمة (كَفَرُوا) وهناك أتباع، إذن هناك قضية وخصومة، وهناك حق وهناك باطل، فلا بد من الفصل في هذه القضية.
ثم بعد ذلك يأتي الفصل يوم القيامة، ويكون عندها المرجع إلى الله تعالى ليحكم بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون، وفي يوم القيامة لن تكون هناك إرادات للبشر والمخلوقات إلا إرادة الله الواحد القهار.
والله أعلم .


السؤال الثامن:
ما أهم التعليقات البيانية على آية آل عمران (55) ؟


الجواب:
1ـ الحياة غير الروح، فالنطفة فيها حياة لكنْ ليس فيها روح حتى ينفخ فيها المَلَكُ الروح بعد 120 يوماً، كما جاء في الحديث.


2ـ والنائم ليس ميتاً، مع أنّ روحه مقبوضة تسرح في ملكوت الله تعالى، لذا ترى ما لا يراه اليقظان.


3ـ هناك ثلاث صور لمفارقة الروح الجسد، إمّا بالموت أو القتل، وإمّا بالنوم، وإمّا بالرفع كما حصل لعيسى عليه السلام، وهو نبي وُجد بمعجزة وفارق الحياة بمعجزة، وسوف ينزل في آخر الدنيا كما ورد في الأحاديث الصحيحة فيكسر الصليب ويقتل الخنزير اتباعاً لمنهج الإسلام، ثم يموت كما يموت الناس.


4ـ كلمة التَّوَفِّي في القرآن في غير آية آل عمران تدل على سحب الروح بالموت، كما في قوله تعالى: (يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ) [النساء: 15] (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا) [الأنعام: 61] سواء بالموت أو القتل.


5ـ قوله تعالى: (مُتَوَفِّيكَ) أي: ينبغي عليه أن يغادر الدنيا بالوفاة، وهذا الأمر ليس من عنده بل من الله تعالى: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) والله لا يعجزه شيء.
واتفق العلماء على أنّ وفاته لم تكن نوماً ولا مفارقة حياة، وإنما بصورة ثالثة معجزة ـ بالرفع ـ .
والمتوفي الحقيقي هو الله تعالى، وأما الباقي [ملك الموت ـ الملائكة ـ رسلنا] فمظاهر وأسباب.


6ـ التوفي تعني أخذ الروح، والرفع رفعٌ بالجسم الحي، فلما قال: (مُتَوَفِّيكَ) يعني قبض الروح، ولما قال: (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) أي: رفعاً بالجسم الحي.


7ـ قوله تعالى: (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) التطهير للروح والبدن حتى لا يمسه أعداؤه بأذى أو بضرر، لذلك كان الرفع للجسم لتطهيره من كل أدران الأرض ومن فيها.


8ـ ورد اسم عيسى عليه السلام أو المسيح أو ابن مريم في القرآن (35) مرة، منها ثلاثة مواضع فقط تتعلق بالوفاة.


آ ـ موضع فيه (تَوَفَّيْتَنِي) [المائدة: 117] فيها التوفي فقط.


ب ـ موضع فيه (مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ) [آل عمران: 55] فيها توفٍّ ورفع وتطهير.


ج ـ موضع فيه (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) [النساء: 157-158] وفيها إشارة إلى الرفع. والله أعلم.


بقلم: مثنى محمد هبيان

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...