مختارات من تفسير (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 270)

مختارات من تفسير (من روائع البيان في سور القرآن) (الحلقة 270)

التصنيف: واحة التفسير
الجمعة، ٥ ذو القعدة ١٤٤٦ هـ - ٢ أيار ٢٠٢٥
387

الأصل الثاني هو الإسلام بمعناه العام


﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: 19]


السؤال الأول:
ما دلالة هذه الآية؟


الجواب:
1 ـ هذه الآية على قِلَّتها استطاعت أنْ تأتي ببيانٍ عظيمٍ للدين الإسلامي وفضيلته بأجمع عبارة وأوجزها، فلقد جاءت الآية على صفة الحصر، حصر الدين في الإسلام دون غيره؛ وذلك لتعريف اسم (إنّ) أي: الدين، وخبره أي: الإسلام، وكأنّ الله تعالى يقول: لا دين إلا الإسلام، ألا ترى أنك تقول: أحمد الناجح، فتحصر النجاح بأحمد، بخلاف أحمد ناجحٌ، أي: هو ناجح من بين الناجحين، ثم أكّد الله تعالى انحصار الدين بالإسلام بصورة أكثر باستعمال حرف التوكيد (إنّ).


2 ـ اشتملت هذه الآية على ضروب من الأمور في ذم أهل الكتاب وهي :
آ ـ وصفهم بأنهم أهل الكتاب ، والاختلاف بحد ذاته قبيح ، ولكنه حصوله بعد إتيان الكتاب والعلم أقبح .
ب ـ ثم ترقى في الذم فبيّن أنّ الاختلاف لم يكن إلا بغياً بينهم .
ج ـ ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي اختلفوا للبغي لأجل الحسد والبغي ، وليس بسبب ما جاءهم من العلم .


3 ـ ﴿بَغْيًا﴾ انتصب على أنه مفعول لأجله ، وقيل : مفعول مطلق ، انتصب على المصدر الذي أحدثه الفاعل . والله أعلم.


السؤال الثاني:
ما الفرق بين الدّين والمِلة والشريعة والنِحْلة والفرقة والطائفة؟


الجواب:
أولا : الدّين :
ـ لغة : مأخوذ من الفعل (دان) بمعنى اعتقد واعتنق ، وهو عبارة عن الطاعة والانقياد .
ـ اصطلاحاً : مجموعة من المبادئ والقيم التي يعتقدها مجتمع من المجتمعات اعتقاداً وقولاً وعملاً .


ـ أمور عامة :
آ ـ الدين: اسم لما عليه كل واحد من أهله، لذلك يقال: فلان حسن الدِّين، ولا يقال: حسنُ المِلَّةِ.
ب ـ الدين فيه معنى الطاعة والخضوع والإلزام ، والدين ما تُدين به نفسك فتخضع وتطيع .
ج ـ الدين ما يُطاع فيه المعبود، ولكل واحد منا دين.
د ـ وإذا أُطلق الدين فهو الطاعة العامة التي يجازى عليها بالثواب، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران:19] وإذا قُيد اختلفت دلالته.
هـ ـ دين الله واحد من ناحية التوحيد وأركان الإيمان.
و ـ وقد يسمى الدين والملة باسم الآخر في بعض المواقع لتقارب معنييهما.


ثانياً : الملّة :
ـ لغة : أصل الملة في اللغة (الملُّ) وهو التكرار من قولك: طريق مليل، إذا تكرر سلوكه، ويقول أحدنا : مللتُ من الأمر إذا كرره كثيراً .
وجاءت الكلمة بمعاني (الإملاء) من قبل الآخرين كما في الآيات:
ﭐ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة:282].
ﭐ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان:5].
ومن ذلك قولهم: أمليت على فلان، وكذلك مادة الإملاء في المدارس. وجاء في لسان العرب : في قوله تعالى : ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:120] أي : سنتهم وطريقتهم.


ـ اصطلاحاً : الملة: اسم لجملة الشريعة، لذلك (الملة) تفيد استمرار أهلها عليها، وقد وردت في القرآن الكريم (15) مرة بعدة صيغ ، منها : [ملتنا ـ ملتهم ـ ملتكم ]،لكنها جاءت مفردة: (ملة إبراهيم ـ ملة آبائي إبراهيم) (8) مرات .


لذلك كلمة (ملّة) تستعمل في معنيين :
آ ـ طريق يسلكه الناس دائماً .
ب ـ أوامر وضوابط يلتزمها الناس ، وقد تم تلقيها من أناس آخرين كالآباء والأجداد ، سواء بالحق أو الباطل ، لذا هناك ملة حق وملة باطل .


