مختارات من كتاب (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 283)

مختارات من كتاب (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 283)

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ١٣ ربيع الأول ١٤٤٧ هـ - ٥ أيلول ٢٠٢٥
98

ولادة مريم وكفالتها وخدمتها لبيت العبادة
(القسم الأول)


(إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [آل عمران: 35]


السؤال الأول:
ما الفرق بين (يتقبل من) و (يتقبل عن) في الحديث عن التوبة؟ وهل يأتي الفعل (تُقبِّل) بدون حرف جر وبصيغة المبني للمجهول؟


الجواب:
1ـ القبولُ هو أخذ الشيء برضى، والتوبة هي الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، وكلُ إنسان معرّض للخطأ وخيرُ الخطائين التوابون، فالتوبة هي الكفّ عن المخالفة والعودة إلى طاعة الله سبحانه وتعالى.


2ـ استعمال (عن) بدل (من):
كلمة (عن) تستعمل حينما يكون الكلام هو عودة إلى الله سبحانه وتعالى، والمتكلِّم المباشر هو الله سبحانه وتعالى، أو هو معلوم عن طريق الغيبة، وعندما يتكلم الله سبحانه وتعالى عن نفسه بضمير الغيبة (هو)، فإن ذلك يدل على تعظيم شأنه جلَّ في علاه.
والفرق بين (عن الشيء) و (من الشيء): عندما نقول: فلان كان يمشي بسيارته وخرج (من الطريق) السريع، معناه وجد منفذاً متصلا بالطريق السريع وخرج. لكن لو قيل لك: فلان بسيارته خرج (عن الطريق) السريع، معناه: انحرف كأنما انقلبت سيارته، هذه الصورة الآن نحن نفهمها بعد ألف عام، فكيف كان العربي يفهم الفرق بين (من) و (عن)؟


3ـ (عن) لمجاوزة الشيء، و (من) لابتداء الغاية كأنه ابتدأ غايته من الطريق.
فمع (من) كأنه تبقى الصِلة، فهناك شيء ولو صلة متخيلة. أمّا (عن) ففيها انقطاع.
فقوله تعالى: (يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) [ص: 26] أي: لا تبقى لهم صلة، والتوبة ترتقي إلى الله سبحانه وتعالى، ولو قيل في غير القرآن (يقبل التوبة من عباده) كأنّ الإثم الذي تاب عنه يبقى متصلاً به، وهذه التوبة يتخيل الإنسان معها صورة مادية للصلة بالله سبحانه وتعالى.


4ـ يأتي الفعل (تُقبل) أو (يُقبل) بدون حرف جر معه، ومبنياً للمجهول كما في قوله تعالى في الآيات التالية:
آـ (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ) [آل عمران: 90] فبناها للمجهول ولم يأت بحرف جرّ، وما قال: لم يقبل الله توبتهم؛ لأنهم لا يستحقون أن يذكر معهم اسم الله تعالى، فهذه التوبة لا تقبل لا منهم ولا عنهم ولا لهم؛ لأنهم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً.
ب ـ (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران: 85] والذي يصدر عنه أي دين غير الإسلام لا يُقبل منه، ويقال: إنه لا يوجد إنسان بلا دين، حتى الملحد دينه الإلحاد؛ لأنّ الدين هو أن تدين بشيء.
والإسلامُ هو دين الأنبياء جميعاً، لكنْ مع مراعاة أنّ إسلامَ أيِّ نبيٍّ هو لزمانه، فالنبي الذي بعده ينبغي أن يتبعه أتباع النبي السابق، حتى يصل الأمر إلى خاتم الأنبياء ﷺ

ج ـ (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) [آل عمران: 91] بناها للمجهول.
5ـ أما قوله تعالى: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا) [آل عمران: 37] لم يعد الفعل بحرف الجر وإنما تقبلها هي.
لذلك قوله تعالى: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [آل عمران: 35] ليس من كلام الله المباشر على لسان الباري سبحانه وتعالى، وإنما على لسان البشر.


السؤال الثاني:
ما قواعد كتابة لفظة (امْرَأَةُ) علماً أنها وردت في المصحف بالتاء المربوطة "4" مرات وبالتاء المفتوحة (امْرَأَتُ) "7"مرات؟


الجواب:
لفظة (امْرَأَةُ) وردت في المصحف بالتاء المربوطة "4" مرات في الآيات [النساء 12ـ 128ـ النمل 23ـ الأحزاب 50].


وبالتاء المفتوحة (امْرَأَتُ)"7" مرات، مع ملاحظة أنّ كلَّ امرأة ذُكرت مضافة لزوجها، جاءت بالتاء المفتوحة، والمواضع السبعة هي:
ـ (امْرَأَتُ عِمْرَانَ) [آل عمران: 35]
ـ (امْرَأَتُ الْعَزِيزِ) [يوسف: 30] و [يوسف: 51]
ـ (امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ) [القصص: 9]
ـ (امْرَأَتُ نُوحٍ وَامْرَأَتُ لُوطٍ) [التحريم: 10]
ـ (امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ) [التحريم: 11]


ونلاحظ أنه حينما تأتي كلمة (امْرَأَةُ) نكرة فإنّ آخرها يكون تاء مربوطة، وتعني أي (امرأة) وتوحي بالأهمية العادية، وحينما تأتي بالتاء المفتوحة (امْرَأَتُ) تكون مضافة على الأغلب فتوحي بامرأة معينة لها أهميتها، وتنسب إلى زوجها، وقد ضربها الله نموذجاً سواء للمرأة الصالحة أو المرأة الفاسقة الخائنة، وبذلك تأتي التاء المفتوحة لتجعل المعنى مفتوحاً وذا أهمية يجب الالتفات إليه وأخذ العبرة منه.
وشبيه بهذا كلمة: [(لَعْنَةَ) (لَعْنَتَ)] و كلمة: [(كَلِمَةٍ) (كَلِمَتُ) ] و كلمة: [(نِعْمَةَ) (نِعْمَتَ) ]. والله أعلم.
ملحوظة : تتمة الأسئلة حول الآية تأتي في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى.


بقلم: مثنى محمد هبيان

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...