﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 20]
السؤال الأول:
ما السلوك التركيبي للفعل (يُسلم) من حيث التعدّي واللزوم؟ هنا جاء الفعل يُسلم متعدياً بـحرف الجر (اللام)، وكما في الآيات: ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج:34] ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران:20] وفي مواطن أخرى في القرآن جاء متعدياً بحرف الجر إلى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [لقمان:22] فما الفرق بين تعدِّيه بـ (اللام) وتعديه بـ (إلى)؟
الجواب:
1 ـ أكثر ما ورد في القرآن متعدياً بـ (اللام)، ولم يرد بـ (إلى) إلا فقط في سورة لقمان ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [لقمان:22]، أمّا البقية فكان التعدي باللام أو من دون حرف جر، كما في الآيات التالية:
ـ ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:44] مع اللام .
ـ ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:131] مع اللام.
ـ ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر:66] مع اللام.
ـ ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحُجُرات:14] بدون لام.
2 ـ المُراد من قوله تعالى : ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ﴾ ثلاثة أمور :
آ ـ أعرضْ عنهم واقطعِ المجادلةَ معهم فإنهم مكابرون، ولا فائدةَ من الحوار معهم.
ب ـ أن يكون المرادُ بها إقامةَ الحجة عليهم في إسلامهم الوجه لله، ليحملهم هذا على التسليم والإذعان.
ج ـ أن يكون المراد: إنْ كنتم تحاجّون في أنّ الدين عند الله الإسلام فقل: إني بالإسلام سلّمت وجهي إلى الله، ولن ألتفت إلى عبادتكم غير الله، فديني هو الحق، وأنتم لستم على دين.
3 ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أحدٍ يسمعُ بي من هذه الأمَّةِ، ولا يهوديٌّ، ولا نصرانيٌّ، فلا يُؤمنُ بي ؛ إلَّا دخل النَّارَ) [السلسلة الصحيحة 3093].
السؤال الثاني:
ما الفرق بين أسلم إلى، وأسلم لـ ؟ وما الفرق بينهما في الدلالة؟
الجواب:
أـ (أسلم إليه) معناه: دفعه إليه، أو فوّض أمره إليه، هذا المشهور، وهو من التوكل، و(أسلم) بمعنى انقاد وخضع، ومنها (الإسلام) بمعنى الانقياد، وأسلم الشيء إليه، أي: دفعه إليه، أعطاه إليه بانقياد، أو فوض أمره إليه، وهذا أشهر معنى لأسلم إليه.
ب ـ أسلم لله، معناه: انقاد له وجعل نفسه سالماً له، أي: خالصاً له، جعل نفسه لله خالصاً وأخلص إليه.
* شواهد قرآنية:
أسلم لـ:
ـ قالت ملكة سبأ: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل:44] أي: انقدتُ له وخضعتُ له وجعلتُ نفسي سالمة له خالصةً ليس لأحد فيه شيء.
ـ إبراهيم عليه السلام قال: ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:131] أسلم له أي: انقاد له وجعل نفسه خالصة له.
أسلم إلى:
أمّا (أسلم إليه) فمعناه: دفعه إليه، و(أسلم إليه)، أي: فوّض أمره إليه يعني في الشدائد، كما في قوله تعالى: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر:44] أي: في الانقياد، أمّا (أسلم لله) فجعل نفسه خالصاً له ليس لأحد شيء.
ج ـ لذلك قال القدامى: (أسلم له) أعلى من (أسلم إليه)؛ لأنه إذا دفعه إليه قد يكون لم يصل، لكن (سلّم له) فيه اختصاص واللام للملك، و(أسلم لله) ملّك نفسه لله، ولذلك قالوا: هي أعلى.
السؤال الثالث:
متى تثبت الياء ومتى تحذف كما في قوله (واخشوني، واخشون) بشكل عام؟
الجواب:
1ـ هذا التعبير له نظائر في القرآن (اتّبعني، اتبعنِ، كيدوني، كيدونِ، أخّرتني، أخرتنِ).
أمّا [اخشوني واخشونِ] فوردت الأولى في آية البقرة 150 في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة:150] والثانية وردت في آية المائدة 3 ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة:3].
2ـ عندما يُظهِر الياء يكون التحذير أشد في جميع القرآن، أي عندما يُظهِر الياء يكون الأمر أكبر.
فمثلاً عندما تحذّر أحدهم فإنّ التحذير يكون بحسب الفِعلة، مثلاً لو أحدهم اغتاب آخر تقول له: اتقِ ربك، وقد يريد أنْ يقتل شخصاً فتقول له: اتق الله، فالتحذير يختلف بحسب الفعل، إذا كان الفعل كبيراً يكون التحذير أشد.
3ـ وقد يكون لسبب آخر غير التحذير، كما في السؤال التالي .
السؤال الرابع:
في آية آل عمران 20 لم يذكر الياء فقال: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران:20] بينما ذكر الياء في آية يوسف 108 ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:108] فلماذا ؟
الجواب:
1ـ ننظر أي الذي يحتاج إلى اتّباع أكثر؟ الذي يدعو إلى الله على بصيرة أو مجرد أنْ يكون مسلماً فقط؟ لا شك أنّ الداعية ينبغي أنْ يكون متّبعاً أكثر في سلوكه وعمله؛ لأنه داعية إلى الله فينبغي أنْ يكون مثلاً في سلوكه ومعرفته؛ وهذا يحتاج للياء ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران:31] بالياء .
2ـ آية آل عمران هي في الدخول في الإسلام، وآية يوسف في الدعوة إلى الله، وهي خصوصية تتم بعد الدخول في الإسلام.
3ـ الدعوة إلى الله تتطلب علماً وبصراً في أحكام الإسلام أكثر من مجرد الدخول في الإسلام؛ لأنها مقام تبليغ، وهذا لا يكون إلا عن علمٍ وبصيرة، ولذلك قال: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:108].
4ـ كذلك تتطلب الدعوةُ إلى الله اتباعاً أكثر للرسول في القول والعمل والتزاماً أكبر بتعاليم الإسلام، حتى يكون مقبولا مجاباً.
5 ـ المذكورون في سورة يوسف داخلون في آية آل عمران، وأمّا المذكورون في سورة آل عمران فلا يشترط أنْ يكونوا داخلين في آية يوسف؛ إذ ليس كل مسلم داعية، وبذلك يكون اتباع الرسول في سورة يوسف أكثر، فهو يشمل الاتّباع الأول وزيادة، أي مسلمين ودعاة، فكان ذكر الياء فيها أولى من الاجتزاء؛ لأنّ الياء عبارة عن الكسرة وزيادة، فلما زاد الاتباع زاد بذكر الياء فوضع كل تعبير في مكانه المناسب، والله أعلم.
السؤال الخامس:
قوله تعالى في الآية: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ ما دلالة الاستفهام بالهمزة؟
الجواب:
انظر الجواب في آية آل عمران رقم 15. والله أعلم.
بقلم: مثنى محمد هبيان
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


