﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران : 26]
السؤال الأول:
لو تأملت السياق في الآية لرأيت أنه يقتضي أنْ يقول: تؤتي الملك من تشاء وتأخذه ممن تشاء، للمقابلة بين الإتيان والأخذ، كما قابل بين العزة والذل (وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ) فلِمَ خصّ المُلك بالنزع دون الأخذ؟
الجواب:
إنّ لفظَ النزع يفيد تمسك المالك بملكه وعدم خروجه عنه بسهولة، كما يفيد اقتلاع الملك من مقرّه بشدّة؛ لأنّ المالك لا يتخلى عنه لو كان الأمر بيده.
من جهة أخرى فرَّق جلّ جلاله بين المُلك والعِزِّ ليُعلم أنّ العزَّ لا يلزمه منصب، ولا المناصب تجلب العزَّ، إنما العزُّ يستجلب بطاعة الله.
السؤال الثاني:
ما الفرق بين مِلك - بكسر الميم- ومُلك - بضم الميم-؟
الجواب:
هناك فرق بين مُلك ومِلك:
1ـ المُلك هو الحُكم: كما في قوله تعالى: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ) [الزُّخرُف: 51] يعني الحكم، فليست مملوكة له.
2ـ والمِلك من التملّك، فصاحب المُلك: مَلِك، وصاحب المِلك: مالك، وفي الفاتحة نقول: (ملك يوم الدين) و (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ٤) [الفاتحة: 4] لأنه تعالى المَلِك والمَالك.
علماً بأنّ في الفاتحة قراءتين متواترين (مَلِك يوم الدين) و(مالك يوم الدين)، والآية نزلت مرتين مرة (مَلِك يوم الدين) ومرة (مَالك يوم الدين) وهي قراءات نزل بها جبريل وأقرها رسول الله بأمر من ربه، وهناك عشر قراءات متواترة عن الرسول أقرها الرسول بأمر من ربه.
وعندما يقول: (مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [البقرة: 107] يعني هو مالكها، وعندما يقول: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [البقرة: 116] هذا من التملك فهي مملوكة له، فإذن في مجموع هذه الآيات هو المَالك وهو المَلِك، وكلُ آية لا تدل على الأخرى، وقوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [البقرة: 116] من التملك فهو ملكهما ومالكهما كما قال تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ) [آل عمران: 26].
وقوله تعالى: (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ) [آل عمران: 26] أي: بيده التصرف، فهي ملكه.
السؤال الثالث:
ما الوضع اللغوي لكلمة (اللَّهُمَّ) في الآية؟
الجواب:
1ـ عند البصريين أنّ الأصل: يا الله، والميم بدل من (يا) بدليل أنك لو أسقطت الميم لوجب ذكر (يا)، فتقول (يا الله) وكأنّ حذف حرف النداء يُعلِمُنا أنّ الله هو وحده المُستَدعى بدون حرفِ نداءٍ، وشُددت الميم لكونها عوضاً عن حرفين (يا).
2ـ في اللغة العربية لا ينادى ما فيه أداة التعريف بـ (يا) فلا يُقال: يا الرجل، لكنْ لفظ الجلالة تميز حتى في نطقه، وكأنّ الله يُرغم حتى الكافرين بأنْ يُجعل للفظ الجلالة تميزٌ، حتى في أفواه الكافرين، فيقولوا مع المؤمنين (يا الله). أمّا بقية الأسماء التي تسبقها أداة التعريف فلا بدّ أنْ تقول فيها: يا أيها الرجل، يا أيها العباس. ولا تقول حتى في نداء النبي (يا النبي)، ولكن تقول: يا أيها النبي.
3ـ ما رأينا في لغة العرب عَلَماً دخلت عليه (تاء) القسم سوى لفظ الجلالة، فإننا نقول: (تالله)، ولم نجد من يقول: تزيد أو: تعمرو، فتاء القسم مختصة بلفظ الجلالة فقط.
4ـ دخول اللام في القَسَم التعجبي أو في الأمور العظام نحو: لله لتبعثن.
إنها خصوصيات لاسم صاحب الخصوصية الأعلى سبحانه وتعالى.
السؤال الرابع:
كيف قال الله: (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) فخصّ الخير بالذكر، وبيده تعالى الخير والشر والنفع والضر؟
الجواب:
هذه الآية ردٌّ على المشركين بما وعد الله تعالى به نبيه على لسان جبريل عليه السلام من فتح بلاد الروم وفارس ووعد النبي الصحابة بذلك.
فلمّا كان الكلام في الخير خصه بالذكر باعتبار الحال ولأنه المرغوب، واكتفى بأحدهما لدلالته على الآخر كقوله تعالى: (سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) [النحل: 81] أي والبرد.
