الأصل الثالث : عدم موالاة الكافر في الظاهر والباطن
﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾ [آل عمران: 28]
السؤال الأول:
على من يعود الضمير في ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ﴾ وفي ﴿نَفۡسَهُۥۗ﴾ في الآية ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ﴾ ؟
الجواب:
الضمير يعود على الله تعالى، والمعنى أنّ الله سبحانه وتعالى يحذر العبادَ نفسه.
السؤال الثاني:
لِمَ لم يقل سبحانه في الآية مثلاً: ويحذركم الله غضبه أو سطوته؟
الجواب:
أيُ رادع لك أشد من هذا اللفظ؟ والله تعالى يحذرك من نفسه، أي: يحذرك من ذاته، فبهذا اللفظ كان المعنى أعم في الأحوال؛ لأنه لو قيل: ويحذركم الله غضبه، لتُوُهِّم أنَّ رضى الله لا يضر معه مخالفة أوامره.
السؤال الثالث:
ما دلالة كلمة ﴿أَوۡلِيَآءَ﴾ في الآية؟ وما معنى الولي ؟
الجواب:
1ـ كلمة (ولي) لها معنى معين، وهو الذي يعينك ويحميك وينصرك ويليك مباشرة بحيث لو طلبته أو ناديته لبى حاجتك.
وكلمة الولي تضاف إلى الله على إطلاقها، بينما تضاف بالنسبية والمحدودية لخلق الله.
2ـ إنّ من يتخذ غير الله أولياء له فليس له نصيب من نصرة الله، والله حذّرنا من اتخاذ الكافرين أولياء وأنْ نغترّ بقوة الكافرين، ولا تقل أيها المؤمن: ماذا أفعل؟ لأنّ الله لا يريد منك إلا أنْ تبذل ما تستطيع من جهد وأنْ تدع الأمرَ له، والله يطمئننا على ذلك قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ﴾ [الأنفال:60] وقال: ﴿سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ﴾ [الأنفال:12].
السؤال الرابع:
ما دلالة قوله تعالى: ﴿إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ﴾ في الآية ؟
الجواب:
1ـ قوله ﴿تُقَىٰةٗۗ﴾ مأخوذة من الوقاية، وللتقية أحكام:
آ ـ التقية تكون إذا كان الرجلُ في قومٍ كفار ويخاف منهم على نفسه وماله، فيداريهم باللسان بشرط أنْ يضمرَ خلافه؛ لأنّ التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب.
ب ـ التقية رخصةٌ والإفصاحُ بالحق فضيلةٌ وعزيمة.
ج ـ إنما تجوز التقية بإظهار الموالاة والمعاداة، وأمّا ما يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال وشهادة الزور وقذف المحصنات وإطلاع الكفار على عورات المسلمين، فذلك غير جائز البتة.
د ـ ظاهر الآية يدل أنّ التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين.
هـ ـ التقية جائزة لصون النفس، وربما جائزة لصون المال.
و ـ هذا الحكم كان ثابتاً في أول الإسلام لأجل ضعف المسلمين، فأمّا بعد قوة دولة الإسلام فلا، وبعضهم قال: التقية جائزة إلى يوم القيامة ضمن الشروط أعلاه.
ز ـ إياك أنْ تُقبِل على سلوك الكفار بانشراح صدر وتقول: أقوم بالتقية، يجب عليك أنْ تعرف لماذا فعلت التقية، هل فعلتها لتبقي منهج الخير في الوجود أو غير ذلك؟ إنْ فعلت التقية بوعي واستبقيت نفسك لمهمة استبقاء المنهج الإيماني فأنت من أهل الإيمان.
ح ـ لقد جاء الحق بالأمرين: أمر الوقوف في وجه الباطل بالاستشهاد في سبيل الحق، وأمر التقية حماية لبعض الخلق حتى لا يضيع المنهج، بحيث لو جاء جبار يريد استئصال المؤمنين جميعاً، فشرّع الحق ما يبقي للفداء قوماً، وهم الفدائية في العقيدة، ويبقي للبقاء قوماً ليحملوا منهج الله ويورثوه للأجيال المتتالية.
ط ـ لا تظن أيها الإنسان أنك تقوم بالتقية كظاهرة شكلية؛ لأنّ المؤمن لا يفعل ذلك، لماذا؟ لأنّ التحذير واضحٌ في الآيات التي تلي هذه الآية، والتي تبين أنّ الله لا يحجبه مكان عن مكان أو زمان عن زمان، فإياك أنْ تعتقد أنّ الله غيب فلا يعرف إلا غيباً؛ لأنّ الله يعلم الغيب ويعلم ما برز إلى الوجود، فالله أتْبَعَ استثناءه للتقية بالوعيد إنْ صار الباطن موافقاً للظاهر في وقت التقية.
قال تعالى: ﴿قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ * يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ [آل عمران:29-30]
2ـ قال الحسن: أخذ مسيلمةُ الكذاب رجلين من أصحاب النبي ﷺ فقال لأحدهما: أتشهد أنّ محمداً رسول الله؟ قال: نعم، نعم، نعم. فقال: أتشهد أني رسول الله؟ قال نعم. فتركه ودعا الآخر فقال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. فقال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: إني أصمُّ، ثلاثاً، فقدّمه وقتله، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: (أمّا هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيئاً له، وأمّا الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه). [من المرويات في التفاسير ولم أعثر على أصل له].
السؤال الخامس:
ما فائدة تكرار التحذير في آيتي آل عمران 28 و 30؟
الجواب:
الآية الأولى في سياق الوعيد لقوله تعالى: ﴿فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ﴾ [آل عمران:28].
وأمّا الآية الثانية فهي في سياق حذر تفويت الخير، ولذلك خصّه بقوله: ﴿وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾
[آل عمران:30]. والله أعلم .
بقلم: مثنى محمد هبيان
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