أمور عامة :
ـ الملة والدين : متحدان بالذات ، ومختلفان بالاعتبار ، فإنّ الشريعة من حيث أنها تطاع تسمى ديناً ، ومن حيث أنها تجمع تسمى ملّة ، ومن حيث أنها يرجع إليها تسمى مذهباً .
ـ قيل إنّ الفرق بين الدين والملة والمذهب أنّ الدين منسوب إلى الله تعالى ، والملة منسوبة إلى الرسول ، والمذهب منسوب إلى المجتهد .
ـ وقالوا : أهل الملل هم أقوام يتبعون كتاباً دينياً ، وأمّا أهل النحل فليسوا تابعين لكتاب ديني .
ـ الملة لا تضاف إلا إلى نبي : (ملة إبراهيم) ، ولا يقال : ملة الله ، بل دين الله .
ـ يقال : فلانٌ حسن الدين ، ولا يقال : حسنُ الملة .
ـ وقيل : كل ملة دين ، وليس كل دين ملة . والملة تطلق على الدين الصحيح وعلى الدين المحرف والباطل ، لكن اصطلح على تسمية الدين الصحيح بالملة ، والدين المحرف بالنحلة .


ثالثاً : الشريعة :
ـ لغة : مورد الماء الذي يؤخذ منه ، وهي الطريقة المأخوذ فيها إلى الشيء، وسمي الطريق إلى الماء (الشريعة)، وقيل: (الشارع) لكثرة الأخذ فيه . و(الشريعة) الطريقة المستقيمة ، وشرع لهم كذا : أي سنّ لهم كذا .
ـ اصطلاحاً : مجموعة من المبادىء والقيم التي يعتقدها مجتمع من المجتمعات اعتقاداً وقولاً وعملاً . ومن هنا جاءت كلمة (الشريعة) في الإسلام ، وهو كل ما شرع الله لعباده من الدين من الأحكام المختلفة ، ولأنّ الناس تنهل وتأخذ منها كما ينهل الناس من مورد الماء ، فهي كالماء للبشر.


ـ أمور عامة :
ـ لا فرق بين الشريعة والدين ، وكل منهما يطلق على الآخر ، إلا أنه تستعمل
(الشريعة) على السنن والأحكام ، كما قال تعالى : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48] .
ـ استعملت (الشريعة) استعمالاً خاصاً فلم تشمل التوحيد .
ـ الشرائع مختلفة في الأوامر والنواهي، لذلك في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي الفرقان شريعة ، وهكذا .


رابعاً : النِحْلة :
ـ لغة : النِحلة هي الدعوى ، و (انتحل) فلانٌ شِعرَ غيره أي نسبه له ، وفلان
(ينتحل) مذهب كذا إذا انتسب إليه .
ـ اصطلاحاً : ما اخترعه قوم واتفقوا عليه ، من غير دليل نقلي ، أو سماع من نبي .


ـ أمور عامة :
ـ حتى لوسُطرت النِحلةُ في كتاب، فإنه كتابٌ أرضي لا كمالَ فيه ولا قداسةَ له.


خامساً : الفرقة والطائفة :
هي جزء من الأمة ، يغلب عليها لقبٌ خاص بها ، تميزت بمنهج خاص عن منهج أهل السنة والجماعة ، مثل : الروافض ـ الخوارج ـ القدرية ـ المعتزلة ، بينما يطلق على أهل السنة والجماعة : الفرقة الناجية ـ الفرقة المنصورة .
وفي الحديث : (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله ، لا يضرهم من خذلهم ، أو خالفهم ، حتي يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس). [صحيح مسلم (1037)].
وفي الحديث : (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة ، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة ، قيل : من هم يا رسول الله ؟ قال : من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي). [مجموع الفتاوى (3/345)]

والله أعلم.


بقلم: مثنى محمد هبيان

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
الخميس، ٦ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١١ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 3)
اللمسات البيانية في البسملة [بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] {الفاتحة:1} السؤال الأول...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
الأربعاء، ٥ شعبان ١٤٤٠ هـ - ١٠ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 2)
  البسملة ومقاصد سورة القاتحة وأسماؤها وفضلها  القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل...
مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
الاثنين، ٣ شعبان ١٤٤٠ هـ - ٨ نيسان ٢٠١٩مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القرآن" (الحلقة 1)
  الاستعاذة قال الله تعالى : [خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَا...