﴿قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [آل عمران: 32]
السؤال الأول:
قوله تعالى: ﴿قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ﴾ كيف جاءت مسألة الطاعة في القرآن؟
الجواب:
جاءت مسألةُ الأمر بالطاعة في القرآن الكريم على ثلاثة نماذج:
1ـ أطيعوا الله والرسول.
2ـ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول.
3ـ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم.
فما مسألة هذه الأوامر بالطاعة؟
إنّ الأحكامَ الشرعية المطلوب من المؤمنين إطاعتها مرةً يكون الأمر قد جاء بها من الله، و يكون الرسول قد أكّدها بقوله وسلوكه، وبهذا حين يطيع المؤمن في هذا الأمر فهو يطيع الله ورسوله معاً.
ومرة يأتي الحكمُ من الله إجمالاً، ويأتي الرسولُ ﷺ ليفصّله، مثل: الصلاة، فتفاصيلها من النبي ﷺ وأصل الحكم من الله تعالى، وكذلك الزكاة جاء الأمر من الله بأداء الزكاة، لكن القرآن لم يحدد النصاب، وقد بينه الرسول ﷺ، إذن لله فيها أمرٌ وللرسول أمرٌ، والنبي ﷺ مفوّض من الله تعالى بهذا، قال تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ﴾ [الحشر:7].
لذلك تكون مسألة الطاعة في القرآن حسب التالي:
1ـ إذا لم يتكرر لفظ الطاعة، فالسياقُ يكون لله وحده في آيات السورة، ولا يجري ذكرٌ للرسول ﷺ في السياق أو الإشارة إليه.
أو بمعنى آخر، إنْ اتحد المُطاعُ ـ الله والرسول ـ عطف الرسول على لفظ الجلالة فتأتي: ﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ﴾ [آل عمران:32].
* شواهد قرآنية:
ـ آية آل عمران 32 ﴿قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ .
ـ آية آل عمران 132﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ .
وهذه الآية جاءت بعد آية تحريم الربا في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ * يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ * وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيٓ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ﴾ [آل عمران:129-131] .
2ـ وإذا تكرر لفظُ الطاعة فيكون قطعياً قد ذُكر الرسول ﷺ في السياق، أو بمعنى آخر: إنْ كان الأمرُ طاعة الله في الأمر الإجمالي وطاعة الرسول في تفصيل ذلك الأمر تأتي: ﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ﴾ [النور:54] .
* شواهد قرآنية:
ـ ﴿قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [النور:54] .
ـ ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحۡذَرُواْۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [المائدة:92].
ـ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلَا تُبۡطِلُوٓاْ أَعۡمَٰلَكُمۡ﴾ [محمد:33] .
ـ ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [التغابن:12].
3ـ إنْ كان الأمرُ طاعة الرسول بتفويض الله له كما في آية الحشر7 ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ﴾ يأتي الموضوعُ كما في طاعة أولي الأمر، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا﴾ [النساء:59] .
فالحق عز وجل لم يورد طاعةَ أولي الأمر مندمجة في طاعة الله ورسوله لتكون طاعة واحدة، لا، وإنما أورد طاعةَ أولي الأمر في الآية التي يفرق فيها بين طاعة الله وطاعة الرسول، ثم من بطن طاعة الرسول تكون طاعة أولي الأمر، لماذا؟ لأنه لا توجد طاعةٌ ذاتية لأولي الأمر، فالرسول ﷺ له الطاعة الذاتية، أمّا طاعة أولي الأمر فهي مستمدة من طاعة أولي الأمر لله ورسوله، ولا طاعة لأولي الأمر فيما لم يكن فيه طاعة لله ورسوله ﷺ.
