(فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [آل عمران: 36]
السؤال الأول:
قوله تعالى: (وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) انظر إلى التوكيد بـ (وَإِنِّي) في (وَإِنِّي أُعِيذُهَا) مع أنّ المقام مستعملٌ في إنشاء الدعاء، فما الظل الذي يلقيه هذا التأكيد على العبارة؟
الجواب:
إنّ مجيء (مريم) بنتاً خلافاً لما كانت ترجو أمها وتأمل، يؤذن بأنها ستُعرِض عنها فلا تشتغل بها، فقالت (وَإِنِّي أُعِيذُهَا) مؤكدة هذا الخبر والدعاء بإظهار الرضى بما قدّر الله تعالى لها، ولذلك انتقلت إلى الدعاء لها تعبيراً عن الرضى والمحبة.
السؤال الثاني:
ما فائدة قوله: ( وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) وهو معلوم من غير ذِكرٍ؟
الجواب:
1ـ المعنى أنه ليس الذكرُ الذي طلبتْ كالأنثى التي وُهبت لها من الله سبحانه.
2ـ وفائدته: اعتذارها عما قالت ظناً، فإنها ظنت أنّ ما في بطنها ذكراً، ولهذا نذرت أنْ تجعله خادماً لبيت المقدس، وكان من شريعتهم صحة هذا النذر في الذكور خاصة.
فلما وضعت أنثى استحيت، حيث خاب ظنها ولم يُتقبّل نذرها، فقالت ذلك معتذرة: أي أنّ الأنثى ليست بصالحة لما يصلح له الذكر في خدمة المسجد، لا أنها أرادت أنّ الأنثى ليست كالذكر صورة أو قوة أو نحو ذلك.
فلمّا قالت ذلك معتذرة خجلة مَنّ اللهُ عليها بتخصيص مريم بقبولها في النذر دون غيرها من الإناث، فقال الله تعالى: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ) [آل عمران: 37] وكانت كفالة زكريا لها باختيار الله تعالى.
3 ـ قوله تعالى: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) بين الذكر والأنثى يوجد تكامل وليس تساوياً، فكل منهما لا يستغني عن الاخر، بعكس التساوي الذي يجعل كلاً منهما في معزل عن الاخر !
السؤال الثالث:
أكد بـ (إنّ) في آيات [غافر27ـ والدخان 20ـ وهود 47ـ ومريم 18ـ وآل عمران 36] ولم يؤكد بـ (إنّ) في آيات [البقرة67ـ والمؤمنون 97ـ والمعوذتين] فلماذا؟
الجواب:
1ـ الاستعاذة تكون على قدر ما يحذره المستعيذ ويخافه، وكلما زاد الحذر زاد التأكيد بالاستعاذة، فيقول: إني أعوذ، وإلا قال: أعوذ.
2ـ في آية غافر 27: أكّد بـ (إنّ) ؛ لأنّ فرعون هدده بالقتل (ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى) [غافر: 26].
3ـ في آية الدخان 20: ألمح أنهم هددوه بالرجم وكان المُخوِّف متسلطاً عاتياً، فلجأ إلى ربه لجوء المستضعفين مؤكداً ذلك بـ (إنّ).
4ـ وأما آية هود 47فهي على لسان سيدنا نوح عليه السلام، وكان ذلك تعقيباً على قوله تعالى: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [هود: 46] فلما وعظه بـ (إني أعظك) المؤكدة استعاذ به بقوله: (إِنِّي أَعُوذُ بِكَ) [هود: 47] المؤكدة.
5ـ وكذلك ما ورد على لسان مريم عليها السلام في آية مريم 18، فقد احتجبت عن قومها لتغتسل، وإذا ببشر أمامها ففزعت وخشيت على نفسها من أن يعتدي عليها، فلاذت بربها وعاذت، فأكدت ذلك بـ (إنّ) بقولها: (إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ) [مريم: 18].
ثم انظر كيف أنها استعاذت بـ (الرحمن) دون غيره من أسماء الله الحسنى، فطلبت من الرحمن أن يرحمها ويحميها، وفي ذلك أيضاً استثارة لعاطفة الرحمة في قلب الشخص الواقف أمامها إنْ كان تقياً.
إضافة إلى أنّ جو سورة مريم تشع فيه الرحمة من أول السورة إلى آخرها.
