( القسم الأول )
الحواريون
قوله تعالى: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [ آل عمران : 52 ]
السؤال الأول:
ما الفرق بين آية آل عمران 52 (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) وآية المائدة 111 (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ)؟
الجواب:
1ـ آية آل عمران 52:
آـ (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ) كلمة (منهم) إشارة إلى بني إسرائيل، بعد أن كلّمهم ودعاهم وأظهر لهم المعجزات وطالبوه بإحياء الموتى وإبراء الأكمه وإبصار الأعمى، وبعد كل هذه المعجزات يفترض من الإنسان أن لا تأخذه العزة بالإثم، وهذه المعجزات كانت ملموسة ومشاهدة من قبل مئات من الناس وليس شخصاً واحداً، ومع ذلك كفروا به وقالوا: هذا سحر، وأنت ساحر، والسحرة يفعلون هذا، فأحسّ عيسى عليه السلام منهم الكفر.
ب ـ وعند ذلك توجّه إليهم بالدعوة وبالسؤال: من يناصرني إلى إبلاغ دين الله عزَّ وجلَّ بهذه الشريعة؟ والنصرة تقتضي الجمع (قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) قال الحواريون: (قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) وكان يمكن أن يكتفوا بقول: (نَحْنُ) وإنما أرادوا أنْ يوضحوا ويبينوا بقولهم نحن أنصار دين الله، فقولهم: أنصار الله، فيه بيان وتأكيد.
والحواريُّ في اللغة هو بمعنى المنقّى المصفّى من الشوائب، كالثوب الأبيض.
ج ـ قولهم (آَمَنَّا بِاللَّهِ) ؛ لأنه سألهم من أنصاري إلى الله؟ فقالوا: آمنا بالله الذي تدعوننا لنصرة دينه (وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) بصيغة فعل أمر لعيسى عليه السلام بمعنى: (اشهد) علينا أننا مطبقون لشرع الله ولهذا الإيمان، والإيمان لا يظهر في القلب، لكن يصدّقه العمل، والإسلام تطبيق عملي، فنحن نطبق الإيمان عملياً.
د ـ الآيات تضمنت تأكيدات: (أَنْصَارُ اللَّهِ)، (آَمَنَّا بِاللَّهِ)، (بِأَنَّا).
و(أنّ) للتوكيد فيها معنى الضم، فقلّل التوكيد حتى يتوصل إلى الإدغام الموحي بصورة الجمع (أنّا)، ولم يقل: (بأننا) ؛ لأن فيها تفريقاً؛ لأن أصلها (أنّ، والتحقت بها: نا).
وعندنا في اللغة الأحرف المشبهة بالفعل نحو: [أنّ، كأنّ، لكنّ].
والحرف (إنّ) منتهٍ بنون مشددة، وعندما تلتحق بها (نا) التي هي للمتكلمين أو المعظِّم لنفسه يكون عندنا (ثلاث نونات)، فأحياناً العرب يخففون بحذف إحدى النونين، فيقولون: [إنّي وإنّك] فهنا يوجد حَذف؛ لأنّ التأكيدات كثرت فخفّف التأكيد، ويُتوصّل عن طريق هذا إلى الإدغام المشعِر بهذا الالتصاق بين أنصار الله، لذا قال: (وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) ولم يقل: (بأننا) ؛ لأنّ الصورة صورة مناصرة، ويراد لها صفّ واحد وقربٌ والتصاق.
2ـ آية المائدة 111:
آـ الكلام فيها على الإيمان، وهو إلهام الله عز وجل لهذه الصفوة أنْ تؤمن، وهذه الآية ليس فيها تأكيدات؛ فحوفظ على (أنّ) كاملة حتى يكون فيها التأكيد لإسلامهم مع ضمير المتكلم (نا)، وقوله: (بِأَنَّنَا) آكد من (أنّا) من حيث التأكيد.
ب ـ وقوله: (وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) فيها التفات؛ لأنه قال: (أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) ولم يقولوا: (مؤمنون) ؛ لأنّ الإيمان لا يظهر، وعيسى عليه السلام يحتاج لمن يظهر له علامة الإيمان، وعلامة الإيمان التطبيق (الإسلام)، والنبي يريد منهم أنْ يظهروا إسلامهم، أي: اشهد أننا مطبقون لهذا الإيمان؛ لأنّ الإيمان يكون ضمناً.
السؤال الثاني:
هل قالوا فعلاً هذا الكلام؟
الجواب:
هم قالوا مدلول هذا الكلام؛ لأنّ ربنا سبحانه وتعالى حتى لو كان الكلام بغير لسان العرب يترجم أدق الترجمة لكن بأسلوب معجز، وهم لم يتكلموا العربية، فربنا نقل عنهم معنى الكلام تماماً بأسلوبه المعجز كما قالوا، وهذا ما حدث بالفعل، لكنّ الله تعالى نقله لنا بأسلوب معجز.
والله أعلم .
ملحوظة: تتمة النقاط في الآية سنذكرها في الحلقة القادمة بإذن الله .
بقلم: مثنى محمد هبيان
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


