مختارات من كتاب (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 310)

مختارات من كتاب (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 310)

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٨ شوال ١٤٤٧ هـ - ٢٧ آذار ٢٠٢٦
75

(القسم الثاني)

قوله تعالى : (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [ آل عمران : 52 ]


السؤال الثالث:
في سورة الصف قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) [الصف: 14] وفي سورة آل عمران قال تعالى: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) وعيسى ينسب النصرة إليه، وهم يقولون: نحن أنصار الله مباشرة، فما دلالة هذا؟ وما الفروق بين الآيتين؟


الجواب:
1ـ قوله تعالى في سورة الصف: (كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) [الصف: 14] بعد أنْ شوقّهم لذكر التجارة، هو من باب الأمر والتكليف، وليس من باب الاختيار والمندوب.
وفي قوله: (كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) طلبٌ للفعل وليس طلباً للقول، وهذا مناسبٌ لتأنيبه لمن قال ولم يفعل، كما جاء في أول سورة الصف.


2ـ قوله تعالى: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) هو على لسان سيدنا عيسى عليه السلام، وله معنيان:
آ ـ أنا أنصر الله وأنصر دينه، فمن معي في نصرة دين الله؟
ب ـ إنّ الله ينصرني ويؤيدني، فمن يكون معي في نصرة الله إياي؟


3 ـ في قوله تعالى: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) [محمد: 7] قد جمع المعنيين السابقين.


4ـ إنّ الذي قال للحواريين: (مَنْ أَنْصَارِي) هو عيسى عليه السلام، وأمّا القائل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) فهو الله؛ ليدل ذلك على عظم التبليغ للمؤمنين وأهميته.


5ـ المُراد من قوله تعالى: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) أي: نحن أنصار دين الله وأنصار أنبيائه؛ لأنّ نصرة الله تعالى في الحقيقة مُحال.


6ـ وقوله: (إِلَى اللَّهِ) أي فيما يُقرب إلى الله، وهو كما يُقال: اللهم منك وإليك.


7ـ قوله تعالى على لسانهم: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) ولم يقولوا: (نحن أنصارك) لأنّ الصيغة الأخيرة متعلقة بوجوده، فإذا ذهبَ انفضوا، ولم يقولوا: (سنكون أنصار الله)، بل قالوا: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) أي: نحن أنصاره الآن، ولذلك قال: (فَأَيَّدْنَا) ؛ وذلك لأنهم قاموا بالنصرة فعلاً فاستحقوا التأييد، وجاء بالفاء الدالة على التعقيب ولم يقل: (ثم أيدنا) الدالة على التراخي.
لذلك فإنّ الصيغة الأولى (نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) تدل على الإطلاق، أي: أنهم مع نصرة دين الله سواء كان عيسى عليه السلام موجوداً أو غير موجود.


8ـ قال: (فَأَيَّدْنَا) بإسناد الفعل إلى نفسه سبحانه؛ ليدل على أنّ التأييد منه سبحانه فقط.
والتأييد يحتمل أمرين: التأييد بالحجة فأصبحوا ظاهرين في حجتهم، ويحتمل التأييد بالسيف والغلبة، أي: غالبين.


9ـ وعيسى عليه السلام لم يسألهم: من أنصار الله؟ بل سألهم (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) لأنهم كلهم سيقولون ذلك بالإيجاب.


10ـ قوله: (إِلَى اللَّهِ) تفيد: من يضيف نصرته إلى نصرة الله إياي، كقوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) [النساء: 2] أي: مضمومة إلى أموالكم.
وفي الحديث الشريف كان  يقول إذا ضحّى: «اللهم منك وإليك» [الدراية 206/2] أي: تقرباً إليك.
وقال الحسن: تقدير الآية: من أنصاري في سبيل الله؟ و (إلى) بمعنى (في) جائز.


11ـ الحواري أصله من الحَوَر، وهو شدة البياض، والحواريون كانوا أنصار عيسى عليه السلام وأعوانه والمخلصين في حبه، وقيل: كانوا قصّارين يبيضون الثياب، وقيل: لأنّ قلوبهم كانت نقية طاهرة، فسموا بذلك مدحاً لهم.


12ـ لقد طلب الله من المؤمنين عامة على مر الزمان أنْ يكونوا كالحواريين، ولذا قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) [الصف: 14] ولم يقل: يا أصحاب محمد، ولم يقل: كونوا أنصار محمد صلى الله عليه وسلم ؛ وذلك ليشمل الطلب عموم المؤمنين، ولئلا ترتبط النصرة بشخص النبي محمد.


13ـ قول عيسى: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) إلماحٌ إلى أنّ رسالته منقطعة، فإنه أضاف الأنصار إليه، وهذا يدل على أنه بعد توفيه ستنقطع نصرته.
وأمّا قولُ الله للمؤمنين: (كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ) [الصف: 14] فيدلُّ على أنّ الرسالة دائمة غير منقطعة؛ لأنّ الإضافة إلى الله لا إلى شخص معين.


14ـ قوله تعالى: (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا) [الصف: 14] متناسبٌ مع النداء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) [الصف: 14] فدخلوا في التأييد.


15ـ ثم إنّ بشارة المسلمين أعظم، فإنه قال في أتباع عيسى: (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) [الصف: 14] فخصّ ذلك بالتأييد على العدو، وقال في المسلمين: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) [الصف: 9] وإظهار الدين إنما يكون بظهور معتنقيه، وزاد لهم النصر والفتح القريب.


16ـ من الملاحظ أنّ عيسى لم يعد أتباعه بشيء، وقد وعد الله المؤمنين بالنصر والفتح القريب.


17ـ طلبُ عيسى النصرةَ في هذه الآية ونسبته إلى أمه في مكان آخر من السورة يدل على أنّ عيسى عليه السلام بشر وليس ابناً لله، تعالى الله عن ذلك.


18ـ ابتدأت سورة الصف بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) [الصف: 4] واختتمت بقوله: (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) [الصف: 14] ممّا يدل على أنّ عاقبة الجهاد تأييد الله ونصره، فارتبط أول السورة بآخرها أحسن ارتباط. والله أعلم.


السؤال الرابع:
ما دلالة هذه الآية؟


الجواب:
1 ـ موضوع سورة آل عمران هو الرسالة، فبعد أن طوت السورة ولادة عيسى وكلامه في المهد، دعا بني إسرائيل إلى التصديق به وإطاعته، وأراهم الآيات المعجزات، فكفروا به، فلمّا أحسّ عيسى منهم الكفر طلب النصرة.


2 ـ اليهود كانوا عارفين بأنه المسيح المبشر به في التوراة، فلما أظهر عيسى عليه السلام دعوته، اشتد ذلك عليهم، فأخذوا في أذاه، وكفروا به، وقالوا هذا سحر مبين، وأرادوا قتله، فلمّا استشعر عيسى منهم ذلك طلب النصرة عليهم.


3 ـ كان لعيسى عليه السلام طائفة من قومه آمنوا به، وهم الحواريون، وقيل كان عددهم اثني عشر.


4 ـ كان جوابهم إيجابياً كما ذكر القرآن: (قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)، ثم قالوا: ﴿رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 53].


5 ـ لمّا قام الحواريون بنصرة عيسى عليه السلام، آمنت طائفة من بني إسرائيل، وكفرت طائفة أخرى، فاقتتلت الطائفتان، فأيّد الله الطائفة التي آمنت بنصره على عدوهم، فأصبحوا ظاهرين. والله أعلم.


بقلم: مثنى محمد هبيان

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...