السؤال الخامس:
لماذا جاءت أفعال الله في الآية بالصيغ الفعلية الدالة على التجدد والحدوث نحو: (تُؤْتِي) (وَتَنْزِعُ) ( وَتُعِزُّ) (وَتُذِلُّ) [آل عمران: 26] ؟
الجواب:
السبب أنّ سياق آيات آل عمران هو في التغير والحدوث والتجدد عموماً، فالله سبحانه وتعالى يؤتي ملكه من يشاء أو ينزعه منه، ويعزّ من يشاء أو يذله، ويغيّر الليل والنهار، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، وغير ذلك من الأحداث، فالسياق كله حركة وتغيير وتبديل، فجاء بالصيغة الفعلية الدالة على التجدد والتغيير.
وفي الآية فن المقابلة فقد طابق بين: (تؤتي وتنزع) وبين (تُعزّ وتُذل).
السؤال السادس:
ما الفرق بين الإعطاء والإيتاء؟
الجواب:
1ـ هناك تقارب من ناحية الصوت والمعنى بين (آتى و أعطى)، لكنّ الفعل (آتى) يستعمل في اللغة لما هو أوسع من (أعطى). والشواهد القرآنية التالية تبين الفرق في الاستعمال:
ـ ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 269] للحكمة والأمور المعنوية.
ـ ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ [طه: 99] للأمور المعنوية.
ـ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾ [الأنبياء: 51] للرشد.
ـ ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 54] للملك.
ـ ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾ [القصص: 76] للأموال والأمور المادية.
ـ ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: 177] للأموال والأمور المادية.
ـ ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾ [النجم: 34] للأمور المادية.
ـ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى٥وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: 5-6] للأمور المادية.
إذن: (أعطى) تستعمل في الأمور المادية فقط، وفيه تملك، وهو للتخصيص غالباً. أمّا (آتى) فيستعمل للأموال وللأمور المادية والمعنوية كالملك والرشد والحكمة، والإيتاء يمكن أنْ يكون للتملك، لكن ليست نهائية لأنها سترد؛ ولذلك غير المادية لا يصح فيها استعمال(أعطى).
2ـ الإعطاء أقوى من الإيتاء من ناحية اللفظ الصوتي؛ لأنه عند المقارنة بين (أتي) و (عطو) نجد أنّ العين حرف حلقي ومجهور يهتز معه الوتران ، والواو أقوى من الياء لفظاً، والطاء حرف مجهور مطبق، بينما التاء مهموس مستتر.
ولذلك عندما تكلم الحق عن شيء مادي قوي عظيم كالكوثر، ناسب ذلك الأحرف القوية في (أعطى) لأنّ (آتينا وآتى) فيها نوع من الرقة واللين.
3 ـ الإيتاء يشمله النزع، بمعنى أنه ليس تمليكاً إنما العطاء تمليك. قال تعالى: (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ)، (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ... فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ) (آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا) والقرآن يستعمل الإيتاء مع الملك؛ لأنه سبحانه قد ينزعه سبحانه ، أمّا الإعطاء فهو تمليك للشخص وله حق التصرف فيه وليس ذلك في الإيتاء؛ لأنه لا يفيد المُلك التام، قال تعالى: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) [ص ـ 35] (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [ص ـ 39] أي بما أنه عطاءٌ من الله تعالى لسيدنا سليمان فله حق التصرف في عطاء الله له.
وقد يكون الإيتاء آية فليس للنبي حق التصرف بها، بل عليه تبليغها، أمّا الكوثر فقد أعطاه الله سبحانه لرسوله تمليكاً له يتصرف فيه كيفما يشاء.
ـ من ناحية أخرى (الإيتاء) يحتمل أنْ يكون واجباً، ويحتمل أنْ يكون تفضلاً، أمّا الإعطاء فإنه بالتفضل أشبه، وهو من كرم الله تعالى.
ـ كذلك يعني أنّ هذا الحوض هو كالشيء القليل بالنسبة إلى ما هو مدخرٌ للنبي عليه السلام في الآخرة من الدرجات العالية والمراتب الشريفة؛ لذلك هو يتضمن البشارة بأشياء هي أعظم من المذكور. والله أعلم.
السؤال السابع:
ما قاعدة دخول (ألـ) التعريف على الاسم الذي أوله (لام) كما في كلمة (اللَّهُمَّ) في الآية؟
الجواب:
1ـ كلُ اسم كان أوله لاماً ثم أُدخلت عليه(ألـ) التعريف يُكتب بلامين، نحو قولك:
(اللهم ـ اللبن ـ اللجام ـ اللحم) إلا: (الذي) و (التي) فإنها تُكتب بلام واحدة لكثرة ما تستعمل.
2ـ فإذا ثنَّيت (الذي) كُتبت (اللذان) و (اللذين) بلامين، لتفرق بين التثنية والجمع. وأمّا (اللتان) و (اللاتي) و (اللائي) فكلها تُكتب بلامين.
3ـ وقد اختلفوا في (الليلة) و (الليل) فكتبه بعضهم بلام واحدة اتباعاً للمصحف، وكتبه آخرون بلامين.
4ـ وكل شيء من هذا إذا أُدخلت عليه لام الإضافة كتبته بلامين وحذفت واحدة استثقالاً لاجتماع ثلاث لامات، نحو: (للذي ـ للتي ـ للذين ـ...)
والله أعلم.
بقلم: مثنى محمد هبيان
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