السؤال الثاني:
قوله تعالى في آية آل عمران 32ـ والآية 132 ﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ﴾ لماذا لم يكرر لفظ الطاعة فيهما، فيقول: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول؟ بينما كررها في الآيات:[ النساء 59ـ المائدة 92ـ النور 54ـ محمد 33ـ التغابن 12] ؟ وما دلالة هذه الآية؟
الجواب:
القاعدة اللغوية:
1ـ يكرر القرآن الكريم لفظاً معيناً بقصد التوكيد، كما تقول محذراً: حذار حذار.
2ـ هنا في آيتي آل عمران لم يكرر لفظ الطاعة، لكنه كررها في الآيات: [النساء 59ـ المائدة 92ـ النور 54ـ محمد 33ـ التغابن 12].
والملاحظ أنّ ما لم يتكرر فيه لفظ الطاعة مع الرسول، فالسياق فيه لله وحده، ولم يذكر فيه لفظ الرسول ولا أية إشارة إليه.
آـ في آية آل عمران 32 ذكر فيها أنّ الأمر كلَّه لله وبيده قال تعالى: ﴿تُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۖ وَتُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَتُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّۖ وَتَرۡزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ [آل عمران:27] وقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [آل عمران:28] وكرّر هذا المعنى فقال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ [آل عمران:30] إلى أنْ ذكر الآية 32 ﴿قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ﴾ [آل عمران:32] فأنت ترى أنّ المقام مختصٌ بالله وحده، فذكر طاعة الله وجعل طاعة الرسول تبعاً لها .
ب ـ وكذلك الأمر في آية آل عمران 132، فلم يكرر لفظ الطاعة، إذ قال قبلها: ﴿لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ﴾ [آل عمران:128] في حين كرر لفظ الطاعة في الآيات الأخرى؛ لأنّ السياق يقتضيها .
3ـ في آية النساء 59 جعل طاعة الله وطاعة الرسول أصلية؛ ليفصل بين طاعة الرسول وطاعة أولي الأمر، فهما ليستا بنفس المنزلة، ثم قال: ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ [النساء:59] فالرسول مرجعٌ للفصل، بخلاف أولي الأمر، ثم قال بعدها: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودٗا﴾ [النساء:61] فقد جُعِلَ الرسولُ مُرْتَجَعاً كالقرآن، ثم قرّر حكماً ثابتاً فيما بعد، فقال: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ﴾ [النساء:64] فأنت ترى أنّ المقام ههنا مقام تبيان طاعة الرسول فكررها.
4 ـ في آية سورة النور 54، قد تكرر ذكر الرسول، وذلك في قوله: ﴿أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ * وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ﴾ [النور:50-52] ثم قال بعدها: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [النور:56] فجعل طاعة الرسول مقترنة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فأنت ترى أن السياق يؤكد لفظ طاعة الرسول.
5 ـ وكذلك ما جاء في سورة محمد ﷺ في الآية 32، فقد ورد لفظ الرسول وطاعته وعدم مشاقته فقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡٔٗا وَسَيُحۡبِطُ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ [محمد:32] .
6ـ وكذلك ما جاء في آية التغابن 12 فقد ختمها بقوله: ﴿فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ [التغابن:12] . والله أعلم.
7ـ المعنى العام لهذه الآية ( آل عمران 32 ): أطيعوا الله في كتابه، وأطيعوا رسوله عليه السلام في سنته، وطاعة الله متعلقة بطاعة الرسول، وطاعة الله لا تتمّ مع عصيان الرسول.
8 ـ السنة هي المصدر الثاني للتشريع، وإنكارها كفرٌ مخرجٌ من الملة. والله أعلم.
السؤال الثالث:
ما دلالة قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ ؟
الجواب:
إنْ قيل: لماذا قال الله في كتابه الكريم: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ ولم يقل مثلاً: فإنّ الله يكره الكافرين، فالجواب: نفيُ الحب يجعل الباب مفتوحاً لرجوع الحب! أي: من تاب وأناب إلى الله فسوف يحبه الله، أمّا الكره فهو إغلاقٌ لباب المحبة. والله أعلم.
بقلم: مثنى محمد هبيان
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


