مختارات من كتاب (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 294)

مختارات من كتاب (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 294)

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ١ جمادى الآخرة ١٤٤٧ هـ - ٢١ تشرين الثاني ٢٠٢٥
132

( القسم الثالث )


(قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَار) [آل عمران: 41]


السؤال الثاني:
ما الحكمة في طلب زكريا عليه السلام أن يجعل الله تعالى له آية (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً) [آل عمران: 41]؟


الجواب:
1ـ قد يكون للاطمئنان كما قال سيدنا إبراهيم: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [البقرة: 260] فهناك احتمال كبير أنها لاطمئنان القلب، والآية تعني: علامة، وتدل على هذا الأمر ليطمئن قلبي ويثبت، وليس فيها شيء أنْ يطلب زكريا الاطمئنان كما فعل سيدنا إبراهيم عليه السلام.


2ـ أنْ يتلقى النعمة بالشكر قبل حصول الآية، فيبدأ بشكر هذه النعمة التي سينعم بها الله سبحانه وتعالى على زكريا بأنْ يهب له غلاماً، وما أراد أن ينتظر إلى حين مجيء الغلام، وإنما أراد أن يسبق هذا بالشكر عند ظهور الآية بمجيء الغلام فيبدأ بشكر الله سبحانه وتعالى ولا يؤخره، فهذه علامة الحصول فيبدأ بالشكر ولا يؤخره إلى حين مجيء الآية، إضافة إلى استعجال السرور أيضاً فهو يريد أنْ يرى التأييد مباشرة حتى تدخل السرور على قلبه.


السؤال الثالث:
ما دلالة كلمة (كَثِيرًا) في الآية (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا


الجواب:
كلمة (كَثِيرًا) تحتمل المصدر، أي: ذكراً كثيراً، وتحتمل أنْ يراد بها الزمن الكثير، والتعبير جمع المعنيين في آن واحد.


السؤال الرابع:
ما التسبيح؟ وما فرقه عن الذكر كما في آية طه 33ـ34 (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا) [طه: 33-34]؟


الجواب:
1ـ التسبيح هو تنزيه الله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله عما لا يليق به، ويحتمل أنْ يكون باللسان وأن يكون بالقلب.


2ـ وأمّا الذكر فهو عبارة عن وصف الله تعالى بصفات الجلال والكبرياء، ولا شك أنّ النفي مقدم على الإثبات.


3ـ الذكر أعم من التسبيح، والتسبيح أخص.


4ـ (سبحان): هو اسم مصدر، واسم المصدر يكون خالياً من بعض حروف الفعل الأصلي دون تعويض.


* أمثلة لغوية:
آـ سبح تسبيحاً، ومنه (سبحان)، فقد نقصت باء عن الباء المشددة في الفعل: (سبّح).
ب ـ أعطى إعطاء، ومنه (عطاء)، فقد نقصت الهمزة من الفعل: (أعطى).
ج ـ سلّم تسليماً، ومنه: سلام، فقد نقصت لام من اللام المشددة في الفعل (سلّم).


5ـ الأفعال: [سبّح ـ يسبّح ـ يسبحون] تدل كلها على الزمن وعلى الفاعل.
أما (سبحان) فليست مرتبطة بفعل أو زمن، فقد كان التسبيح قبل الخلق، وكان بعده وقبل من يسبح وبعد من يسبح.


5ـ كيف يستعمل القرآن كلمة (الذكر):
أ ـ الذكر لم يجعل له وقتاً (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا) [آل عمران:41]، وخصّص في التسبيح (وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَار) [آل عمران:41]، فلمّا كان التسبيح أخصّ خصّص الوقت. قال تعالى:
(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) [غافر:55] (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَار) [آل عمران:41].


ب ـ وكذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا٤١ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الأحزاب:41-42]، فمع الأخص خصّص، ومع الأعم أطلق.


ج ـ أمّا لماذا قدّم التسبيح في آية سورة طه( كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا) [طه: 33-34]؟
كان موسى عليه السلام في حالة خوف أو في حالة ترقب، خوف أنْ يفعل بهم فرعون ما يفعل من سوء (قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى) [طه:45]، والتسبيح ينجي من الغم وينجي من الكرب، وربنا أخبر عن ذي النون (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) [الأنبياء:87-88] .
وربنا قال للرسول عليه الصلاة والسلام : (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) [الحِجر:97-98]؛ لأنّ التسبيح ينجي من الضيق والغم ويذهب الهم والكرب والخوف.
فلمّا كان موسى في حالة خوف قال: (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا) [طه: 33] فبدأ بما يُذهب الهم ويُذهب الغم ويُنجي من الخوف.

السؤال الخامس:
ما أهم دلالات هذه الآية؟


الجواب:
1ـ طلب زكريا علامة من ربه دالة على أنّ زوجته قد حملت، لكي يطمئن قلبه على تحقيق تلك البشرى، فأعلمه الله أنّ العلامة أنك تُحبسُ وتُمنعُ من الكلام ليس لعلّة فيك، ولكنّ الله يمنعك من النطق لمدة ثلاثة أيام، من غير مرض ولا آفة، فلا تكلمهم إلا بالإشارة والرمز.


2 ـ وقد عقد الله لسان زكريا عن الكلام، وأبقى له قدرة على الذكر والتسبيح.


3 ـ كما أنّ الله يمنع نفوذ الأسباب مع وجودها، كذلك يوجدها بدون أسباب.


4 ـ أعلم الله نبيه زكريا أنه في أيام عجزك عن الكلام وحبس لسانك أكثرْ مِنْ تسبيح الله كيلا ينشغل لسانك بغير التسبيح، فإذا انتهت مدة الأيام الثلاثة كان ابتداء الحمل. قال تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَار).


5 ـ العشي: الوقت من زوال الشمس إلى المغيب، وهو اسم مفرد لا جمع له.


6 ـ الإبكار: بكسر الهمزة، من طلوع الشمس إلى وقت الضحى.


7 ـ وردت قصة زكريا عليه السلام في سورتي آل عمران ومريم. والله أعلم.


بقلم: مثنى محمد هبيان

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...