قوله تعالى : (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [ آل عمران : 47 ]
السؤال الأول:
قوله تعالى في آية آل عمران (47 ) : (كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) وقوله في الآية (40): (قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) فلماذا جاءت (كذلكِ) الأولى بالكسر؟
الجواب:
1ـ (كذلكَ) بالفتح هو في الأصل لمخاطبة المذكّر، وقد تستعمل عامة، لكنّ الأصلَ أن يُقال (ذلكَ) - بفتح الكاف- للمخاطب المذكّر، و (ذلِكِ) للمخاطبة، و (ذلِكما) للمثنى، و (ذلكُنّ) لجمع المؤنث، و (ذلِكمْ) لجمع المذكر.
قال الشاعر: (قد ظفرتُ بذلِكِ) وهو يخاطب المرأة.
2ـ (ذا) اسم الإشارة للمشار إليه، والكاف للمخاطب، (ذلكَ) المخاطب رجلٌ، و (ذلكِ) المخاطب أنثى، وليس له علاقة بالمشار إليه نفسه.
وفي قوله تعالى: (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) [يوسف: 32] المخاطب جمع النسوة، (ذا): اسم الإشارة ليوسف، و (لِكُنَّ) لمجموعة النسوة. وكذلك قوله تعالى: (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ)
[القصص: 32]. (ذان) اسم إشارة. لذلك فإنّ أسماء الإشارة هي التي تتغير.
أمّا كاف الخطاب ففيها وجهان :
آ ـ أن تكون مطابقة للمخاطب إفراداً وتثنية وجمعاً ، تذكيراً وتأنيثاً ، كما في الآيات : ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء: 39] .
﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: 22] .
﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [الأعراف: 141] .
﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: 32] .
﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ﴾ [مريم: 21] .
﴿قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: 47] .
وهذا إذا أراد أن يخصّص فيستعمل الكافَ المفتوحة (ذلكَ) للمخاطب المفرد ، و بكسر الكاف (ذلكِ) للمخاطبة المفردة.
ب ـ إفراد الخطاب وتذكيره على كل حالٍ ، فتقول : (ذلكَ ) بفتح الكاف للمفرد والمثنى والجمع للمذكر والمؤنث، كما في الآيات :
﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: 85] .
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 219]
﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: 30] في خطاب نساء النبي ﷺ
والوجهان جائزان .
السؤال الثاني:
قوله تعالى في الآية 47: (قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) لِمَ عبّر الله تعالى عن تكوين عيسى بالفعل (يَخْلُقُ) بينما عبّر عن تكوين يحيى عليه السلام بالفعل (يَفْعَلُ) في قوله تعالى: (قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)؟
الجواب:
عبّر الله تعالى عن تكوين عيسى عليه السلام بالفعل (يخلق) ؛ لأنه إيجاد كائن من غير الأسباب المعتادة، ولو كان بالوسائل المعتادة لأورد الفعل (يفعل) أو (يصنع) كما في الآية السابقة رقم 40 في جواب الملائكة لزكريا (قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ).
السؤال الثالث:
ما دلالة قوله تعالى: (قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ)؟
الجواب:
إنها طلاقة القدرة، وهي لا تتوقف على ذكورة وأنوثة؛ لأنّ الله تعالى قادر على أن يخلق دون ذكورة وأنوثة كخلقه آدم عليه السلام، ويخلق الله سبحانه بواحدٍ منهما كخلقه سبحانه لحواء وخلق عيسى عليه السلام، ويخلق الخالق الأعلى بالذكورة والأنوثة، وهذه تتضح في خلق جمهرة الناس. والله أعلم .
بقلم: مثنى محمد هبيان
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


