بدءُ قصّة النصارى
(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 33]
السؤال الأول:
ما الفرق بين (اصطفى) و (اختار)؟ وما الفرق بين الاصطفاء والاجتباء؟
الجواب:
1ـ الاختيار: هو أن تختار من غير متشابهات، كأن تختار قلماً من بين ورقة وكتاب وقلم، كما في قوله تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) [القصص: 68].
أمّا الاصطفاء: فهو الاختيار من بين أشياء متناظرة ومتشابهة، كقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ) [آل عمران: 33] فاصطفاه من متناظرين.
2ـ الاصطفاء:
وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم حوالي (15) مرة على اختلاف مشتقاتها في الآيات:
[البقرة 130، 132، 247 ـ آل عمران 33، 42 (مرتان) ـ الأعراف 144ـ الإسراء 40 ـ الحج 75 ـ النمل 59 ـ فاطر 32 ـ الصافات 153 ـ ص 47 ـ الزمر 4 ـ الزخرف 16].
وجاءت لفظة (الاصطفاء) على عدة معانٍ في اللغة منها:
آـ (اصطفى) أي اختار، ويُقال على ثلاثة أوجه: صَفوة، وصُفوة، وصِفوة، ومعنى: اصطفاهم، أي جعلهم صفوة خلقه، تمثيلاً بما يشاهد من الشيء الذي يُصفى ويُنقى من الشوائب، كما في الآيات:
(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 33]
(قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي) [الأعراف: 144]
(وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ) [ص: 47]
ب ـ الاصطفاء: بمعنى الاستخلاص، ومأخوذ من الصفوة، والأصل: اصتفى بالتاء فأبدلت التاء طاء ليسهل النطق بها بعد الصاد.
شواهد قرآنية:
ـ قوله تعالى: (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي) [الأعراف: 144]
أي اتخذتك صفوة على الناس، أي فضلتك وذكر السبب (بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي) أي خصّه بالرسالة مع الكلام بغير واسطة وهذا المجموع ما حصل لغيره، ولمّا ذَكرَ ذلك أَمَرَهُ بالعمل بالرسالة وبشكر الله فقال: (فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ)، ولم يقل مثلاً (على الخلق) بل قال (عَلَى النَّاسِ) لأنّ الملائكة قد تسمع كلام الله من غير واسطة كما سمعه موسى عليه السلام.
ـ قوله تعالى: (أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا) [الإسراء: 47]
أصفاه بالشيء إذا آثر به ، أي أفَخَصّكم أو أخلصَكم. ويُقال للضِياع التي يستخصها السلطان بخاصية الصوافي.
ـ قوله تعالى: (وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ) [ص: 47]
أي المختارين من أبناء جنسهم، و(الأخيار) جمع خيرّ أو خيْر كأموات في جمع ميّت أو ميْت، والله قد حكم عليهم بكونهم أخياراً على الاطلاق، وهذا يعم حصول الخيرية في جميع الأفعال والصفات، واحتج العلماء بهذه الآية في إثبات عصمة الأنبياء.
ج ـ الاصطفاء: الاختيار والتفضيل، كما في الآيات:
(وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى) [النمل: 59]
(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [البقرة: 132]
الاجتباء:
وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم حوالي (10) مرات على اختلاف مشتقاتها في الآيات:
[آل عمران 179 ـ الأنعام 87 ـ الأعراف 203 ـ يوسف 6 ـ النحل 121 ـ مريم 58 ـ طه 122 ـ الحج 78 ـ الشورى 13ـ القلم 50].
المعنى اللغوي:
ـ جبى: الخراج يجبي جباية، و (الإجباء) بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه، وفي الحديث (من أجبى فقد أربى) [مجمع الزوائد 78/3] وأصله الهمز (جبأ )، و (الجابية) الحوض الذي يُجبى فيه الماء للإبل أي يجمع، والجمع (الجوابي) ومنه قوله تعالى: (وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ) [سبأ: 13]. و (الجابية) مدينة بالشام، وباب الجابية بدمشق. والاجتباء أن تأخذ الشيء بالكلية. واشتقاق لفظ الاجتباء يدل على الضم والجمع، ومنه جبي الخراج وجبي الماء في الحوض.
ـ (اجتباه) أي اصطفاه لنفسه واختاره لأمور عظام وأعطاه معالي الأمور، ومنه قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) [يوسف: 6].
ـ (اجتباه): اختلقه وافتعله واخترعه من تلقاء نفسه، كما في آية الأعراف: (وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا) [الأعراف: 203]
ـ الاجتباء إذا ذُكِرَ في حق الأنبياء عليهم السلام حُمل على النبوة والرسالة من الله تعالى.
ـ اجتباءُ الله تعالى العبد تخصيصُه إياه بفيض إلهي يتحصل معه أنواعٌ من المكرمات بلا سعي من العبد، وذلك مختصٌ بالأنبياء عليهم السلام ومن يقاربهم من الصديقين والشهداء والصالحين.
أقوال في الفرق بين الاختيار والمفاضلة والاجتباء والانتقاء:
آ ـ الاختيار:
ـ الاختيار مأخوذ من الخير، ويكون معناه خير ما في الشيء.
ـ الاختيار هو أن تختار من غير متشابهات كأن تختار بين قلم و ورقة وكتاب، بينما الاصطفاء يكون بين أشياء متشابهة أو متناظرة.
ـ اختيارك الشيء أخذك خير ما فيه في الحقيقة أو خيره عندك، بينما الاصطفاء أخذ ما يصفو منه، ثم كثر حتى استعمل أحدهما محل الآخر.
ب ـ المفاضلة:
تكون بين الأشخاص على أساس أنك تفضّل أكثرهم مميزات.
