( القسم الخامس)
قوله تعالى : (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﭸ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [ آل عمران : 48 ـ49 ]
السؤال التاسع:
قوله تعالى: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) ما معنى الخلق؟ وهل هناك خالق غير الله تعالى؟
الجواب:
1ـ الخلق يأتي بمعنيين في القرآن الكريم:
آـ أولهما: الخلق بمعنى (التصرف والإيجاد المطلق)، وهذا لله تعالى فقط، والإيجاد من عدم هو فعل الله تعالى فقط، كما خلق تعالى آدم وخلق الماء والروح والتراب وكل الموجودات في الكون.
ب ـ وثانيهما: الخلق بمعنى (التصرف والإيجاد المقيّد)، وهذا للبشر؛ لأنه يخلق من موجودات في الكون، وخلقُ البشر هو عبارة عن تصوره لشيء، ثم يخلق هذا الشيء من خامات موجودة فعلاً.
2ـ والفرق بين خلق الله تعالى المطلق وخلق البشر المقيّد هو:
آـ أنّ الله تعالى يخلق من عدم، أمّا البشر فيخلق من خامات موجودة في الكون.
ب ـ أنّ خلق الله تعالى يتكاثر؛ لأنّ الله تعالى خلق الكائنات وأوجد لها القدرة على التكاثر (تكاثر فردي كالخلايا، وتكاثر زوجي، وغير ذلك)، أمّا خلق الإنسان فليس له قدرة على التكاثر بنفسه، والاستنساخ لا يعتبر خلقاً وإنما هي خلية تتكاثر، والله تعالى هو الذي أعطى هذه الخلية القدرة على التكاثر، وليس البشر.
ج ـ خلقُ الله تعالى له القدرة على النمو، فيخلق الإنسان طفلاً ثم يكبر فيصبح شاباً ثم يشيخ ويهرم ثم يموت، فله عمر محدد وأجل مسمى. أمّا خلق البشر فليس له هذه القدرة على النمو، وليس له عمر.
فكلمة (خلق) تطلق على "معنى عام" وهو الخلق من عدم، وهذه قدرة الله تعالى وحده. وتطلق على "معنى خاص" وهو خلق الإنسان المحدود، وهو ليس من عدم، وليس له قدرة على التكاثر ولا النمو.
3ـ الله تعالى لديه ما يسمى بـ (الحياة)، وهي تحويل الكائن المادي الصامت الميت إلى حيّ ينمو ويتكاثر، أمّا الإنسان فيخلق تمثالاً، أي: الهيئة فقط، ولهذا قال تعالى على لسان عيسى عليه السلام: (أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) في هذه المرحلة الأولى خلَقَ عيسى عليه السلام هيئة الطير ولم يخلق طيراً، وهذه الهيئة صارت طيراً بإذن الله في المرحلة الثانية (فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) فسُمّيَ طيراً لمّا نفخت فيه الروح بإذن الله تعالى.
4ـ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﭭ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ) [الانفطار: 6-7] خلق تعالى الإنسان أولاً على شكل هيئة، ثم سواه ثم عدله بكل الوظائف الحيوية، وبقي أنْ يجعله في الصورة المناسبة التي اختارها الله تعالى له فقال: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) [الانفطار: 8] فنحن الصور، والإنسان الحقيقي هو من أسرار الحياة التي أودعها الله تعالى في الكائنات.
5ـ والذي يموت تكون جثته هي صورة الإنسان، أمّا الإنسان الحقيقي فيصعد إلى الله سبحانه. قال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران: 169] هؤلاء الشهداء والمؤمنون أحياء عند ربهم يرزقون، والكافرون أحياء عند ربهم، لكنهم لا يُرزقون، وإنما يُعذبون بدليل قوله تعالى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر: 46] ونحن نرى أجساد الفراعنة محنطة في المتاحف أمامنا، فالجسد يمر بمراحل تكوينية طينية ثم تعود للتراب، أمّا الإنسان الحقيقي فهو عند الله تعالى.
6ـ الهيئة هي الشيء الذي يمكن للإنسان أن يعمله، وتحتاج إلى خلق، لكنه مقيّد على قدرة الانسان، وأودع الله تعالى العقل البشري القدرة على الاستنتاج، أمّا الجنّ وباقي المخلوقات فليس لها قدرة على الاستنتاج، والعلم عند الإنسان تراكمي يمكنه من أن يصنع الشيء من مشاهداته (كالسيارة والطائرة والغواصة).
السؤال العاشر:
ما الفرق بين الأفعال: خلق ـ جعل ـ فطر؟
الجواب:
خلق:
له دلالتان:
آ ـ إنشاؤه على مثال أراده ربنا فأبدعه سبحانه: الخلق الابتدائي، فيكون خاصاً به سبحانه وتعالى.
ب ـ بمعنى التقدير والتصوير، وهذا ليس خاصاً بالله فقط بل مع البشر.
* شواهد قرآنية:
قوله تعالى: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: 14].
قوله تعالى: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) [آل عمران: 49] على لسان عيسى عليه السلام.
وفي خطبة الحجاج قال: (ولا أخلق إلا فريت).
جعل: هو ملابسة بشيء آخر بحالة من الحالات، وتكون الحالة مفعولا به ثانياً، كأنْ يكون معه أو به أو له أو فيه.
* شواهد قرآنية:
قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) [الأنبياء: 30].
قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ) [الأنبياء: 31].
قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا) [الأنبياء: 32].
قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ) [الإسراء: 12].
فطر: هو ابتداء الشيء، وهذا خاصٌ بالله تعالى.
* شواهد قرآنية:
(إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا) [الأنعام: 79].
والله أعلم .
بقلم: مثنى محمد هبيان
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