6ـ وأما ما ورد على لسان امرأة عمران في الآية "36"، فالأمر يحتاج إلى توكيد الاستعاذة، فإنها كانت قد نذرت أن يكون ما في بطنها خالصاً لله خادماً للكنيسة، راجية أنْ يكون ذكراً فوضعت أنثى، ومن الصعوبة ومن غير المألوف أن تقوم أنثى بما يقوم به الرجال من خدمة دور العبادة، فقد تكون وحيدة، فخشيت عليها أمها ما تخشاه الأمهات على بناتهن من وساوس الشيطان وبقائها وحيدة بين الرجال، فاستعاذت لها مؤكدة فقالت: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [آل عمران: 36].
7ـ أمّا ما لم يكن على هذا النحو من مواطن الخوف والحذر فلا يؤكد، كما في آية سورة البقرة 67، فليس فيها موطن تهديد ولا تخويف فلم يؤكد بإنّ.
ومثل ذلك في آية المؤمنون 97، وما ورد أيضاً في المعوذتين فلا يحتاج إلى تأكيد.
8ـ ونظير ذلك التوكيد وعدمه قوله تعالى:
ـ (إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي) [القصص: 16] على لسان موسى عليه السلام، فأكد بإنّ.
ـ (إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي) [النمل: 44] على لسان ملكة سبأ، فأكدت بإنّ.
بينما جاء على لسان آدم عليه السلام: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا) [الأعراف: 23] بدون تأكيد بإنّ.
والسبب ـ والله أعلم ـ أنّ موسى عليه السلام قال ذلك بعد قتل القبطي، والقتل معصية كبيرة متعلقة بالعباد، وهي أكبر من معصية آدم فأكد الظلم بإنّ.
وطلب موسى عليه السلام المغفرة؛ لأنّ معصيته تمحى بالتوبة والاستغفار؛ لأنه ليس من القتل العمد، وإنما القتل الخطأ.
وأما ظلم ملكة سبأ لنفسها فهو أكبر من ذلك كله، فإنها كانت تعبد الشمس فأكدت الظلم بإنّ، وتابت وأسلمت، ولم تقل: فاغفر لي، فالإسلام يجبُّ ما قبله.
ولذلك يتضح أنّ التأكيد بإنّ يكون على قدر المعصية، كما أنّ التأكيد بها هو على قدر ما تقتضيه الاستعاذة. والله أعلم.
السؤال الرابع:
ما دلالات هذه الآية؟
الجواب:
1 ـ استجاب الله دعاء أمّ مريم فحملت بمريم، ولكنّ المرأة لا تصلح لخدمة بيوت الله كما يصلح الرجل بسبب الحيض والاختلاط بالرجال وغير ذلك.
2 ـ فلمّا وضعتها وجدت المولود أنثى وليس بذكر، والله سبحانه أعلم بما وضعت، فهو لا يحتاج إلى علمها، بل علمُه بها قبل أن تعلم أمُها ما هي، فاعتذرت إلى الله، لأنّ المولود لا يصلح لخدمة بيت المقدس، وكأنها تشوقت أن يكون المولود ذكراً ليكون أقدر على الخدمة، وسمتها: مريم، ومعناه: العابدة، وأعاذتها وذريتها من الشيطان الرجيم.
3 ـ في أمر مريم وأمّها وابنها عيسى عليه السلام وقصة ولادته ردٌ على من ادعى ألوهية عيسى عليه السلام.
4 ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: (ما من بني آدم مولودٌ إلا يَمَسَّه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخاً من مسّ الشيطان غير مريم وابنها) ثم قال أبو هريرة: فاقرأوا إنْ شئتم (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [صحيح البخاري 3431].
5 ـ في الآيتين (35 ـ 36) تكررت (إنّ) أربع مرات، وفي الثلاث الأولى كان خبرها فعلاً ماضياً، وفي المرة الرابعة عدلت من الماضي للمضارع فقالت: (أُعِيذُهَا) لنكتة بلاغية وهي ديمومة الاستعاذة وتجددها دون انقطاع، أمّا الثلاث الأولى فقد انقطعت.
6 ـ من عجائب الأمور أن يكفَلَ ثلاثة من أولي العزم من الرسل، ثلاث نساء ضعيفات، وهم موسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
والله أعلم.
بقلم: مثنى محمد هبيان
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