ج ـ الاجتباء:
مأخوذ من الخلاصة أو الخالص من الشيء وهو منزلة خاصة للمؤمن الكامل المخلص الورع المستقيم المحب المحسن المنصف الرحيم، وقد ورد في بعض الأحاديث: (إذا أحبَّ اللهُ تعالَى عبدًا ابتلاه فإن صبَر اجتباه فإن رَضِيَ اصطفاه) [البيهقي في شعب الإيمان 10003] وهذه المنزلة كاد أن يحتكرها الأنبياء عليهم السلام إلا حيزاً صغيراً جداً أخلاه الله لثلة من المؤمنين في كل جيل يصدقونه الحب والإيمان والعمل الصالح.
1ـ الفعل (يجتبي) ماضيه: (اجتبى) على وزن افتعل، وهو نفس وزن الفعل: اختار.
2ـ الفعل (اجتبى) من: (جَبَيَ) وهو من الجباية، وهي: الضم والجمع والتقريب، ويعني في الآية شدة القرب من الله تعالى.
3ـ أما الفعل: (اختار) ففيه معنى الانتقاء للأخْيَرِ والأفضل، ولكن ليس فيه معنى الضم والقرب.
4ـ فإذا أراد القرآن الإشارة إلى مجرد الخيرية من غير الضم يستعمل: (يختار)، وإذا أراد معنى الجمع والضم والتقريب يستعمل: (يَجْتَبِي) .
د ـ الانتقاء:
المفاضلة بين الأشخاص لأقلهم عيوباً دون النظر إلى المميزات.
الخلاصة:
بشكل عام كلمة (الاصطفاء) أعم ويميل معناها إلى الصفاء والاختيار، ويميل استعمالها كذلك إلى النبوة والرسالة، بينما كلمة (الاجتباء) أخصّ، وفيها معنى جمع الشيء النافع والصفات الحسنة الطيبة، ويميل معناها إلى العلم والأخلاق، إضافة إلى التكليف بالرسالة مع الرسل والأنبياء. والله أعلم.
السؤال الثاني:
قوله تعالى: (وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 33] مَنْ (عِمْرَان) المذكور في الآية؟
الجواب:
هناك اثنان لهما نفس الاسم (عمران):
1ـ عمران والد موسى وهارون، وعمران هذا هو ابن يصهر بن فاهاث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
2ـ عمران: والد مريم عليها السلام.
ومما زاد في الأمر إشكالاً هو وجود أخت لموسى وهارون اسمها: مريم، فكلتاهما اسمهما: مريم بنت عمران، وكانوا يتفاءلون باسم (مريم) لأنّ معناه العابدة.
3ـ يمكن أن نضع للأمر ضبطاً حرفياً، فنقول: (عمعم سدئيّ) ومعناها:
[عيسى بن مريم ـ مريم بنت عمران ـ عمران بن ماثان ـ ماثان بن سليمان ـ سليمان بن داود ـ داود بن أوشي ـ أوشي بن يهوذا ـ يهوذا بن يعقوب ـ يعقوب بن إسحاق].
4ـ لذلك مجيء اسم مريم عليها السلام في القرآن يعني أنه عمران والد مريم.
5ـ للعلم: زكريا عليه السلام، هو ابن آذن، وآذن كان معاصراً لماثان.
ومن جهة أخرى يجب علينا أنْ نفطن إلى أنّ الأنساب بالدم واللحم عند الأنبياء لا اعتبار لها، وإنما الأنساب المعترف بها بالنسبة للأنبياء هي أنساب القيم والدين.
السؤال الثالث:
وردت كلمة (إِبْرَاهِيمَ) [آل عمران: 33] في القرآن كله برواية حفص عن عاصم بالياء ، إلا في سورة البقرة بأجمعها فقد جاءت بدون ياء (إِبْرَاهِمَ) فما دلالة ذلك؟
الجواب:
انظر الجواب في آية البقرة 124.
السؤال الرابع:
ما دلالات هذه الآية؟
الجواب:
1 ـ هذا المقطع من السورة يتحدث عن ولادة مريم أمّ عيسى عليه السلام، وعن ولادة يحيى بن زكريا عليهما السلام، وعن ولادة عيسى عليه السلام، في إطار الحوار والمناظرة بين الرسول محمدٍ عليه أفضل الصلاة والسلام وبين نصارى وفد نجران لإثبات التوحيد، وأنّ الله واحدٌ أحدٌ، لا والد له ولا ولد، وأنّ عيسى عبد الله ورسوله.
2 ـ ابتدأ هذا الربع من القرآن بذكر أنّ الله اصطفى رجلين من البشر هما آدم عليه السلام وهو أبو البشر، ونوح عليه السلام وهو الأب الثاني للبشرية.
3 ـ واصطفى من العشائر عشيرتين:
آ ـ آل إبراهيم: وجعل منه أصلاً لشعبتين:
ـ إسماعيل: وهو أصل العرب، وجعل محمداً سيدهم.
ـ إسحاق: وهو أصل بني إسرائيل.
ب ـ آل عمران: وهو والد عمران والد مريم أمّ عيسى عليها السلام. وقيل هو عمران والد موسى عليه السلام، والأول أنسب لسياق الآيات.
وللعلم بين عمران والد موسى، وعمران والد مريم أم عيسى حوالي (1800) سنة كما تقول كتب التاريخ وأسفار اليهود.
4 ـ هذا الاختيار هو من الله تعالى لآدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران، حيث جعلهم أفضل زمانهم.
5 ـ نوح: علم أعجمي، قيل إنه مشتق من النوح وهو البكاء.
6 ـ عمران: اسم عبري مشتق من العمر، وهو ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون. والله أعلم.
بقلم: م.مثنى محمد هبيان
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


