مختارات من كتاب (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 312)

مختارات من كتاب (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 312)

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٢٢ شوال ١٤٤٧ هـ - ١٠ نيسان ٢٠٢٦
101

( القسم الأول)
هل رُفع عيسى عليه السلام بجسده وروحه؟


قوله تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [ آل عمران : 55 ]


السؤال الأول:
ما طبيعة وفاة عيسى عليه السلام في هذه الآية؟ كيف يتوفاه الله تعالى مع أننا نقول: أنه حيٌّ لم يُتوفَّ؟


الجواب:
1ـ قبل أن نخوض في مسألة عيسى عيه السلام نحتاج إلى تلخيص موجز جداً فنقول: إنّ الحياة هي وعاء للروح، وهذا الوعاء ينكسر بالموت أو القتل، فإذا انكسر الوعاء توفيت الروح أو قُبِضت، وهذه هي الصورة الأولى لانكسار الحياة، والحياة غير الروح، فأنْ يكون الشيء حيّاً ليس شرطاً أن تكون فيه روح.


2ـ والصورة الثانية التي تقبض فيها الروح هي صورة النائم، وهو ليس ميّتاً، النائم أُخِذت روحه وقُبِضت، ولكن كل أجهزة جسمه تشتغل، إنما تشتغل بحدود معينة، أمّا روحه فتسرح في ملكوت الله تعالى، ولذا فإنها ترى ما لا يراه وهو يقظان، وأحياناً ترى روح الانسان أشياء يمكن أن يراها في المستقبل، أو تؤوّل كما ورد في القرآن الكريم في سورة يوسف في قضية المَلِكِ وسبع سنبلات، وتأويلها مستقبلي، وفي بعض الأحيان يرى الإنسان شيئاً لو كان يقظان لا يراه وهو يقع في حاله، فروحُ النائم خارج الوعاء والله تعالى يردها إلى الوعاء، ولذلك نتكلم بجوار النائم فلا يسمع لأنّ بعض الأجهزة تكون معطلة مؤقتاً، أمّا سائر الأجهزة كالقلب وضخ الدم والتنفس فكلها تعمل فهو حيّ لكن ليس فيه روح.
وكذلك فإنّ النطفة فيها حياة باتفاق العلماء، لكن ليس فيها روح حتى ينفخ فيها الملك الروح بعد 120 يوماً، وهذه مسألة فقهية.


3ـ إذن عندنا صورتان لخروج الروح: إمّا: [بالموت أو القتل]، وإمّا بالنوم.


4ـ عيسى عليه السلام وجوده معجزة حقيقة، وُجِد بمعجزة، فمجيء الحياة إليه معجزة ومفارقته الحياة معجزة أيضاً.


5ـ لذلك نقول هو صورة ثالثة للوفاة غير (الوفاة إما بانتهاء الحياة أو النوم) فبالنسبة لعيسى عليه السلام قبضت روحه ورُفِع جسمه حيّاً.


6ـ لذلك نجد أنّ الوفاة في القرآن جاءت بثلاثة معانٍ؛ هي:
آـ وفاة النوم: قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) [الأنعام: 60].
ب ـ وفاة الموت، قال تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الزُّمَر: 42].
ج ـ وفاة الرفع، كما في قوله تعالى: (يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) [آل عمران: 55].
فالوفاة من معانيها الموت، لكن ليس حصراً هذا المعنى، والتوفي: هو قبض الروح، والرفع هو رفع الجسم الحي.


7ـ ولمّا رُفِع إلى السماء بجسمه الحيّ وبروحه التي استوفيت وقُبِضت تعود روحه إلى جسمه؛ لأنّ الرسول ﷺ رآه مع سائر الأنبياء بأجسامهم وأرواحهم في رحلة المعراج؛ لأنّ الأنبياء أيضاً رُدّت لهم أرواحهم وأجسادهم. والله أعلم.


8ـ وعيسى عليه السلام له خصوصية في عقيدة المسلمين تتمثل في الحياة التي يحياها في السماء، وأنه سيأتي يوم ويتوجّه فيه إلى الأرض، وورد في الأحاديث الصحيحة أنه يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، وكسر الصليب وقتل الخنزير يؤيده الحديث الصحيح الآخر، الذي يقول فيه : «والذي نفسي بيده لو كان موسى بين أظهركم ما حلَّ له إلا أن يتبِعَنِي» [أخرجه أحمد (14631)، وأبو يعلى (2135)] فعيسى عليه السلام سينزل بدين محمد  وهو أحد أتباع رسول الله ولا ينزل بشريعته هو؛ لأنّ شريعته نُسِخت بشريعة محمد .


السؤال الثاني:
قوله تعالى في الآية: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) فلِم لم يقل: (ورافعك إليّ) فقط؟


الجواب:
(مُتَوَفِّيكَ) بمعنى قابضك برفعك إلى السماء من غير وفاة بالموت.


السؤال الثالث:
هل هذا أمر منوط بعيسى عليه السلام بحد ذاته، أو هل وردت هذه الكلمة مع غيره؟


الجواب:
لننظر إلى الآيات التالية: قوله تعالى:
ـ (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) [الأنعام: 61].
ـ (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) [محمد: 27].
ـ (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) [النساء: 15]


آ ـ التوفي تدل على سحب الروح، فالموت في (يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ) [النساء: 15] سبب، والملائكة في (تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ) [محمد: 27] سبب، و (رُسُلُنَا) [الأنعام: 61] إيضاح للملائكة.
أي إنّ وسائل الموت هي (ملك الموت، الملائكة، رسلنا، الموت)، وهذا كله وسيلة لقبض الروح، لكنّ المتوفِّي الحقيقي هو الله تعالى الذي يتوفى الأنفس.


ب ـ انقضاء الحياة يكون بأحد طريقين، إما بسبب خارجي فيكون قتلاً، وإما بغير سبب خارجي فيكون الموت، فالموت مفارقة الحياة بغير سبب خارجي، والقتل بسبب خارجي.


ج ـ علماؤنا اتفقوا على أن التوفي مع عيسى عليه السلام لم يكن نوماً، ونسبوا ذلك إلى ابن عباس، وهذا رأي القرطبي والطبري أيضاً، وفيما نقل عن ابن عباس أنه لم يكن نوماً ولم يكن مفارقة حياة، فهو صورة ثالثة؛ لأن وجوده معجزة. والله أعلم .


ملحوظة: تتمة النقاط في الآية سنذكرها في الحلقة القادمة بإذن الله .


بقلم: مثنى محمد هبيان

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...