الأصل الأول في جميع الشرائع السماوية هو التوحيد
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18]
السؤال الأول:
ما معنى قوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ ؟
الجواب:
1ـ القسط لغة: هو العدل، وقائماً بالقسط، أي: قائماً بالعدل، والفعل (قَسَطَ): جار وظلم، والقاسطون هم الظالمون، وأقسط: أزال الجور والظلم، وتسمى همزة السلب، فهذا الفعل مدحٌ في الرباعي وذمٌ في الثلاثي.
2ـ قوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ معناه: قائماً بالعدل، وهو منصوب على الحال اللازمة، أو الصفة لإله، ولقد شهد الله سبحانه أنه هو (قائماً بالقسط) والملائكة شهدوا هذه القضية، والعلماء شهدوا هذه القضية، لماذا ؟
لأنّ الله لو قال: (قائمين بالقسط) لكان الله مشهوداً عليه من هؤلاء، والشهادة هي له وحده أنه قائم بالقسط .
السؤال الثاني:
ما إعراب ﴿قَائِمًا﴾ في الآية ؟
الجواب:
1ـ أشهر إعراب لكلمة ﴿قَائِمًا﴾ في أشهر الأعاريب أنها حال لازمة. وصاحب الحال هو الله سبحانه وتعالى.
2ـ الأصل في الحال التحول والانتقال؛ وسميت حالاً لأنها تتحول: أقبل راكباً، أقبل ضاحكاً، فالأصل فيها التحول، وقد تأتي الحال لازمة ثابتة في مواطن.
3ـ الحال تتعلق بالفعل أو ما يشبه الفعل أو فيه معنى الفعل، والأصل فيها أنْ تكون منتقلة، وقد تكون ثابتة لازمة كما في الآيات التالية:
ـ قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران:36] أنثى حال ثابتة؛ لأنّ الأنثى لن تتحول إلى ذكر .
ـ قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:28] لن يقوى، وهذه لازمة لا تتحول.
ـ قوله تعالى: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام:126] فهو لن يعوجّ .
ـ ويقولون: خلق الله الزرافة يديها أطولَ من رجليها، (أطولَ) هذه حال لن تتحول.
أما قولك: جاء مبتسماً، سيتحول، الآن مبتسم وسيتغير.
إذن هنالك حال لازمة وحال ثابتة، ومسألة اللزوم والانتقال في الحال مخصوصة بالحال نفسها.
4ـ في آية آل عمران (18) قوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ أي: لا ينفك، وهذه حال ثابتة، وتدل هذه الشهادة (أنه لا إله إلا هو قائماً بالقسط) في هذه الحال اللازمة على لزوم التوحيد والقيام بالقسط، فشهدوا على أمرين:
آـ ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
ب ـ مع القيام بالقسط على وجه الدوام .
5ـ وإنْ كان بعضهم يجوّز إعراب ﴿قَائِمًا﴾ صفة لكلمة (إله) التي هي مبنية ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ مبنية اسم لا النافية للجنس، لكنّ على الإعراب المشهور أنّ ﴿قَائِمًا﴾ حال، وصاحب الحال الله سبحانه وتعالى.
السؤال الثالث:
ما دلالة تكرار قوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ في الآية مرتين ؟
الجواب:
1ـ تكرر قول الله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ في الآية مرتين، فالأول هو قول الله عز وجل، وهو شهادة الذات للذات، والثاني حكاية قول الملائكة وأولي العلم.
2 ـ قال جعفر الصادق رحمه الله تعالى: الأول وصف، والثاني تعليم. أي: يا أمة محمد كونوا أنتم على وفق شهادة الله وشهادة الملائكة وأولي العلم وخذوها مسلمة وقولوا: لا إله إلا الله .
3ـ الشاهد الحقيقي ليس إلا الله؛ لأنه خلق الأشياء وجعلها دلائل على توحيده، ولأنه هو الموجود أزلاً وأبداً، وهذا وإنْ كان في صورة الشهادة إلا أنه في معنى الإقرار.
4ـ ومادام (لا إله إلا الله) فليكن اعتمادك عليه وحده؛ لأنه العزيز الحكيم.
قال ﷺ: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أنْ ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أنْ يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف» . [أخرجه الترمذي (2516) وأحمد (2669)].
السؤال الرابع:
ما دلالة قوله تعالى: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ؟
الجواب:
قوله تعالى: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ بالتعريف الذي يفيد الكمال والحصر لهاتين الصفتين، وإشارة إلى كمال القدرة والعلم، وهما الصفتان اللتان يمتنع حصول القدرة الإلهية إلا معهما.
السؤال الخامس:
ما الفرق بين القسط والعدل؟
الجواب:
1ـ القسط له معنيان: العدل، والحِصّة والنصيب، وكلمة (القسط) تستعمل في القرآن في الوزن وفي غيره، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة:42] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء:135] .
2ـ ولم يستعمل سبحانه (العدل) مع الميزان مطلقاً في القرآن كله، ولم يستعمل مع الميزان إلا (القسط) لأنّ القسط هو الحصة والنصيب، والغرض من الميزان أنْ يأخذ الإنسان نصيبه؛ ولذلك لم ترد في القرآن كلمة العدل مع الوزن كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ [الأنعام:152].
3ـ ومن أسماء الميزان: القسطاس ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء:35] .
4ـ علماً بأن كلمة (يقوم) لم ترد في القرآن مع العدل، وإنما جاءت مع القسط فقط، كما في الآيات :
﴿قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء:135] ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد:25] ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ [النساء:127] ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران:18] ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:9] ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ [هود:85].
والله أعلم
بقلم: مثنى محمد هبيان
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


