مختارات من كتاب (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 304)

مختارات من كتاب (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 304)

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ١٢ شعبان ١٤٤٧ هـ - ٣٠ كانون الثاني ٢٠٢٦
142

(القسم الثاني)

قوله تعالى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [ آل عمران : 48 ـ49 ]


السؤال الخامس:
ما الفروقات بين آية آل عمران (49 ) وآية المائدة ( 110) علماً أنّ سياق الآيتين في معجزات عيسى عليه السلام؟


الجواب:


1 ـ الفرق الأول: (بِإِذْنِي) [المائدة: 110] و (بِإِذْنِ اللَّهِ) [آل عمران: 49] وصيغة الأفعال (فَأَنْفُخُ) [آل عمران: 49] و (وَأُبْرِئُ) [آل عمران: 49] (فَتَنْفُخُ فِيهَا) [المائدة: 110] (تَخْلُقُ) [المائدة: 110]. وبيان ذلك:


آـ الكلام كان عن سيدنا عيسى عليه السلام في الآيات (45) وحتى الآية (48 ) ، ثم جاءت الآية (49 ) ، وهي قوله تعالى: (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) يعني أن عيسى عليه السلام هو الذي سيقول هذا الكلام؛ أي: (حكاية حالٍ ماضية) في الماضي، فإذن الذي بدأ يتكلم الآن هو سيدنا عيسى عليه السلام، فقال: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) ما هذه الآية؟ بيان هذه الآية هو على لسان عيسى عليه السلام: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) فتناسب هذه الآية قوله: (فَأَنْفُخُ فِيهِ) يعني (أنا)؛ لأنه يتكلم عن نفسه، وناسب قوله: (بِإِذْنِ اللَّهِ) حيث ردّ الأمر إلى فاعله الحقيقي، وهو الله سبحانه.


ب ـ في آية سورة المائدة رقم (110 ) الكلام هنا من الله سبحانه وتعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) الكلام مع عيسى عليه السلام، وليس على لسانه فقال: (تَخْلُقُ)، (فَتَنْفُخُ فِيهَا)، (تُخْرِجُ الْمَوْتَى) والكلام من الله عزَّ وجل إلى عيسى عليه السلام فقال: (بِإِذْنِي).


2 ـ الفرق الثاني: في استعمال الضمير (فيها) : (فَتَنْفُخُ فِيهَا) و (فيه) (فَأَنْفُخُ فِيهِ) وبيان ذلك:


آـ الخلق بمعنى التكوين أو الصنع من مواد أولية كان الله سبحانه وتعالى قد جعلها بين أيدينا، وأمّا الإيجاد فعلى غير مثال سابق، وهذا لله سبحانه وتعالى من غير شيء.


ب- في آية آل عمران هذا كلامُ عيسى عليه السلام (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا) هنا (فِيهِ) أي: في هذا الطين، وعيسى عليه السلام ذكر أصل التكوين؛ حتى يذكرهم أنّ هذا (طين) جعل منه طيراً، ثم قال: (فَأَنْفُخُ فِيهِ) أي: في هذا (الطين) الموجود بين أيديكم.


ج ـ آية المائدة كانت في تعداد نعم الله عز وجل على عيسى عليه السلام، ولذلك جاءت (إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) أي: اذكر هذا واذكر هذا، وجاء التأنيث لأنّ التأنيث أصلح للتعدد، وعندما تقول لغير العاقل: الشجرات (فيها)، يعني متعددة، كأن الهيئة صارت أكثر من حالة، فهي إذن في مجال بيان تعداد نعم الله سبحانه وتعالى عليه فاختار التأنيث؛ لأنّ التأنيث أليق مع جمع غير العاقل.


د ـ من حيث اللغة، الأصل أنه إذا نَظَرَ إلى (الهيئة أنّث)، وإذا نَظرَ إلى (الطين ذكّر)، فمرةً نَظرَ إلى الهيئة ومرة نَظرَ إلى الطين، لكنّ الذي قوّى اختيار النظر إلى الهيئة أنّ ضمير المؤنث يُشار به إلى المتعدد، فجاء بضمير المؤنث في موضع تعداد النعم؛ لأنّ فيه تعداداً للنعم فاختير التأنيث.
وجاء في كشف المعاني لابن جماعة: قوله تعالى: (فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) في آل عمران، وفى المائدة: (فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي) ذكّر في آل عمران وأنّث في المائدة فلماذا؟ والجواب: أنّ آية آل عمران من كلام المسيح عليه السلام في ابتداء تحديه بالمعجزة المذكورة ولم تكن صورة بعد فحَسُنَ التذكير والإفراد، بينما آية المائدة من كلام الله تعالى له يوم القيامة معدِدًا نعمَه عليه بعد ما مضت وكان قد اتفق ذلك منه مرات، فحَسُنَ التأنيث لجماعة ما صوره من ذلك ونفخ فيه.


3 ـ الفرق الثالث: تكرار (إِذْ) : تكررت ( إذ ) في آية سورة المائدة، ولم تذكر في آية سورة آل عمران؛ لأنه في المائدة كان هناك تعداد لنِعم الله سبحانه وتعالى عليه، أمّا في آل عمران فما كان هناك نوع من التعداد للنعم، وإنما كان نوع من بيان حال عيسى عليه السلام وهو يتكلم.
والله أعلم .


ملحوظة: تتمة النقاط في الآية سنذكرها في الحلقة القادمة بإذن الله .


بقلم: مثنى محمد هبيان

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...